كيف صنعت العثرات المبكرة أسطورة عبدالوهاب؟

المحطات الفنية لمسيرة الموسيقار تنطلق من بداياته الشعبية إلى قمم التجديد، وأثر ألحانه الخالدة في تشكيل الذاكرة الثقافية والوجدان الإبداعي للكاتب.

في الرابع من الشهر الجاري مرت ذكرى وفاة الموسيقار محمد عبدالوهاب. هناك خلاف على سنة ميلاده، لكن الروايات المختلفة تفيد بأنه ولد في الأعوام ما بين 1898 و1902، لكن بالعموم يمكن اعتبار مولده مع مطلع القرن العشرين في حي باب الشعرية في وسط القاهرة. أراد له والده وأخوه الأكبر الشيخ حسن أن يتعلم القرآن ويحسن تجويده، وبدأ رحلته في تعلم التجويد، لكن فضوله قاده إلى حضور الموالد ودخول صالات الغناء، فشغفه حب الفن وهو طفل غض العود، وانتهى به هذا الشغف إلى مسرح فوزي الجزايرلي في العام 1917 يغني بجلابية بلدي بين فقرات المسرح والسيرك، بحسب ما أفاد الكاتب توفيق الحكيم رائد المسرح الذهني. ويلتقي به "راسل باشا" الحاكم العسكري البريطاني للقاهرة، ويطلب من صاحب المسرح فوزي الجزايرلي ألا يوظف عبد الوهاب كونه صغير السن، وأن عمله في الليل على المسرح يضطره للسهر لساعات متأخرة من الليل على حساب مدرسته وحياته الطبيعية.

ويتعرف إليه الموسيقار سيد درويش في مسرح الجزايرلي، وفي نفس المسرح أيضاً يتعرف إليه أمير الشعراء أحمد شوقي، ومن هنا تبدأ رحلة عبد الوهاب إلى الأنوار؛ تلك الرحلة التي تتبعتها عبر برنامج "النهر الخالد" التلفزيوني، وبرنامج آخر إذاعي تبثه إذاعة القاهرة وقامت بتحميله قناة "ماسبير زمان" على اليوتيوب. وهي حياة ومسيرة طويلة سأقتطف من زهور بستانها كل ما عايشته من زهور، أما الدروس المستفادة من تلك المسيرة الفنية الممتدة فهي أنني تعلمت منها الكفاح والإصرار والصبر، وكلمة عبد الوهاب الجوهرية: "الفشل أستاذ". بعد حصيلة فنية أوروبية حصلها عبد الوهاب من رفقته للشاعر أحمد شوقي وبخاصة في إيطاليا، بدأ عبد الوهاب يشق طريقه بالتلحين بقوالب جديدة تخرج عن القوالب التقليدية وبخاصة التركية، وعاصر السينما منذ بداياتها فكان له فيلمه الأول "الوردة البيضاء" في العام 1933، وعاصر بدايات الإذاعة المصرية في الثلاثينيات أيضاً وغنى لها. وفي نهاية الثلاثينيات، ومن ضمن هذا السيل الدفّاق من الأغنيات الخالدة، سأتوقف عند أغنية "الجندول" التي لحنها وغناها في العام 1939 والتي تشبه مسير زورق في مياه صيفية رائقة، والتي ترافق بموسيقاها الهادئة معظم كتاباتي؛ وفي ذاتي ما إن يستمع من حولي إلى مقدمتها حتى يعرف أنني بصدد كتابة أو عمل إبداعي جديد، فيتركوني وشأني، وبعد حين يسألونني: ماذا كتبت؟

