مائة كتاب في كتاب: بانوراما الفكر والثقافة في عقدين من الزمن

وفيق صفوت: العمل يمتلك القدرة على تزويد القارئ بخلفية ثقافية ومعرفية شاملة ومتكاملة عن أهم ما صدر من مؤلفات في الفترة المذكورة.

يمثل كتابَ "مائة كتاب في كتاب" للأديب والصحافي اللامع حواس محمود، إنجازًا معرفيًا في المشهد الثقافي العربي، إذ يتجاوز مجرد كونه مجموعة من مراجعات الكتب ليصبح بمثابة خريطة طريق فكرية ترصد تحولات الوعي العربي خلال عقدين مفصليين من الزمن، أي ما بين مطلع الألفية الجديدة وعام 2020 تقريبًا. هذه الفترة، التي شهدت موجات عاتية من التغيير السياسي والاجتماعي والتكنولوجي، وجدت في هذا العمل مرآتها العاكسة، حيث قام المؤلف بقراءة وتحليل مئة من أهم الإصدارات التي لامست قضايا العصر ببراعة وعمق، ليقدمها للقارئ في إطار مُكثّف ومُحكم، استجابةً لفكرة نبيلة شجّع عليها الأديب السوري صبحي دقوري، وهي: كيف يمكن للمثقف المعاصر أن يحيط بأهم ما كُتب دون أن يغرق في بحر الإصدارات؟

إنَّ الوصف الذي أُطلق على هذا المجهود بأنه "عمل موسوعي بالدرجة الأولى" ليس مبالغة، بل هو توصيف دقيق لجهد تطلب من الكاتب حواس محمود "قراءة متأنية وعميقة لمئة كتاب دفعة واحدة"، وهو ما يعكس التزامًا معرفيًا لا يقدم عليه إلا من استشعر ثقل المسؤولية تجاه التنوير الثقافي.

لقد جاء الكتاب الصادر عن دار الكتاب ليُقدم وجبة معرفية دسمة، لكنها مُجهزة بمهارة فائقة تجعلها سهلة الهضم، محافظة على جوهر المضمون العلمي والفكري لكل كتاب تم عرضه. إنَّ المنهجية التي اتبعها المؤلف تتسم بالاختصار "الممنهج والمقصود"، حيث استطاع أن يقدم عصارة الأفكار والنظريات والمناقشات التي تضمنتها تلك المئة مؤلَّف، دون أن يقع في فخ الإخلال بالعمق، وبأسلوب شهد له اختصاصي التربية وعلم النفس وفيق صفوت مختار بأنه "سلس ومشوق، وعباراته رشيقة ولغته متقنة، وعرضه منطقي ومتسق"، مما يضمن انسيابية القراءة حتى عند التنقل بين حقول معرفية شديدة التباعد.

لقد قسم حواس محمود عرضه إلى ثمانية أبواب رئيسية، شكل كل باب منها نافذة على حقل معرفي خاص، متدرجًا في رحلته من قضايا العقل الإنساني المعقدة وصولاً إلى تحولات البنية الاقتصادية في المجتمعات العربية، وهو تدرج يعكس وعيًا عميقًا بالتشابك المعرفي الذي يميز عصرنا.

يُستهل الكتاب بباب "الأنثروبولوجيا"، الذي يغوص في أعماق العقل الإنساني، متناولًا أربعة كتب تتفحص مستقبل هذا العقل وتغيراته الجوهرية. لم يعد العقل البشري، كما تطرح هذه الدراسات، كيانًا ثابتًا بمعزل عن محيطه، بل بات مُتأثرًا بعمق بالتقنيات الحديثة ووسائل التواصل الاجتماعي، التي أحدثت ثورة في طريقة التفكير والإدراك وتكوين المعتقدات. يناقش المؤلف هنا، عبر ملخصاته، كيف يمكن للإنسان أن يحقق "السعادة" في خضم هذا التحول التقني الهائل، مستعرضًا آراء عديدة لكتاب ومفكرين وفلاسفة تناولوا العلاقة بين الوجود الرقمي والصحة النفسية والرضا الذاتي. إنها دعوة للتأمل في هوية الإنسان الحديث في مواجهة طوفان المعلومات والتواصل الافتراضي.

