لماذا لم تتحرك حكومة السوداني بحزم ضد المعتدين على نفط كردستان
أربيل/بغداد – يتجه الوضع بعد استهداف حقول نفط في كردستان العراق نحو مزيد من تأزيم العلاقة بين الإقليم الذي يتمتع بحكم ذاتي والحكومة الاتحادية التي يثير موقفها الباهت من تلك الاعتداءات أسئلة حول سبب عدم اتخاذها إجراءات حاسمة على الرغم من أن الجهات التي نفذت تلك الهجمات قد تكون معلومة لديها، فيما تذهب بعض الأوساط السياسية الكردية إلى اعتبار أن ما جرى لا يمكن فصله عن نوايا بعض الأطراف السياسية في بغداد تريد دفع الإقليم إلى الفوضى وتعطيل أي مفاوضات بشأن صرف رواتب موظفيه وأيضا عرقلة أي مسار قائم لحل الخلافات العالقة ومنها الخلاف حول تصدير النفط وكذلك دفع شركات النفط العالمية لتعليق نشاطها وافساد الاتفاق بين شركات أميركية واربيل المتعلق بتطوير حقول نفط في الإقليم.
ولقد شهدت الفترة الماضية بالفعل توقيع اتفاقيات بين حكومة إقليم كردستان وشركات أميركية لتطوير حقول النفط والغاز. وأثارت تلك الاتفاقيات جدلا واسعا وتساؤلات حول شرعيتها وتأثيرها على العلاقة بين بغداد وأربيل.
وفي مايو/أيار الماضي، أشرف رئيس حكومة إقليم كردستان مسرور بارزاني على توقيع اتفاقيتين مهمتين في قطاع الطاقة مع شركتين أميركيتين هما "HKN Energy" و"Western Zagros" في صفقة تقدر قيمتها الإجمالية بعشرات المليارات من الدولارات وقد ذكرت بعض المصادر أنها قد تصل إلى 110 مليارات دولار.
وبحسب الاتفاق ستعمل الشركان الأميركيتان على تطوير وتشغيل حقل "ميران" للغاز الذي تقدر احتياطاته بأكثر من 8 تريليونات قدم مكعب من الغاز الطبيعي. والهدف هو دمج الحقل في شبكة الغاز بالإقليم لتعزيز إنتاج الكهرباء محلياً.
وستتوليان تطوير حقلي "كوردمير" و"توبخانة"، اذ يحتوي الحقل الثاني على حوالي 5 تريليونات قدم مكعب من الغاز و900 مليون برميل من النفط.
ويسعى الإقليم إلى جذب المزيد من الاستثمارات الأجنبية لتطوير موارده النفطية والغازية وتحقيق الاكتفاء الذاتي من الطاقة من خلال زيادة إنتاج الغاز الطبيعي لسد النقص في الوقود اللازم لتشغيل محطات الكهرباء، وبالتالي التخفيف من أزمة الكهرباء في الإقليم.
ويرى الإقليم أن وجود مصالح أميركية في المنطقة يساهم في حمايته وتعزيز استقراره وقد تكون هذه الاتفاقيات وسيلة للضغط على الحكومة المركزية في بغداد لحل الخلافات العالقة بشأن إدارة الثروات النفطية وتقاسم الموازنة.
لكن الحكومة الاتحادية رفضت تلك الاتفاقيات واعتبرتها غير دستورية وانتهاكاً للقوانين الاتحادية وقرارات المحكمة الاتحادية التي تعتبر النفط والغاز من الأصول الاتحادية.
وتقول بغداد التي تماطل في صرف رواتب موظفي الإقليم وحل الخلافات العالقة، إن أي اتفاقات استثمارية في قطاع النفط والغاز يجب أن تتم عبر الحكومة الاتحادية وبالتنسيق معها.
