'كوك نزر'، شخصيات ذهنية أم لعبة الشعباني السردية

عزيز الشعباني يصوّر المنطقة الواقعة في بغداد كمركز للحكاية، حيث يقدم القاع الاجتماعي برمزيات الفساد والدين المزيف عبر صوت الراوي الطبيب، معززا لغة حية تجمع بين الألم والمتعة والسخرية، لتغمر القارئ في تجربة قاسية لكنها غنية بالتفاصيل الحسية والرمزية.
ميسلون هادي
القاهرة
"العذابات حين تبلغ منتهاها يشعر المرء بعدها براحة، بهناء أبدي".
"لا أعرف كيف أشرح حالتي له! كيف سيفهم بأنني مسرور أكثر من أية لحظة أخرى؟ كيف يفهم أني أتألم بغبطة؟ بمتعة؟ نعم، الألم متعة دافقة، أو بمعنى آخر، المتعة تسبب الألم. تركت كل هذا التفكير، وأجبته: مشلوش.
ثم استدركت: شالشتني الكتابة".
لم أجد، تلك اللحظة، في قاموس الفصحى، مفردة أشرح بها حالي، فأجبته مشلوش، ثم شعرت بالزهو، لجمال لهجتنا، أو لغتنا العراقية المحلية.

"گوك نزر" للكاتب عزيز الشعباني.

 

لم أفهم معنى عنوان الرواية، إلى أن مضيت في القراءة، فعرفت أن گوك نزر تعني المنظر الجميل، وهي، يا للمفارقة، اسم قديم لمنطقة الميدان الغنية عن التعريف في بغداد. إذن أنها رواية تمنح الهامش مركز الحكاية، لكنها ليست من أدب الهامش، الذي يغوص في معاناة المهمشين والمنبوذين والمشردين، من أجل كسر ثنائية الهامش والمركز، لأن الهامش هنا هو المركز.

 يعتمد المؤلف حيلة روائية تقدم السارد على أنه طبيب يحاول أن يكتب رواية، وأن هذه المخلوقات ليس شخصيات حقيقية أو خيالية مكتملة، بل هي من بنات أفكاره أثناء التأليف، لهذا يُعفي نفسه من نجاح أو فشل العمل، عندما يُنظر إليه كرواية مكتملة الأركان. الروائي يريد أن يخلي مسؤوليته أيضاً، عندما يُشرك القارئ في النصّ عبر مخاطبته مباشرة، أو الإجابة على تساؤلاته، أو استباقها، أو تذكيره ببعض الشخصيات ونشأتها الأولى. مما يجعل النص متداخلا بين توجيه الخطاب للقارئ بشكل مباشر، وبين التماهي مع النص على أنه متن روائي حقيقي، وهو كذلك طبعا، لكن الكسر البريختي للحاجز جعل الخشبة المسرحية حاضرة، وسيذكرنا بها الكاتب كلما سهونا عنها. 

قلت إنها ليست من أدب الهامش، بمعنى تقديم القاع كحالة متمردة أو مناوئة للمركز، ولكنها تلتقي مع أدب الهامش بتجاوز النمط التقليدي في الكتابة، وتقديم انهيار المنظومة القيمية، والصور الصادمة لشخصيات غريبة، وأيضاً من خلال تعدد الأصوات، واختلاط الأزمنة، وخرق التابوهات، والسخرية اللاذعة، والكوميديا السوداء. لغة الرواية من هذه الناحية قامت بأقربة كل ذلك على صفحاتها، وتركتنا أيضا مع تشبيهات غير مطروقة سابقا، وتعبيرات عامية مضحكة أو مبكية أو بذيئة. وجميعها تدل على خزين من الانتباهات الحادة تجعل بعض المشاهد متحركة ومسموعة ومرئية وملموسة.  

 الكاتب كامل عبد الرحيم، هو الذي نبهنا للرواية، من خلال صفحته على الفيس بوك، وعبد الرحيم لا يكتب عن روايات البوكر أو نوبل، لكنه يبحث بشمعة يحملها في الظلام عن أعمال لا تنتبه إليها الجوائز في العادة، فقال عن الرواية إنها "تمشي عكس السير وبالضد من التيار الجارف نحو المتحف.  تتمتع الرواية بقوة الإبهار وشدة الجذب وفيها ما تشاء من الاستراحات، وقد أراد لها الشعباني أن تكون متحفا بحد ذاتها، متحفا غرائبيا لطبقات بغداد المدفونة تحت أهوال التشرد وغياب السلطة والتقلبات الاجتماعية السريعة، والتي تترك ضحاياها وجرحاها وهم يدارون أو يلعقون آلامهم بصمت في زوايا يعلوها العفن وتسبح برائحة كريهة، لكنها ليست أقبح من رائحة رموز السلطة، السلطة التي لم تتغير بالنسبة للدكتور جمال ولا بالنسبة للشعباني نفسه".

