كورونا يفاقم عزلة الصين في ظل ارتفاع ضحايا الفيروس
بكين - تفاقمت عزلة الصين على خلفية انتشار فيروس كورونا السبت، فيما ارتفعت حصيلة الوفيات الناجمة عنه إلى 259 في وقت تصدّرت الولايات المتحدة وأستراليا قائمة الدول التي فرضت إجراءات استثنائية لحظر السفر من إلى الدولة الآسيوية.
وانتشر الفيروس إلى أكثر من 20 دولة، فكانت بريطانيا وروسيا والسويد بين البلدان التي أكّدت أولى الإصابات لديها، ما دفع الحكومات للمسارعة في فرض قيود للحد من انتشاره.
وشددت الولايات المتحدة موقفها الجمعة عبر الإعلان عن حالة طوارئ وطنية، لتمنع بشكل مؤقت دخول الأجانب الذين زاروا الصين خلال الأسبوعين الماضيين.
وقال وزير الصحة الأميركي أليكس عازار إن "المواطنين الأجانب من غير أفراد العائلات المباشرين لمواطنين أميركيين أو آخرين يحملون إقامات دائمة، ممن سافروا إلى الصين خلال الأيام الـ14 الماضية سيمنعون من دخول الولايات المتحدة".
وأعلنت أستراليا كذلك أنها ستمنع دخول غير المواطنين أو المقيمين القادمين من الصين، بينما سيكون على من سافروا إلى البلد الآسيوي من مواطنين أو مقيمين "عزل أنفسهم" لمدة أسبوعين.
وأعلنت فيتنام تعليق جميع الرحلات من وإلى البر الصيني الرئيسي وهونغ كونغ وتايوان، اعتباراً من السبت في إطار "تشديد الإجراءات" لمكافحة الفيروس، فيما اتّخذت دول بينها إيطاليا وسنغافورة ومنغوليا المجاورة للصين خطوات مشابهة.
وبينما أوصت الولايات المتحدة واليابان وبريطانيا وألمانيا وغيرها من الدول مواطنيها بعدم السفر إلى الصين، أصرّت بكين على أنه بإمكانها احتواء الفيروس ووصفت توصية واشنطن ضد السفر إلى الصين بأنها "غير ودية". وقالت الناطقة باسم وزارة الخارجية الصينية هوا شونينغ "إنها بالتأكيد ليست مبادرة حسن نية".
وينصّ إعلان الطوارئ الأميركي على وضع الأميركيين العائدين من مقاطعة هوباي الصينية حيث ظهر الفيروس، قيد الحجر الصحي الإلزامي لمدة 14 يومًا وفحص القادمين من باقي أنحاء الصين.
وظهر الفيروس في مطلع ديسمبر/كانون الأول ويعتقد أنه بدأ من سوق في ووهان عاصمة هوباي حيث تباع حيوانات برية. وانتشر عالميًا على إثر رأس السنة الصينية التي تشهد سفر مئات ملايين الصينيين داخليًا وفي الخارج.
وفي مسعى لمنع انتقال العدوى مددت الحكومة العطلة وحضّت الناس على تجنّب التجمعات، داعية الكثير من المقاطعات والمدن الشركات لمواصلة إقفال أبوابها لأسبوع إضافي بعد انتهاء العطلة الاثنين.
وتواصلت التداعيات الاقتصادية السبت بينما أعلنت شركة "آبل" أن متاجرها في الصين ستبقى مغلقة حتى التاسع من فبراير/شباط من باب "زيادة الحذر وبناء على النصائح الأخيرة من كبار الخبراء في مجال الصحة".
وفي ظل تزايد الغضب الشعبي في الصين أقرّ مسؤول رفيع في ووهان الجمعة أن السلطات هناك تحرّكت ببطء معربًا عن شعوره بـ"تأنيب الضمير ولوم الذات".
وأشار أمين لجنة الحزب الشيوعى الصيني في ووهان ماقوه تشيانغ "لو أن إجراءات مشددة لضبطه (المرض) اتّخذت في وقت سابق لكانت النتيجة أفضل مما هي عليه الآن".
وتعرّض مسؤولون في ووهان لانتقادات عبر الإنترنت لإخفائهم المعلومات عن تفشّي المرض حتى نهاية ديسمبر/كانون الأول رغم علمهم بالأمر قبل أسابيع من ذلك.
وتحرّكت الصين أخيراً الأسبوع الماضي ففرضت حجراً صحيًا على مدن بأكملها في هوباي شمل عشرات ملايين الناس، لتشمل الإجراءات التي فرضت في أنحاء البلاد تأجيل العودة إلى المدارس وقطع الطرق على السيارات والحافلات وتشديد الفحوصات على المسافرين في أنحاء البلاد.
وطلبت السلطات من الصينيين تأجيل حفلات الزفاف التي يتطلع كثيرون لإقامتها هذا العام، داعية العائلات إلى تجنّب إقامة جنازات كبيرة تفاديا للتجمعات الكبيرة.
لكن الحصيلة واصلت الارتفاع بوتيرة متزايدة إذ أعلنت السلطات الصحية السبت عن وفاة 46 شخصًا جديداً في الساعات الـ24 التي سبقت، جميعهم في هوباي عدا شخص واحد.
وتم تأكيد 2102 إصابة جديدة، ما يرفع العدد الإجمالي إلى نحو 12 ألفًا وهو رقم أعلى بكثير من الإصابات التي تم تسجيلها بفيروس "سارس" (متلازمة الالتهاب التنفسي الحاد) عندما انتشر عامي 2002 و2003.