والمتابع لتطورات الوضع يدرك أن تلك الاعتداءات غير منفصلة عن التطورات سالفة الذكر وأنها تستهدف في توقيتها تأزيم الوضع وتأجيج التوترات الاجتماعية في كردستان واحراج القيادة الكردية التي تتمسك بالحوار سبيلا لحل الخلافات العالقة وتنتظر من الحكومة الاتحادية أن تتجاوب مع مطالبها المشروعة التي يكفلها الدستور العراقي.
وبقدر ما تفاقم تلك الاعتداءات صعوبات تواجهها حكومة كردستان العراق بفعل مماطلة بغداد في صرف رواتب موظفي الإقليم وحل الخلاف حول صادرات النفط وايراداته، بقدر ما تشكل احراجا للحكومة الاتحادية التي تبدو عاجزة عن الوفاء بالتزاماتها ودورها كضامن للأمن والاستقرار السياسي والأمني والاقتصادي بشكل عام.
وترجح مصادر كردية عراقية أن ثمة حسابات سياسية وراء موقف الحكومة الاتحادية المحاطة بالفعل بضغوط خارجية ومحلية والتي تجد نفسها أسيرة تلك الحسابات بينما ينصب تركيزها على ترضيات تخدم الأجندة الانتخابية للأحزاب الشيعية النافذة والتي تدفع بعضها عمدا لتأزيم العلاقة بين بغداد واربيل.
ويقول مصدر سياسي كردي، إن سياسة رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني وحلفائه تستهدف الكيان الفدرالي في الإقليم بشكل ممنهج، مشيرا إلى أن كل المؤشرات تؤكد ذلك بما في ذلك الامتناع المتعمد عن إرسال الرواتب والمستحقات المالية والميزانية للإقليم، واتباع سياسة التجويع الجماعي بهدف خلق نقمة شعبية وتحريض المواطنين ضد حكومة الإقليم.
وأوضح أن هناك مساع إلى خلق الفوضى وعدم الاستقرار داخل الإقليم عبر التنسيق العلني مع قوى المعارضة، كما جاء صراحة في مقابلة للسوداني أعلن فيها عن تحالفه مع ما يُسمى بـ"الجيل الجديد".
ويقول المصدر الكردي إن تلك الجماعة تمارس التضليل الإعلامي وتدعو إلى الفوضى والشغب والعنف داخل كردستان.
وذهب المصدر في تقديره للموقف الراهن وتطوراته إلى أبعد من ذلك متهما السوداني بتشجيع تلك الأطراف بشكل مباشر وغير مباشر على استهداف البنية التحتية الاقتصادية للإقليم خاصة حقول وشركات النفط، وذلك بهدف تدمير هذا القطاع الحيوي ومن ثم إيجاد ذريعة للتنصل من إرسال الرواتب.
كما اتهم رئيس الوزراء بالارتباط بعدد من الميليشيات الشيعية التي يعتقد أن بعضها وراء تنفيذ الاعتداءات على حقول النفط في الإقليم ومنها كتائب حزب الله بقيادة عبدالعزيز المحمداوي وكتائب النجباء بقيادة أكرم الكعبي ومنظمة بدر وكتائب سيد الشهداء بقيادة أبوآلاء الولائي وكتائب أنصار الله الأوفياء بقيادة حيدر الغراوي.
وقال إن "هؤلاء جميعا هم حلفاء محمد شياع السوداني في الانتخابات المقبلة"، لكن لم يسبق أن وجهت اتهامات مباشرة لرئيس الوزراء العراقي بتمويل تلك الميليشيات أو الارتباط بها بشكل مباشر وهي الميليشيات الموالية لإيران والمرتبطة بأجندتها.
وكانت بعض القراءات قد ذهبت إلى أن إيران قد تكون هي من حركت ميليشياتها في العراق خدمة لأجندة الأحزاب العراقية الموالية لها ومحاولة للتشويش على مصالح واشنطن في المنطقة بعد اتفاق أربيل مع شركتين أميركيتين لتطوير حقول نفط وغاز في الإقليم.
