لم يعد المرضى وحدهم ملزمين بارتداء الكمامات

الدول والمنظمات تنتقل من القول في البداية بدافع القلق من استنزاف الكمامات بأن الأقنعة الواقية لا تلزم كافة الناس بل يجب أن يستعملها فقط المصابون بالفيروس والأطباء والممرضون، إلى حث الجميع مؤخرا على ارتدائها خوفا من أن يواصل الوباء القاتل انتشاره السريع حول العالم معمقا الأزمة الصحية.
دول في أوروبا الشرقية تلزم مواطنيها ارتداء الكمامات
تصريحات الصحة العالمية تنذر بتأجج حرب الكمامات

باريس - تغيرت المواقف عند عدة دول هذا الأسبوع من عدم فائدة الأقنعة الواقية بالنسبة لغير المصابين بفيروس كورونا إلى ضرورة ارتدائها، بعد أن رجحت المقاربات الطبية انتقال عدوى الوباء بمجرد الحديث مع المصابين أو القرب منهم حتى دون ملامستهم.

وفي هذا الإطار انتقلت منظمة الصحة العالمية من القول في البداية بدافع القلق من استنزاف الكمامات التي تشهد أصلا نقصا بأن الأقنعة الواقية لا تلزم كافة الناس بل يجب أن يستعملها فقط المصابون بالفيروس والأطباء والممرضون، إلى الحث مؤخرا على ارتدائها خوفا من أن يواصل الوباء القاتل انتشاره السريع حول العالم مسببا أزمة صحية غير مسبوقة.

ودأبت منظمة الصحة العالمية والعديد من الحكومات منذ بدأ انتشار الوباء، على القول إن الأقنعة يجب أن يستخدمها فقط المعالجون الطبيون والمرضى والأشخاص المحيطون بهم مباشرة، قائلين إنهم يستندون في هذا الرأي إلى معطيات علمية.

ويرجح الموقف الجديد لمنظمة الصحة العالمية بحث الجميع على ارتداء الأقنعة الواقية، أن يؤجج الصراع العالمي على الكمامات الذي انطلق قبل أيام  بين اكثر من دولة منذرا بأزمات دبلومايسية.

واتهمت فرنسا الجمعة الولايات المتحدة بمصادرة شحنة كمامات بالمزايدة على سعرها على مدرج مطار صيني قبل توجهها إلى فرنسا.

وعلى صعيد متصل اتهمت أيضا السلطات الإسبانية تركيا بالاستيلاء على شحنة تحتوي على أجهز تنفس كانت في طريقها إلى إسبانيا.

التحول الأبرز في الموقف جاء من الولايات المتحدة الجمعة بعدما أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن السلطات الصحية باتت تنصح الآن الأميركيين بوضع الأقنعة الواقية حين يخرجون من منازلهم.

وقال البروفسور كي شينغ المتخصص في الصحة العامة في جامعة برمنغهام (انكلترا) والمؤيد لوضع، إن "هناك تغير فعلي في الولايات المتحدة، ومنظمة الصحة العالمية تقوم بمراجعة توصياتها".

لكن بالنسبة إلى مؤيدي ارتداء القناع بشكل عام، فإن هذا الخطاب كان يهدف بشكل خاص لتجنب أن يسارع الناس للاستحواذ على الأقنعة المخصصة للطواقم الطبية والممرضين والممرضات، ما يؤدي إلى تفاقم النقص القائم أساسا.

ومن آسيا، حيث يستخدم القناع الواقي تقليديا، أثار التردد الغربي استغرابا.

وقال رئيس المركز الصيني لضبط ومراقبة الأمراض غاو فو في 27 مارس/آذار في مجلة 'ساينس'، إن "الخطأ الكبير في الولايات المتحدة وأوروبا برأيي، هو أن الناس لا يضعون الأقنعة الواقية".

وفي هذا السياق تغير الخطاب الرسمي في كل مكان تقريبا في الأيام الماضية في مواجهة سوء الفهم المتزايد لدى عموم الناس وتكثفت مواقف الأطباء المؤيدين لارتداء القناع.

العامل الآخر هو الفرضية القائلة بأن فيروس كورونا المستجد يمكن أن ينتقل عبر الهواء، أي من خلال جزئيات هوائية حيوية متولدة مباشرةً من زفير الأشخاص المصابين.

لكن هذه الفرضية لا تزال موضع تكهنات كثيرة ولم تثبت علميا بعد.

إلا أنه في الولايات المتحدة فقد تحدث مدير معهد الأمراض المعدية أنطوني فاوتشي، العضو في فريق عمل البيت الأبيض حول الفيروس والذي يجتمع يومياً مع ترامب لقناة فوكس نيوز، عن معطيات تشير إلى أن "الفيروس يمكنه في الواقع الانتقال بين الأشخاص الذين يقومون بمجرد التحدث وليس فقط حين يسعلون أو يعطسون".

