قوة جوية مصرية ضاربة تفرض معادلة توازن في سماء الشرق الأوسط
القاهرة - تواصل مصر تنفيذ برنامج طموح لتحديث قواتها المسلحة، وصفه مراقبون بأنه الأكبر في تاريخها الحديث في ظل تصاعد التوترات الإقليمية على أكثر من جبهة من لبنان وسوريا إلى قطاع غزة. ويأتي ذلك في وقت تتابع فيه الدوائر الإسرائيلية بقلق متزايد الحشد العسكري المصري المتنامي في سيناء وعلى مقربة من الحدود، وسط مخاوف من تغير موازين القوى في المنطقة.
ويرى خبراء عسكريون أن القاهرة تسعى إلى بناء قوة جوية هي الأشد قدرة وردعًا في الشرق الأوسط وإفريقيا، بما يتناسب مع اتساع مسؤولياتها الدفاعية في البحرين الأحمر والمتوسط.
وقد أوضح الخبير الاستراتيجي اللواء سمير فرج وفق ما نقله عنه " موقع اخبار شمال افريقيا" أن امتلاك مصر أسطولين بحريين عاملين في الممرين البحريين الرئيسيين يفرض بالضرورة تطوير مظلة جوية متقدمة لحماية خطوط الملاحة والممرات الحيوية، وفي مقدمتها قناة السويس.
وشدد على أن "البحر الأحمر يمثل خط الدفاع الأول عن قناة السويس، التي تعد شريان التجارة العالمية ومصدرًا رئيسيًا للعملة الصعبة بعد تطويرها، ما يجعل تأمينها واجبًا وطنيًا لا يحتمل التراخي" مضيفا "أن الأسطول الجنوبي المصري المنتشر في قواعد متقدمة على البحر الأحمر يتولى حماية القناة وتأمين حركة السفن التجارية، فيما يضطلع الأسطول الشمالي في البحر المتوسط بمهمة حماية حقول الغاز والبترول ضمن المنطقة الاقتصادية الخالصة لمصر.
وأكد فرج أن امتلاك قوة ردع جوية متكاملة هو “حق سيادي وضرورة استراتيجية لضمان حماية الموارد الوطنية ومواجهة أي تهديد محتمل، سواء من البحر أو من الجو”.
ومن جانبه، يرى الباحث العسكري أحمد زايد، مؤسس مجموعة "73 مؤرخين"، أن التحديث الجوي المصري يندرج ضمن تحول استراتيجي أوسع يستهدف تقليص الاعتماد على السلاح الأميركي الذي شكّل لعقود العمود الفقري للقوات الجوية المصرية.
واوضح أن القاهرة بدأت منذ أكثر من عشر سنوات مسارًا متدرجًا نحو تنويع مصادر التسليح وتقليص الفجوة التقنية مع سلاح الجو الإسرائيلي، عبر إدخال منصات متطورة من دول مختلفة.
وأشار إلى أن الصفقات الأخيرة شملت مقاتلات ميغ-29 ام/ام2 الروسية بنسخها الحديثة، وطائرات رافال الفرنسية متعددة المهام، فضلًا عن مفاوضات متقدمة للحصول على مقاتلات صينية من طراز جي-10 وجي-35 الشبحية، التي أجريت لها تجارب تشغيل ميدانية في القواعد المصرية مؤخرًا.
وأوضح زايد أن هذه التوجهات تهدف إلى إحلال الطائرات الأميركية القديمة من طراز اف-16، التي دخلت الخدمة منذ منتصف الثمانينيات، واستبدالها بأنظمة أكثر تطورًا لا تخضع للقيود السياسية أو لقرارات الحظر الغربي المتكررة.
وأضاف "مصر تعمل على تحقيق استقلال كامل في قرار التسليح، بعدما واجهت خلال السنوات الماضية تعطيلًا متكررًا في توريد الذخائر وقطع الغيار من واشنطن لأسباب سياسية".
وبالتوازي مع هذه التحركات، أبدت أوساط إسرائيلية، وفق تقارير إعلامية، قلقها من التواجد العسكري المصري الكثيف في شمال سيناء وعلى امتداد الحدود الشرقية، معتبرة أن حجم التعزيزات ونوعية التسليح يتجاوزان ضرورات مكافحة الإرهاب.
ويقول مراقبون إن التصعيد الإسرائيلي في أكثر من ساحة من الجنوب اللبناني إلى غزة وسوريا جعل المنطقة على حافة اشتعال أوسع، ما يدفع القاهرة إلى تعزيز جاهزيتها العسكرية تحسبًا لأي انعكاسات مباشرة على أمنها القومي.
ويرى زايد أن "الحديث الإسرائيلي عن أرقام الأسطول الجوي المصري مقارنة بالإسرائيلي مضلل"، موضحًا أن "الطائرات المصرية من طراز اف-16 بلوك 40 تختلف جوهريًا عن النسخ الإسرائيلية الأحدث المزودة بأنظمة حرب إلكترونية متقدمة وذخائر ذكية، ما يجعل المقارنة العددية بلا معنى”.
وأكد أن العقيدة العسكرية المصرية تركز اليوم على الكفاءة النوعية والتكامل بين أفرع القوات المسلحة الجوية والبحرية والدفاع الجوي بما يحقق قدرة ردع شاملة وليست مجرد تفوق عددي.
وفي ضوء هذه التطورات، يعتقد محللون أن بناء مصر لقوة جوية حديثة لا يهدف إلى سباق تسلح بقدر ما يسعى إلى فرض معادلة توازن تمنع أي طرف من التفكير في تهديد حدودها أو مصالحها الاقتصادية.
ويختتم اللواء فرج بالتأكيد على أن "القدرة الرادعة ليست ترفًا عسكريًا، بل شرط أساسي للاستقرار في بيئة إقليمية متقلبة".
ومع استمرار التصعيد الإسرائيلي في أكثر من جبهة، يبدو أن القاهرة مصممة على ترسيخ موقعها كقوة إقليمية كبرى تمتلك ما يكفي من الوسائل لحماية حدودها ومصالحها، في معادلة جديدة بدأت ملامحها تتشكل بصمت على خريطة الشرق الأوسط..