واستندت تلك القراءات إلى أن طهران تريد أن تبقي العراق رهينا لصادرات الطاقة الإيرانية خاصة من الغاز الذي يستخدم لتوليد الطاقة الكهربائية، في حين تعمل الولايات المتحدة على تخليص العراق من هذه الهيمنة وتدفع لأن يعول العراقيون على مصادرهم من الطاقة للخروج من أزمة الكهرباء المزمنة التي تتسبب سنويا في احتجاجات واسعة خاصة في جنوب البلاد.
وأدت الاعتداءات بمسيرات على حقول نفط في كردستان إلى توقف الإنتاج في عدد من الحقول، مثل حقلي سرسنك وشيخان، مما يقلل بشكل كبير من إيرادات الإقليم، فيما تشير بعض التقديرات إلى انخفاض يتراوح بين 140 ألف و200 ألف برميل يوميًا.
وتهدد تلك الهجمات بتقليل الاستثمار في قطاع النفط والغاز في كردستان، حيث أن الشركات الأجنبية العاملة هناك توقف إنتاجها لحماية موظفيها ومنشآتها.
وتسببت الضربات كذلك بأضرار جسيمة في البنية التحتية لحقول النفط، مما يتطلب وقتًا وجهدًا لإصلاحها واستئناف الإنتاج بالكامل.
واستمرار هذه الهجمات يمكن أن يؤثر على استقرار السوق النفطي في العراق والمنطقة، خاصةً مع توقف خط أنابيب تصدير النفط العراقي-التركي منذ عام 2023.
أما سياسيا فإن تلك الاعتداءات من شأنها أن تفاقم التوترات المستمرة بين الحكومة الاتحادية في بغداد وحكومة إقليم كردستان حول إيرادات النفط، وقضية المستحقات المالية للموظفين في الإقليم.
وبينما لم تعلن أي جهة مسؤوليتها عن الهجمات بشكل مباشر، تشير مصادر أمنية في كردستان إلى أن الطائرات المسيرة جاءت من مناطق خاضعة لسيطرة فصائل متحالفة مع إيران. وهذا يزيد من تعقيد المشهد السياسي.
وأدانت الولايات المتحدة الهجمات بشدة، واعتبرتها تهديدًا لاستقرار العراق ومستقبله الاقتصادي، داعية الحكومة العراقية لحماية أراضيها ومواطنيها.
وتزيد تلك الهجمات من حالة عدم الاستقرار الأمني في المنطقة وتلقي بظلالها على جهود الحكومة العراقية لفرض سيطرتها على كافة الأراضي.
وإذا استمرت دون رادع، فقد تؤدي إلى تصعيد أمني أوسع في العراق، خاصةً مع وجود فصائل مسلحة متعددة وامتلاكها للقدرة على شن مثل تلك الهجمات.
وهناك عدة أسباب محتملة لعدم تحرك الحكومة العراقية بحزم تجاه تلك الاعتداءات منها: حساسية الوضع السياسي الداخلي، اذ تعاني الحكومة العراقية من تعقيدات سياسية داخلية، بما في ذلك نفوذ الفصائل المسلحة المدعومة من إيران. واتخاذ إجراءات حازمة قد يؤدي إلى صدام مع تلك الفصائل، مما قد يهدد استقرار الحكومة.
وعلى الرغم من التكهنات والتحقيقات الأولية، لم تعلن أي جهة مسؤوليتها عن الهجمات بشكل رسمي، مما يجعل من الصعب على الحكومة اتخاذ إجراءات مباشرة ضد أطراف محددة.
وقد تؤثر الخلافات العالقة بين الحكومة الاتحادية وإقليم كردستان بشأن إدارة الثروات النفطية وتقاسم السلطة على مستوى التنسيق والتعاون الأمني بين الجانبين لمواجهة تلك التهديدات المشتركة. ويرى البعض أن رد فعل الحكومة الاتحادية "باهت" واقتصر على الدعوات للتحقيق.
وقد يكون هناك تضارب في المصالح بين بعض الأطراف الفاعلة في العراق، حيث قد تستفيد من تعطيل إنتاج النفط في كردستان، مما يعقد موقف الحكومة المركزية.