لماذا يستهدف كورونا الأقليات العرقية بشكل أكبر؟

بعض النواب المعارضين من جزب العمال تقدموا برسالة لوزير الصحة مطالبين بفتح تحقيق حكومي عاجل لمعرفة سبب وفاة 10 أطباء منحدرين من أقليات عرقية.

لندن - أعلن متحدث باسم داونينغ ستريت (مقر رئاسة الحكومة البريطانية) اليوم الخميس فتح تحقيق لمعرفة أسباب تأثر الأقليات في المملكة المتحدة على نحو خاص بفيروس كورونا المستجد أكثر من غيرهم بشكل لافت.

وقال المتحدث الرسمي لرئيس الوزراء "طلبنا من هيئة الخدمات الصحية الوطنية ووزارة الصحة أن تبدأ مراجعة حول التأثير غير المتناسب لفيروس كورونا على الأشخاص المنتمين للأقليات العرقية.
ويأتي ذلك بعد أن تقدم عدة نواب معارضين من جزب العمال في رسالة إلى وزير الصحة مات هانكوك، قالوا فيها إن "وفاة 10 أطباء من أصول مهاجرة ليس صدفة"، وطالبوا بفتح تحقيق حكومي "عاجل".

ويتسائل الجميع في بريطانيا حاليا لماذا تمثل الجاليتان الأفريقية والآسيوية، وأقليات اتنية أخرى، ثلث المرضى الأكثر تضررا بكوفيد-19 في المستشفيات، وفق ما تظهر دراسة المركز الوطني للبحث والمراجعة حول العناية المركزة، في حين تشكل 14 بالمئة فقط من إجمالي سكان البلاد.

وينطبق الأمر ذاته على الطاقم المعالِج. ألفا سعدو، جيتندرا راتود، محمد سامي شوشة وسيد حيدر وغيرهم، هؤلاء من بين أوّل عشرة أطباء توفوا نتيجة فيروس كورونا المستجد، وجميعهم من أصول مهاجرة.

والأحد، أقر هانكوك أنه "للأسف، فإن عدداً غير متناسب ممن توفوا في هيئة الخدمات الصحية الوطنية جاؤوا هنا لعمل وكسب العيش".
ويفسر الأمر جزئيا بحضورهم القوي في صفوف الطاقم الطبي. على سبيل المثال، جاءت الممرضتان اللتان حياهما رئيس الحكومة بوريس جونسون عند مغادرته المستشفى التي تلقى بها العلاج من كوفيد-19، من البرتغال ونيوزيلندا.

ويرى عامر أوان، وهو أربعيني من أصل باكستاني، أن الثقافة الخاصة ببعض الأقليات تجعلها أكثر هشاشة في مواجهة كوفيد-19، ويستشهد على ذلك بالقول "عندما توفى والدي بالفيروس، أراد أصدقاء لا يضعون كمامات أو قفازات معانقتنا".

اضطر هذا المطوّر العقاري القاطن في برمنغهام، وسط بريطانيا، أن يتخذ قرارا صعبا الأسبوع الماضي بفصل جهاز التنفس الاصطناعي عن والده نذير (68 عاما) الذي جاء من باكستان قبل 56 عاما.

 يمثل المهاجرون 12 بالمئة من الطاقم الصحي في المملكة المتحدة،
المهاجرون يمثلون 12 بالمئة من الطاقم الصحي في المملكة المتحدة

ووفق مكتب الاحصاء الوطني، يمثل المهاجرون 12 بالمئة من الطاقم الصحي في المملكة المتحدة، وترتفع النسبة في لندن التي تمثل إحدى أكثر المناطق تضررا من الوباء، لتصل إلى 23 بالمئة.

رغم ذلك، أكد النواب العماليون في رسالتهم أن "الأطباء المنحدرين من أقليات لا يتلقون في كثير من الأحيان معاملة متساوية، وينظر إليهم مسؤولهم كغرباء ولا يوفر لهم الدعم اللازم".

وارتكزت الرسالة على دراسة أجرتها هيئة الخدمات الصحية الوطنية، خلصت إلى أنهم أقل شكوى من نظرائهم، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بنقص المعدات.

ويعتبر رئيس الجمعية الطبية البريطانية شاند ناغبول أن ذلك "مقلق ومزعج للغاية".

