لبنان يفتح 'الصندوق الأسود' لعهد رياض سلامة
بيروت - في تحول جذري لمسار السياسة المالية في لبنان، أعلن حاكم المصرف كريم سعيد اليوم الخميس عن بدء ملاحقة قضائية لشبكات الاختلاس التي استنزفت مقدرات البنك المركزي. ولا تعد هذه الخطوة مجرد إجراء إداري، بل هي جزء من إستراتيجية حكومية تهدف لإثبات جدية بيروت أمام المجتمع الدولي وصندوق النقد الدولي، عبر تقويض سياسة "الإفلات من العقاب" التي هيمنت على النظام المالي لعقود.
وتأتي هذه التحركات لتشكل "انقلاباً" صريحاً على قواعد "السرية المصرفية" التي وفرت حماية لكبار المسؤولين في الحقبة السابقة. فالملاحقة القضائية الحالية لا يمكن فصلها عن إرث الحاكم السابق، رياض سلامة، المتهم باختلاس أموال عامة، والذي أُخلي سبيله في أغسطس/آب الماضي بكفالة مالية قياسية بلغت 20 مليون دولار مع منعه من السفر. ويعني تقديم شكوى ضد مسؤولين سابقين، عملياً سقوط "الخطوط الحمراء" التي كانت تمنحهم حصانة غير معلنة.
الشركات الوهمية و"فوري": ثقوب استنزاف الودائع
وأعلن سعيد عن التقدم بشكوى ضد مسؤول سابق وشريك له استوليا على أموال عبر 4 شركات وهمية، مما أدى إلى ثراء غير مشروع على حساب أصول المصرف.
واتخذ البنك المركزي صفة الادعاء ضد شركة "فوري" العاملة في التكنولوجيا المالية، متهماً إياها باستيفاء عمولات غير قانونية عن عمليات التبادل بين المصارف، وهي أموال كان من المفترض أن تعود لخزينة المصرف.
وكشف سعيد عن التحضير لملاحقة جهة، لم يسمّها، استفادت من حساب مفتوح تحت مسمى "حساب للاستشارات"، تم عبره تحويل مبالغ ضخمة بشكل مشبوه.
السيولة المنهوبة وحقوق المودعين
ربط سعيد بوضوح بين العمليات القضائية وحقوق المواطنين الذين حُجزت ودائعهم منذ أزمة 2019، مؤكداً أن "الأموال المستردة ستشكل السيولة اللازمة للوفاء بإعادة مدخرات المودعين". وأضاف أن "المصرف لا يعمل محلياً فحسب، بل ينسق مع محققين ومكاتب دولية لتتبع واسترداد الأموال المهربة إلى الخارج والتي استولى عليها مسؤولون وأفراد تآمروا ضد البنك".
وتواجه الحكومة اللبنانية اليوم تحدياً وجودياً؛ فالمتضررون من هذه المكاشفة يمثلون "كارتلاً" سياسياً ومالياً يمتلك نفوذاً واسعاً لتعطيل المسار القضائي. ويتوقف نجاح هذه المهمة على صمود القضاة أمام الضغوط السياسية، ومدى قدرة بيروت على استثمار الزخم القضائي الفرنسي والأوروبي الذي يلاحق سلامة دولياً، لتحويل التحقيقات المحلية إلى نتائج ملموسة تعيد الثقة بالدولة.