كيف جسّدت أسمهان الشوق النبوي؟

أغنية 'عليك صلاة الله وسلامه' ببيانها الروحي واللحني تعدّ أيقونة خالدة لموسم الحج، إذ دمجت بين بساطة الكلمة وعمق الموسيقى لتُحوّل سفر الحجاج إلى رحلة وجودية وتعبيرية عابرة للأزمنة.

تُعد أغنية "عليك صلاة الله وسلامه" واحدة من أهم الأغنيات الدينية في تاريخ الموسيقى العربية، حيث جمعت بين روحانية المديح النبوي وبراعة الأداء الأوبرالي والشعبي في آن واحد.

فقد جمعت هذه الأغنية بين المطربة أسمهان (1912- 1944) بصوتها "الملائكي" القادر على التنقل بين المقامات بسلاسة، وشقيقها الملحن فريد الأطرش (1910-1974)، الذي صاغ لحنًا يجمع بين الوقار الديني والبهجة الشعبية. والمؤلف الزجال بديع خيري (1893- 1966)، بمناسبة الاحتفال بعودة إرسال "المحمل المصري" وكسوة الكعبة إلى الأراضي المقدسة في الثلاثينيات من القرن العشرين.

صِيغت الأغنية من مقام البياتي، وهو مقام يتميز بالحزن الشفيف والخشوع، مما يناسب طبيعة الدعاء والمديح. واعتمد اللحن على إيقاع الفالس في بعض أجزائه، مما منح الأغنية طابعًا احتفاليًّا "راقيًا" يختلف عن التواشيح التقليدية. 

وقد تميزت أسمهان -في هذه الأغنية- بوضع "مسحة خشوع" خاصة عند نهاية كل مقطع، لاسيما في جملة "دي قبلتك يا نبي قدامه". وقد نجح فريد الأطرش في دمج "الآهات" الأوبرالية التي تجيدها أسمهان مع البناء اللحني الشرقي الأصيل، فارتفع صوت أسمهان في الأغنية بتعبير مسرحي يصور لهفة الحجاج واشتياقهم لزيارة الروضة الشريفة.

وعلى الرغم من أن الإذاعة المصرية أسندت للفنان فريد الأطرش أغنية كتبها بديع خيرى بعنوان "محمل الحجاج" بناء على طلب طلعت باشا حرب رائد الاقتصاد في عام 1938، إلا أن نسخة أسمهان هي التي خلُدت في وجدان الجمهور. فقوة هذه الأغنية تكمن في قدرتها على البقاء كـ "أيقونة" موسم الحج حتى يومنا هذا، بفضل الجمع بين بساطة الكلمة وعمق اللحن وجمال الصوت وقوته.

تتجاوز أغنية "عليك صلاة الله وسلامه" كونها نشيدًا دينيًّا لتصبح نصًّا فنيًّا مكثفًا غنيًّا بالدلالات. وهي تقوم على بنية "اللازمة" التي تعود إليها أسمهان بعد كل كوبليه، مما يخلق دائرة شعورية مغلقة توحي بالطواف والمركزية حول الذات النبوية. وهي تعتمد على المقابلة بين "الغربة/البعد" (الرحيل من مصر) و"الوصل / القرب" (الوصول لمكة)، مما يخلق توترًا دراميًّا يحلّه الدعاء. وهي تعبر عن فلسفة الشوق التي تجسد فكرة "الارتقاء" من المادي (السفر، الجِمال، المحمل) إلى المتسامي (النور النبوي). ويتضح الجدل بين الفناء والبقاء حيث يظهر صوت أسمهان كجسر بين الوجود الإنساني الفاني والقداسة الخالدة، وحيث يتحول "السفر" من فعل جسدي إلى رحلة وجودية للبحث عن السكينة.

ويتضح لنا أن الأغنية تخاطب "اللاشعور الجمعي" للمصريين المرتبط برحلة المحمل، حيث تثير مشاعر الطمأنينة والانتماء وحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، والشوق إلى الأراضي الحجازية.

إن صوت أسمهان -في هذه الأغنية - يحمل نبرة "الشجن المكبوت"؛ فهي لا تغني بفرح صاخب بل بخشوع عميق يعكس حالة نفسية من الاستسلام التام للقوة الغيبية (التسليم).

ونلاحظ أن بديع خيري استخدم لغة تمزج بين الفصحى البسيطة (عليك صلاة الله وسلامه) والعامية المصرية الدافئة (يا ريتني كنت معاهم) وغير ذلك من العبارات التي توضح هذه الفكرة. كما لاحظنا هيمنة الأفعال المضارعة المتعلقة بالرجاء والدعاء (تطوف، تشوف، تبوسلي، ينوبه، يقف، يكبّر، يحدف) حتى الأفعال الماضية تدور في الفلك نفسه (رجعت أيامه، اتمليت، سالت دموعه، اتباركم، شربوا، نالوا). مع استخدام صيغ النداء (يا جد الحسنين، يا نبي، يا مدنتين فوق الحرمين) لخلق حالة من الحوار المباشر مع المقدَّس.

