كورونا وملامح القوة العالمية
شهد التمرحل الجيو – تاريخي للعالم انماطا من القوى الجيوبوليتيكية المتنافسة والمهيمنة، كما اتصف كل نمط بنسق خاص، والذي تميز منذ بدايات القرن العشرين، بتشابك ازماته مع الاقتصاد السياسي، هذا التشابك بين الانسان والربحية نتيجة للحداثة المفرطة انتجت التشيوء (لوكاش)، ليتحول الى مفهوم الهيمنة (غرامشي) باعادة انتاجه تكنولوجيا، اذ صنفت الاخيرة العالم الى مركز واطراف.
تمثل نظرية المركز والاطراف لدى ايمانويل فالرشتاين، والذي وظفها بيتر تيلور وكولن فلنت جيوبوليتيكيا، انموذجا، لدراسة وتحليل التحولات الاجتماعية على نحو مترابط بين جميع الامكنة (دول العالم جيوبوليتيكيا) اذ تصبح بعض الدول مجرد اجزاء او عناصر في بنية اكبر، لايمكن فهمها خارج سياق منظومة عالمية، اذ تتاثر الاجزاء مع بعضها، الا ان هذا التاثير يكون بمستويات مختلفة، من حيث الانماط والنتائج لاسيما بالتعامل مع الظواهر غير المرئية مثل فايروس كورونا الذي اجتاح كل الامكنة وبسرعة فائقة، في عالم التدفقات، التي يتجاوز فيه الفضاء الجغرافي (تدفقيا) قدرات الجسم البشري الفردي على تحديد مكانة وتنظيم محيطه المباشر بشكل ملموس، انتجت في لحظة (ابستمولوجيا) انماطا لنظام صحي عالمي. تبدو للوهلة الاولى ان المركز المهيمن تكنولوجيا، ذو مستويات معيشية عالية والاندماج الصانع للمواطنة، اكثر تاثرا وخسارة بشريا وماديا، اما الاطراف، التي تمثل الصورة المقلوبة للحالة الاولى في جميع المعايير فانها الاقل خسارة بشريا وماديا، والملاحظ ان النظام العالمي منذ انتهاء الحرب الباردة قد انتابه مخاضات متفاوتة الشدة، (ان النسق العالمي المعاصر بوصفه نسقا تاريخيا، قد دخل مرحلة الاحتضار وانه من غير المحتمل ان يبقى قائما، ونعلم حق العلم ان مرحلة الانتقال ستكون عصيبة وحافلة بالمتاعب وغامضة النتائج جدا، وقدرة المدخلات الصغيرة على التاثير في المخرجات عظيمة كل العظم.. ايمانويل فالرشتاين، نهاية العالم كما نعرفة، ترجمة د. فايز الصياغ، هيئة البحرين، 2017).
ستنعكس بلا شك تداعيات هذا الاحتضار بعد فايروس كورونا على المركز تتعلق في بنية وتراتبية المركز نفسه، اذ سيكون التعاطي مع قضية الصحة في الاولويات من منظور صحي – عرقي ضمن اطار امني – ستراتيجي، سيدفع الى تشكيل بنية نظام صحي عالمي جديد، وهو ما يعيد انتاج الاقاليم الجيوبوليتيكية ويضعها ابستمولوجيا في تصنيفات الغرب والاخرين، بمعنى اخر فان المركزية العرقية للغرب، ستتجلى في استحضار ذاكراتها لعوالم المتحضرين والبرابرة، مع محاولة مشاركة الصين في هذا النظام، اذ ستتعامل الاخيرة بحكمة ضمن المقطع الجيو – تاريخي الاول منه.
ان صورة التوزيع للقوة العالمية، ستكون لها ارتدادات، على مستوى الدولة – مادون الدولة، لاسيما عالم الجنوب المعولم. ولعل الخيال الجيوبولتيكي في لحظة صيرورتها ترسم الاتي:
1. تزايد دور القوة الناعمة في العلاقات الجيوبولتيكية بين القوى الكبرى لصنع مجالاتها الحيوية. ويظهر من خلال تعاطي كلا من الولايات المتحدة الاميركية والصين مع هذا الفايروس، عبر دعم كل قوة لتلك المجالات، وظهور التشابك فيها على نحو اكثر مما كانت عليه بين الطرفين (التنافس في دعم العراق لمجابهة فايروس كورونا)
2. ستصبح الدول الريعية في عالم الجنوب اكثر هشاشة، واكثر النماذج الجيوبولتيكية، ستكون من نمط الصراعات (مجموعات ضد مجموعات، لتتحول الى صراع الدولة ضد مجموعة – مجموعات)
3. ان التنافس على الموارد الطبيعية (الفلزية – غير الفلزية) الرئيسة سيكون اكثر شدة، على نحو يولد ارتطامات، ولكون غالبية تلك الموارد تتوزع في اقاليم ودول (ريعية، هشة، فاشلة) واعتمادا على مستويات التحليل في الفقرة الثانية، فان بنية الدولة ستكون مهددة، لذا يتوقع زيادة نماذج الاقاليم والكانتونات.