كتب ناغبول مؤخرا في جريدة ذي غاديان "يقولون لنا إن الفيروس لا يميّز بين الأفراد، لكن أولئك المنحدرين من الأقليات الاتنية، وخصوصاً السود والآسيويين، نسبتهم عالية بين الحالات الأكثر تضررا".

من جهته، قال مدير مركز التفكير "بريتيش فيوتشر" ساندر كاتوالا إنه "يوجد عدد مرتفع من الفلبينيين المتضررين (من كوفيد-19) بين الممرضين وحاملي الناقلات الطبية وأعضاء آخرين في طواقم المستشفيات"، على نحو "غير متناسب" مع عددهم الاجمالي في هيئة الخدمات الصحية الوطنية.

لناحية المرضى من أصول مهاجرة، جاءت هذه الاحصائيات المنذرة بالخطر نتيجة الدمج بين الاستعدادات الجينية وعوامل اجتماعية ثقافية.

ويشرح المشرف على دراسة المركز الوطني للبحث والمراجعة حول العناية المركزة كامليش كانتي أن الأشخاص المنحدرين من "جنوب شرق آسيا يعيشون عادة في مناطق أكثر فقرا ويعانون أكثر من السكري وأمراض القلب".

لكن، في تصريح للبي بي سي، قالت المديرة المساعدة لـ"صندوق رانيميد" الدكتورة زبيدة حقي إن الأشخاص المنتمين إلى أقليات "يعملون أكثر من غيرهم في وظائف ضعيفة الأجر وأكثر عرضة للأمراض (النقل، طواقم الصحة، التنظيف)، ما يضعهم في مواجهة مباشرة مع فيروس كورونا المستجد ويفاقم خطر تعرضهم لمرض خطير والوفاة".

يضاف إلى ذلك أنهم يعيشون في أحيان كثيرة ضمن "عائلات واسعة". يضيف عامر أوان و"أحيانا يمكن أن نرى أربعة أجيال تعيش تحت سقف واحد"، ينتج عن ذلك أن "بعض الناس في جالياتنا لا تأخذ على محمل الجد" تدابير التباعد الاجتماعي.

تأثر أوان بعدم قدرته على "احتضان والدته بين ذراعيه" منذ وفاة والده، لكنه مصمم على أن يكون نموذجا يحتذى به، "يجب على جاليتنا أن تتحمل المسؤولية. علينا التحرك وإلا سترتفع الأرقام أكثر".

ال
نمط العيش والعوامل الاجتماعية والثقافية لديها دور أيضا

يذكر أن قضية الاختلاف العرقي وإمكانية تسببه في ارتفاع ضحايا فيروس كورونا ظهرت أيضا في الولايات المتحدة، حيث كشفت بيانات ضحايا الفيروس التاجي المستجد في مدن مثل كشيكاغو ونيو أورليانز ولاس فيغاس وولايات ماريلاند وكارولينا الجنوبية أن اغلبهم كانوا من السود الأميركيين.

ونشرت تقارير إخبارية أن 70 بالمئة من حالات وفيات كورونا في ولاية لويزيانا هم من ذوي البشرة السوداء، على الرغم من أنهم يمثلون ثلث سكان الولاية فقط، وتعد لويزيانا إحدى أكثر الولايات المتضررة بالمرض في الجنوب الأميركي.

ودفعت تلك النسب وغيرها للواجهة موضوع غياب المساواة الاجتماعية والاقتصادية، وما يترتب عليها من ضعف الرعاية الصحية لدى الأميركيين من أصول أفريقية، مقارنة بنظرائهم من الأميركيين البيض في مختلف الولايات.

وقد دقت كلمات الجراح العام للولايات المتحدة الأدميرال جيروم أدمز في لقاءات تلفزيونية ناقوس الخطر عن الأوضاع الصحية للأميركيين من أصول أفريقية، إذ قال أدمز "كأميركي أسود أعاني من ارتفاع في ضغط الدم ومن مرض في القلب، ولقد أمضيت أسبوعا في العناية المركزة بسبب مشكلة في القلب. كما أعاني من الربو وقد أصاب بمرض السكري".

وأضاف أدمز "هذا ما يعنيه النشأة في بيئة فقيرة في أميركا، أنا معرض مثل الكثير من الأميركيين السود لخطر أكبر في مواجهة كوفيد-19".

وتفيد إحصاءات أميركية رسمية بأن فئة المواطنين من أصول أفريقية أكثر عرضة لأمراض السكري والقلب والرئتين، وهو ما يزيد من احتمالية الوفاة عقب الإصابة بفيروس كورونا.