وينتقل بعدها إلى الباب الثاني، وهو "الإعلام والعولمة"، الذي تضمن أربعة عشر فصلاً/كتابًا، مما يدل على الأهمية المحورية لهذا الموضوع في تشكيل الواقع الثقافي والاجتماعي خلال العقدين الماضيين. يقدم هذا الباب بانوراما شاملة لـ"علم اجتماع العولمة"، مسلطًا الضوء على أسسها الفلسفية وتداعياتها على البنى الاجتماعية والثقافية للدول. يتوقف حواس محمود طويلاً عند ظاهرة "ثورة فيسبوك" وكيف أصبحت وسائل التواصل أداة للتعبئة السياسية والاجتماعية، وكيف غيرت مفهوم السلطة والمقاومة. كما يركز العرض على "التلفزيون وثقافة الصورة"، ويحلل ظاهرة "الإدمان التلفزيوني" وتأثير الصورة البصرية الطاغي في إعادة تشكيل الذوق العام والمعايير الجمالية والأخلاقية، مقدمًا تحليلات عميقة حول التداخل بين العولمة والثقافة وعلاقة التنافر والتأثير المتبادل بينهما.

أما الباب الثالث، فيتخصص في "الفلسفة والفكر والسياسة"، وهو قلب القضايا الإشكالية التي واجهت العالم العربي. يتناول العرض كتبًا مفصلية ناقشت صعود وسقوط "الليبرالية الجديدة" وتأثيرها على العدالة الاجتماعية وإعادة توزيع الثروات. كما يُسلط الضوء على دراسات معمقة حول مفهوم "الطاغية" (الاستبداد) ليس فقط كظاهرة سياسية، بل كبنية ثقافية وفكرية تغلغلت في نسيج المجتمعات العربية، ويستعرض التناقضات الكامنة في علاقة "الإسلام والحداثة" ومحاولات التوفيق أو المفاصلة بينهما. بالإضافة إلى ذلك، يتناول الباب بالتحليل "الثورة في الفكر العربي المعاصر" ويناقش قضايا الديمقراطية المعقدة في السياق العربي، والمسارات المتشعبة لـ"الانتفاضات العربية" وتداعياتها الفكرية والسياسية على المدى الطويل. هذا الباب هو بمثابة مرجع مكثف لأهم الأطروحات السياسية والفكرية التي حاولت تفسير الزلزال الذي ضرب المنطقة.

الأديب والصحافي اللامع حواس محمود

ويأتي الباب الرابع ليوسع نطاق النقاش إلى "التربية والاجتماع وعلم النفس"، حيث تتجسد القضايا المجتمعية الأكثر إلحاحًا. هنا، يضيء المؤلف على مواضيع مثل "الصداقة" وقيمتها في عالم سريع التغير والروابط الهشة، ويُفرد مساحة هامة لمناقشة ظاهرة "العنف ضد المرأة" من منظور اجتماعي ونفسي وقانوني، مع استعراض الكتب التي حاولت تحليل جذور هذه الظاهرة وسبل مكافحتها. كما يُسلط الضوء على دور "المجتمع المدني" كقوة دافعة للتغيير الاجتماعي ومحرك للإصلاح، ويغوص في أعماق "الطفولة" والمشاكل التربوية والنفسية التي تواجه الأجيال الجديدة في ظل التكنولوجيا والتحولات الأسرية.