وإذا ثبت ذلك فإن طريقة الانتشار هذه يمكن أن تفسر معدلات العدوى العالية جدا للفيروس الذي يمكن أن ينقله أيضا مرضى لا تظهر عليهم أية عوارض.

واستنادا إلى هذا الاحتمال، أوصت السلطات الصحية الأميركية بوضع الأقنعة.

وكان رئيس بلدية نيويورك بيل دي بلازيو استبق هذه التوصية حين طلب الخميس من سكان الولاية أن يغطوا وجوههم حين يخرجوا من منازلهم.

وقال إن ذلك يمكن أن يتم عبر وضع "وشاح أو عصابات رأس أو شيء تصنعونه انتم".

'استخدموا أقنعة تصنعونها أنتم حتى من قماش'
'استخدموا أقنعة تصنعونها أنتم حتى من قماش'

ولتجنب التهافت على شراء الأقنعة الطبية، يجري تشجيع وضع هذه الكمامات المصنعة منزليا أو من القماش في مختلف أنحاء العالم.

ويؤكد العلماء الذين يشجعون على ذلك أنها تؤدي إلى تجنب إصابة آخرين إلى جانب حماية من يضعها.

وقال البروفسور شينغ "الكثير من الناس يعتقدون أن وضع قناع يحميهم من الإصابة، لكنه بالواقع يتيح لهم خفض مصادر العدوى".

وأوضح "هذا الأمر سيعطي نتائج إذا وضع كل الناس القناع وفي بعض الحالات يكون القناع البسيط جدا كافيا لأن قطعة قماش فقط كفيلة بوقف الرذاذ" الذي يحتوي الفيروس الصادر عن مريض، مضيفا في معرض حديثه عن القناع "ليس مثاليا، لكنه أفضل من لا شيء".

وفي ألمانيا شجع معهد 'روبرت كوخ' المؤسسة المرجعية للصحة العامة، المواطنين الجمعة على ارتداء أقنعة مصنوعة منزليا في الأماكن العامة.

وقال رئيس المعهد لوثار فيلير إنه "لا يوجد دليل علمي حتى الآن" على أنها تحد من انتشار الفيروس، لكن ذلك "يبدو معقولاً".

وشاطرته وجهة النظر هذه أكاديمية الطب في فرنسا التي قالت الجمعة، إن وضع القناع يجب أن يكون إلزاميا حين يخرج الناس من منازلهم خلال إجراءات العزل وحتى بعد انتهاء العمل بها.

وعمدت الحكومة الفرنسية نفسها إلى تغيير موقفها عبر الإعلان عن صنع أقنعة "بديلة" غير تلك الطبية منها.

وقال المسؤول الثاني في وزارة الصحة البروفسور جيروم سالومون الجمعة، "نشجع الناس إذا رغبوا، بوضع هذه الأقنعة البديلة التي يجري إنتاجها".

والأربعاء أكدت المذيعة التلفزيونية الشهيرة مارينا كارير وهي طبيبة أيضا، أن التعليقات الرسمية حول عدم جدوى الأقنعة يمكن أن تصل إلى "كذبة" لكن "من أجل قضية جيدة" أي حجزها لمقدمي الرعاية الطبية.

التعليقات الرسمية حول عدم جدوى الأقنعة يمكن أن تصل إلى كذبة من أجل حجزها لمقدمي الرعاية الطبية

ويجري التداول على الانترنت بمعلومات حول طريقة صنع الأقنعة وفي بعض الأحيان تكون صادرة عن مستشفيات أو مؤسسات علمية.

أخيرا في أوروبا الشرقية فإن الأقنعة إلزامية، على سبيل المثال في الجمهورية التشيكية وسلوفينيا والنمسا عند الدخول إلى السوبرماركت.

من جهتها لا تزال منظمة الصحة العالمية متمسكة بموقفها الأساسي خشية أن يعطي الاستخدام المعمم للقناع "شعورا خاطئا بالأمان" ويجعل الناس ينسون التدابير الأساسية التي لا غنى عنها للحماية من الفيروس وهي التباعد الاجتماعي وغسل اليدين.

لكن مديرها تيدروس أدهانوم غيبريسوس أقر الأربعاء بأن المنظمة لا تزال "تقيم الاستخدام المحتمل للقناع الواقي بطريقة أوسع نطاقا". وقال "إن الوباء في تطور والأدلة وآراءنا أيضا".

وأظهرت دراسة نشرت الجمعة في مجلة 'نايتشر' أيضا، أن وضع الأقنعة الواقية المخصصة للعمليات الجراحية يخفض كمية فيروس كورونا المستجد التي ينشرها مرضى في الهواء، وتم إجراء التجربة على فيروسات أخرى.

وقال الدكتور روبرت بيل من معهد 'فرنسيس كريك' في لندن، إن "هذه الدراسة تقدم مستوى عال من الأدلة لصالح ارتداء القناع"، مضيفا "يجب على مسؤولي القطاع الصحي أن يأخذوا علما بذلك على الفور".