اختلف مع ما كتبه الأستاذ كامل بأنها ليست متحفا لطبقات بغداد المدفونة، وإنما هي طبقة واحدة تخص الحاج رمزاً لسلطة الفساد والديكتاتورية في الرواية، وهي سلطة نفاق ديني مزمن، إذ تُمنع المشروبات الروحية في بعض الأشهر، ولكنها تباع بالسر، وتحقق لمحتكرها الحاج أرباحا هائلة بسبب ذلك. وهو أيضا يجمع بين أداء الطقوس الدينية،  ووضع مفاسد الدنيا تحت جناحه، بكل ما فيها من ملذات  وبشر تحولوا إلى رفات. هنا يجب أن نتحدث عن حقل الرؤية، المتحدد من خلال عين الراوي، الذي قال إنه قد خلق هذه الشخصيات، وهو الذي ألهمها الفساد أو التقوى. إذن نحن أمام صوت واحد في النهاية هو صوت الدكتور جمال، وهو صوت منحاز لفكرة مغرية كانت في بال الكاتب منذ البداية، وهي اقتطاع كوك نزر كصورة عن مجتمع الحاج (هذا اسمه داخل الرواية) أفرزت كل هذا القيح والعفن.

من الطبيعي أن يحدث كل هذا النشاز في مكان سيء السمعة؟ لكن الكاتب أشرك القارئ بالرواية، ولم يعرف رأيه طبعا عن قسرية هذه الحالة الذهنية التشاؤمية للدكتور جمال، أو يسمع سؤاله هذا: أما كان يمكن للراوي أن يخرج بالقارئ إلى فئات أخرى خارج العش ووكر الحاج المشبوه الغارق بالمباذل؟ كان الجو خانقا جدا لم تنفتح فيه نافذة واحدة نحو الهواء الطلق. وبهذه الطريقة سيكون الكاتب قد وضع نسقا معينا للرواية جمع فيه شخصيات مختلة  في سلة سوداوية واحدة تحكّم فيها المكان الروائي المنتمي للقاع. بما أن هذا القاع هو رمزي، والزمن مفتوح، فكان يجب أن تخترق الرواية رموز أخرى توازن هذه الشحنة الظلامية للقاع، كأن تكون من أصدقاء الطبيب الراوي نفسه.

كون الطبيب قد تربى هو الاخر في بيت الحاج جعلنا داخل دائرة محكمة من القبح المطلق لهذا الرمز الظالم، لكنه طبيب ويكتب رواية، فلماذا لا نجد صدى ذلك في علاقات البطل مع شخصيات من خارج هذه الأوكار المبتذلة؟ القارئ سوف يتساءل عن المبرر لتقديم جانب واحد من الصورة، على رمزيتها، وإغفال الجوانب الأخرى، كما أن قول الراوي أنها حالة ذهنية بحتة تعفيه من حساب ما خلقتها من شخصيات، لن تعفيه من حساب القارئ عن مركب يغرق برمته وربانه (الكاتب) قريب على اليابسة، وحتى عندما نعرف من هي صاحبة الهالة المغناطيسية، أو صاحب العينين الزجاجتين، سيكتمل الغرق داخل هذا الجو المشحون بالتشاؤم، بل الوقوع في الأسى أيضا على بارقة الأمل الوحيدة في الرواية:

"حين غادرت العش كانت الجرذان على قيد الحياة، تتشمس في شوارع كوك نزر، تحوم فوقها عاصفة من ذباب، لذلك قررت العودة، أقصد أوشكت على العودة إلى العش، لولا أن صفا تجثم على ركبتيها، تتوسلني بنظرة تشبه نظرة شهيد".

أعود بشكل دائري إلى بداية المقال وأقول، ما قاله الدكتور جمال، في گوك نزر: "العذابات حين تبلغ منتهاها يشعر المرء بعدها براحة، بهناء أبدي".

ويبدو أن هذا هو المبرر لمن ذاق أقصى العذاب، فتساوى عنده اليأس مع الأمل.