وكانت أربعينيات القرن الماضي هي الفترة التي اشتهرت بها أفلامه الغنائية مثل "ممنوع الحب"، و"رصاصة في القلب"، و"يوم سعيد"، وفي العام 1949 يشارك بأغنية "عاشق الروح" إلى جانب أنور وجدي والريحاني وليلى مراد. كان مقلاً في ظهوره على المسرح، وأهم حفلاته حفلة أغنية "كل دا كان ليه" في الخمسينيات، وأهم أغنية من الخمسينيات هي "النهر الخالد" التي تصور النيل أجمل تصوير كلمة ولحناً خالداً خلود النيل ويتجدد كلما أعدت سماعها. وفي الأغاني الوطنية فله باع طويل، فمن لا يذكر أوبرايت "الجيل الصاعد"، وأغاني "طول ما أملي معايا" و"بإيدي سلاح" و"حي حي على الفلاح". وفي السبعينيات كانت أهم المحطات المضيئة هي تعاون عبد الوهاب مع الشاعر نزار قباني في عدة أغانٍ أهمها "ارجع إليّ" و"أيظن" بصوت نجاة الصغيرة؛ فأذكر أغنية "ارجع إليّ" وتصويرها في فيلم من أوائل الأفلام الملونة حيث يشاركتها البطولة فيه العاشق الولهان محمود ياسين.

كل ما سبق كان قبل ميلادي ووعيي، وتأتي فترة الثمانينيات التي أعيها جيداً، فأذكر منها أغنية "أسألك الرحيل" بتعاون بين عبدالوهاب ونزار ونجاة أيضاً، كما كان له تعاون مع الفنانة ياسمين الخيام في كثير من الأغنيات الوطنية والدينية، وأهم محطة من تعاون عبد الوهاب مع ياسمين الخيام كانت أغنية "خمسون"، وهي قصيدة من نظم شاعر الأردن عبد المنعم الرفاعي، ونُظمت في عيد ميلاد جلالة الملك الحسين ملك الأردن الخمسين والتي يقول فيها: "هل في فلسطين الجريحة أنةٌ.. إلا وفي عمّان كان البلسمُ"، ويرحل عن عالمنا دولة عبد المنعم الرفاعي في نفس العام 1985 الذي نظم فيه القصيدة.

وسأتوقف طويلاً عند محطة الفنانة وردة الجزائرية التي رأت في عبدالوهاب أباً حانياً قبل أن يكون ملحناً، فتفيد في إحدى مقابلاتها أن عبد الوهاب علمها البروتوكول وضبط الأعصاب، وكانت تأخذ رأيه قبل أن تتعاقد مع أي شخص أو شركة، ويبذل في التلحين لها جهداً مضنياً؛ فمثلاً أغنية "أنده عليك" تأخذ ستة أشهر من التدريب قبل أن تظهر للعلن، وأغنية "بعمري كله حبيتك" فتأخذ بروفاتها عاماً من الزمن كانت فيها وردة معايشة لعبد الوهاب تتغذى وتتعشى برفقته. ونصل لعقد التسعينيات فيتحفنا عبد الوهاب بتحفة "من غير ليه" قبل أن يرحل عن عالمنا في الرابع من مايو/ أيار 1991.

وأعود لذاتي، حيث تستضيف رابطة الكتاب الأردنيين في العاصمة عمّان الكاتب المسرحي المصري الكبير سعد الدين وهبة في صيف العام 1995، وتكون معظم الأحاديث والمداخلات حول عملية السلام، وأكون أنا أصغر الحاضرين حيث كنت على مقاعد الدراسة الثانوية، وكان سؤالي ينصبّ على برنامج "النهر الخالد" الذي قدمه سعد الدين وهبة، فيفيد أن ذلك البرنامج قد تم تصويره في فرنسا في العام 1985، لكن بداية تعاون سعد الدين وهبة مع عبد الوهاب فكانت في العام 1969 من خلال كتابة سعد الدين وهبة لسيناريو فيلم "أبي فوق الشجرة" التي لحن عبد الوهاب كثيراً من أغنياته، وأنتجته شركة "صوت الفن" المملوكة من قبل عبد الوهاب وعبد الحليم حافظ.