وأسفر "سارس" الذي تسبب به فيروس شبيه لكورونا المستجد وبدأ أيضًا في الصين عن وفاة 774 شخصًا معظمهم في الصين وهونغ كونغ.
وأعلنت منظمة الصحة العالمية الخميس أن الوباء بات يشكّل حالة طوارئ دولية، لكنها تجنّبت التوصية بفرض أي قيود على السفر أو التجارة.
وحذّرت الجمعة من أن إغلاق الحدود سيكون غير فعّال على الأرجح لوقف انتقال العدوى، مشيرة إلى أن إجراءات كهذه قد تحمل تداعيات عكسية وتتسبب بتسريع انتشار الفيروس.
لكن الجهات المعنية حول العالم مضت قدمًا بإجراءاتها الوقائية. وأعلن مسؤولون في قطاع الصحة بتايلاند الجمعة أن سائق سيارة أجرة أصبح أول حالة لانتقال العدوى بين البشر.
وتنضم تايلاند بذلك إلى الصين وألمانيا واليابان وفرنسا والولايات المتحدة التي أكدت جميعها وجود إصابات على أراضيها.
وأساءت الأزمة الصحية لصورة الصين على الصعيد الدولي، ما وضع المواطنين الصينيين في مواقف صعبة في الخارج، إذا اشتكى كثيرون من العنصرية.
وفي مثال على ذلك عُزل أكثر من 40 ألف عامل في مجمّع صناعي تديره الصين في جزيرة سولاوسي الإندونيسية على خلفية القلق من الفيروس، حيث يعمل 5000 صيني في هذه المنطقة الصناعية.
وفي اليوم ذاته أعادت الصين سكانًا من هوباي إلى ووهان على متن رحلات من تايلاند وماليزيا، مشيرة إلى "الصعوبات العملية" التي واجهوها في الخارج.
وسارعت الدول لإجلاء رعاياها من ووهان، إذ تمّ إجلاء مئات المواطنين الأميركيين واليابانيين والبريطانيين والفرنسيين وجنوب الكوريين والهنود والمنغوليين حتى الآن، في وقت تخطط مزيد من الدول لإعادة مواطنيها.
وأعلنت روسيا أنها ستجلي أكثر من 2500 من مواطنيها الذين يقضون عطلة في جزيرة هاينان الصينية البعيدة عن مركز انطلاق الفيروس، فيما وأجلت طائرة تابعة للخطوط الجوية الملكية الأردنية فجر السبت 71 طالبا أردنيا وعربيًا من ووهان، حسبما أفاد مصدر رسمي أردني.
وعلى الصعيد الاقتصادي أصدرت شركات النفط الأميركية العملاقة إكسون موبيل وشيفرون وشركة كاتربيلر، نتائج ضعيفة الجمعة، ما يعكس ضعف أسواق السلع الذي يحتمل أن يتفاقم بسبب تفشي الفيروس.
وتغطي النتائج الربع المنتهي في 31 ديسمبر/كانون الأول وهي الفترة التي أثرت فيها حالة عدم اليقين بشأن العلاقات التجارية بين الولايات المتحدة والصين، على الاقتصاد العالمي، ولكن قبل أن تؤثر حالة الطوارئ بسبب فيروس كورونا على الطلب في الصين وتثير المخاوف من زيادة التباطؤ.
وفي ظل توقف الشركات عن الإنتاج وإلغاء الرحلات الجوية، قال محللون إن الروابط القوية مع الصين تعني أن تأثير هذا الفيروس من المحتمل أن يتسبب في تأثير أكبر من تفشي مرض السارس في عام 2003.
وأعلنت شركة إكسون موبيل عن انخفاض أرباحها، حيث أثر تسعير المواد الكيميائية والمنتجات المكررة على النتائج، في حين أنهت منافستها شيفرون الربع الأخير لعام 2019 بخسارة فادحة بعد أن خفضت قيمة أصولها من النفط والغاز بمقدار 10.4 مليار دولار.
وفي الوقت نفسه، حققت شركة كاتربيلر زيادة متواضعة في الأرباح حيث أدت تدابير خفض التكاليف إلى التعويض عن انخفاض الإيرادات. لكن الشركة التي تبيع الآلات لصناعات البناء والموارد والنقل، قدمت نظرة مخيبة للآمال أبرزت حالة عدم اليقين الاقتصادي العالمي.
وتراجعت أسهم جميع الشركات الثلاث الجمعة، مما أثر على مؤشر داو جونز الذي انتهى بأكبر خسارة منذ آب/أغسطس، حيث انخفض أكثر من 600 نقطة.
وفي ظل تواصل حالة عدم اليقين الاقتصادي يتوقع أن يحدث فائض في العرض مقابل تراجع الطلب على المنتجات الرئيسية، ما قد يدفع الشركات لإلغاء مشروعات مستقبلية والتراجع عن دافع الاستثمارات المستمرة.
وأشارت شركة غولدمان ساكس على سبيل المثال، إلى أن الفيروس "كان له بالفعل تأثير ملموس على الطلب على المعادن بعد تمديد عطلة رأس السنة الصينية الجديدة لمدة أسبوع"، مؤكدة على أن تأثير الفيروس الجديد قد يكون أشد من تأثير سارس بسبب زيادة روابط النقل.