لحن هذه الأغنية لا يسير في خط مستقيم، بل يعود للبداية دائمًا، وهو ما يسمى بـ "الزمن السرمدي" الذي يناسب الأجواء الدينية. وفي المقاطع الطربية، تمد أسمهان الكلمات لخلق حالة من التطريب، وكأنها توقف الزمن الفيزيائي لتستغرق في لحظة التجلِّي الروحي.

ولعلنا نلاحظ كثرة الرموز المكانية الدينية في هذه الأغنية مثل: مكة، الكعبة، السكة، القِبلة، مدنتين، الحرمين، زمزم، المدينة، منى وعرفات. إن هذه الأماكن -وما يشع منها- ليست مجرد جغرافيا، بل هي رموز لـ "المركز" أو "الفردوس المنشود".

وعودة إلى صوت أسمهان (بما فيه من رنين غربي شرقي) وبما يمثله كرمز للحداثة الفنية التي تنحني أمام التراث، لنجده يعبر عن "سيميوطيقا (أو علامات) الوصال" بين الأرض والسماء.

ونستطيع أن نقول إن هذه الأغنية بيان روحي استخدم فيه فريد الأطرش وأسمهان أدوات التعبير الحديثة لخدمة نص ديني أقرب إلى التراث، مما جعلها نصًّا عابرًا للأزمنة.

إن المقطع الذي تقول فيه أسمهان:

(كرامة لله يا قاصد مكة .. ونيتك بالكعبة تطوف

تبوسلي فيها تراب السكة .. أمانة من مؤمن ملهوف

سالت دموعه وطال دعاه .. في يوم خشوعه ينول مناه

دي قبلتك يا نبي قدامه .. عليك صلاة الله وسلامه)

هذا المقطع بمثابة قلب الأغنية، حيث يمزج بين كلمات تعبر عن الشوق للحج ورموز صوفية تعكس رحلة روحية عميقة. يحلل هذا المقطع مفاهيم الحج بالوكالة من خلال "تراب السكة"، ويصور تجربة إيمانية حسية شاملة تمزج الدموع بالدعاء والقبلات. كما يحمل أمانة إيصال المشاعر، محولاً المُسافر إلى حامل رسالة حب، مُعبراً عن ذلك بأداء صوتي مؤثر من أسمهان يجسد اللهفة والخشوع.

أما المقطع الأخير:

"يا ما أسعد اللي يقف ويكبر .. على منى وعرفات لله

ويحدف الجمرات ويعبّر .. تايب نصوح متمني هداه

غفر ذنوبه مدى الحياه .. وعاش ينوبه ثواب تُقاه

في جاه نبي الهدى ومقامه .. عليك صلاة الله وسلامه"

فيصور الشعائر والمشاعر العميقة للحجاج في أطهر بقاع الأرض، منتقلاً من وصف التوبة الصادقة إلى رجم الذنوب في منى وعرفات، مع التركيز على حالة السعادة والانتشاء الروحي. ولعلنا لاحظنا أن الأداء اللحني المتصاعد لفريد الأطرش يجسد كلمات الشوق والتوسل، رابطاً بين التطهير النفسي ونيل ثواب الله.

كلمات أغنية "عليك صلاة الله وسلامه" لأسمهان:

عليك صلاة الله وسلامه .. شفاعة يا جد الحسنين

ده محملك رجعت أيامه .. هنية واتمليت به العين

كرامة لله يا قاصد مكة .. ونيتك بالكعبة تطوف

تبوسلي فيها تراب السكة .. أمانة من مؤمن ملهوف

سالت دموعه وطال دعاه .. في يوم خشوعه ينول مناه

دي قبلتك يا نبي قدامه .. عليك صلاة الله وسلامه

وامتى عيني تشوف منظركم .. يا مادنتين فوق الحرمين

واطول مطال حجاج اتباركم .. وشربوا من زمزم بُقين

وفي المدينة نالوا القبول .. بنور نبينا طه الرسول

يا بخت زوَّاره بإكرامه .. عليك صلاة الله وسلامه

يا ما أسعد اللي يقف ويكبر .. على منى وعرفات لله

ويحدف الجمرات ويعبّر .. تايب نصوح متمني هداه

غفر ذنوبه مدى الحياه .. وعاش ينوبه ثواب تُقاه

في جاه نبي الهدى ومقامه .. عليك صلاة الله وسلامه"