في قفزة نوعية، يتجه حواس محمود إلى الباب الخامس المخصص لـ"الأدب والفن والنقد"، وهو الباب الأكثر زخمًا وتنوعًا فنيًا، إذ يعرض لنحو خمسة وعشرين كتابًا في هذا الحقل. يفتح العرض نوافذ على قضايا "السينما العربية" وتحدياتها الفنية والإنتاجية، ويقدم قراءات نقدية في روايات وقصائد عربية وعالمية، محللًا ظواهر مثل "المسرح الشعري" الذي يمثل محاولة لإحياء شكل أدبي قديم. ومن لُبّ النقد الأدبي ينتقل إلى ظواهر جمالية أوسع كـ"مجرات سحرية"، وهو ما قد يشير إلى استعراض لأعمال تتسم بالغرابة أو الخيال العلمي أو الفانتازيا الأدبية. ويُولي الكاتب اهتمامًا خاصًا لإبداعات المرأة، فيخصص مساحة لعرض مختارات من "شاعرات من الخليج العربي"، ويحلل البنية العميقة للغة من خلال "سيمياء الخطاب الشعري". كما يولي اهتمامًا للأدب العالمي من خلال "شهرزاد أمريكا اللاتينية"، الذي يُعتقد أنه يتناول أدب الواقعية السحرية وتأثيراته، بالإضافة إلى مختارات من "قصائد شعراء جائزة نوبل" و"هكذا تكلم محمود درويش" ليكون بمثابة سجل حافل بأهم التيارات والإصدارات الإبداعية في هذه الفترة. كما يعرج على قضايا الإقليمية الأدبية من خلال "الواقعية في الأدب الكردي"، وعمق "الدراسات الثقافية" كمشروع فكري ونقدي شامل.

الباب السادس، وعنوانه "الثقافة"، يتناول التحديات الثقافية بمعناها الأوسع. يفتتح هذا الباب بموضوع صادم وهو "إبادة الكتب"، الذي قد يتطرق إلى المخاوف من زوال الكتاب المطبوع أو تعرض المحتوى المعرفي للرقابة والإهمال، ويناقش "تحديات الثقافة العربية" في عصر العولمة، مع التركيز على آثار "الثورة الرقمية" في تغيير أنماط الاستهلاك الثقافي وشكل المثقف ووظيفته. يضم الباب أيضًا مواضيع مثل "الحياة في الحامية الرومانية"، مما يشير إلى مقاربات تاريخية لفهم آليات الهيمنة الثقافية عبر العصور.

أما الباب السابع، "الحضارة والتاريخ والشخصيات"، فهو جولة في ذاكرة المجتمعات ومحاولات فهم الآخر. يضم هذا الباب عرضًا لكتب تتناول مفهوم "الاستغراب" كمحاولة عربية لفهم الغرب ونقده بعمق، على غرار مشاريع "الاستشراق" ولكن من منظور معاكس، كما يتناول قضايا "الأقليات" ودورها في التكوين الحضاري للمنطقة، ويعرض لكتب تتتبع "تاريخ الكتابة" وتطورها كأداة للمعرفة، مع التركيز على "ذاكرة الأماكن" باعتبارها سجلًا حيًا للهوية والتاريخ.

ويُختتم الكتاب بباب موجز ولكنه بالغ الأهمية بعنوان "الاقتصاد"، لا سيما وأن هذا الجانب كان له أثره البالغ في تشكيل الواقع الاجتماعي. يركز هذا الباب على "تحولات الطبقة الوسطى في الوطن العربي"، وهو موضوع يكشف عن حجم التآكل الاقتصادي والاجتماعي الذي تعرضت له هذه الطبقة، التي تُعد ركيزة الاستقرار السياسي والاجتماعي وأساس الحراك الثقافي، حيث أن تراجعها أو انهيارها يترك تداعيات عميقة على المشهد العام.

هكذا يمثل كتاب "مائة كتاب في كتاب" حصيلة لجهد استثنائي، ويستحق أن يُصنف ضمن الأدوات المعرفية التي لا غنى عنها للمثقف والقارئ الجاد. فكما أشار إليه الزميل المختص وفيق صفوت مختار، إنَّ هذا العمل يمتلك القدرة على تزويد القارئ "بخلفية ثقافية ومعرفية شاملة ومتكاملة عن أهم ما صدر من مؤلفات في الفترة المذكورة"، مبرهنًا على أن "الاختصار لا يعني الإخلال" إذا ما جاء على يد كاتب مُتمكن وواعٍ لرسالته. إنه ليس مجرد فهرس، بل هو قراءة ناقدة ومُكثّفة لأهم الأفكار التي رسمت ملامح المشهد الفكري العربي بين عامي 2000 و2020، ويُعدُّ حقًا إضافة نوعية وضرورية للمكتبة العربية المعاصرة.