ماذا تخطط إسرائيل للفلسطينيين في الضفة؟
تتصاعد السياسات والإجراءات الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين في الضفة الغربية منذ صعود حكومة بنيامين نتنياهو اليمينية الحالية إلى الحكم، نهاية العام 2022، وباتت تلك السياسات والإجراءات أكثر وضوحًا بعد هجمات السابع من أكتوبر في العام التالي، وأكبر قابلية للتنفيذ بعد وصول دونالد ترامب إلى رئاسة الولايات المتحدة، حيث لم يخف نتنياهو وأعضاء حكومته ومؤيدوه دعمهم ورضاهم لذلك. ورغم أن هذه السياسات والإجراءات ليست منفصلة عن سياسات بنيوية قامت سلطات الاحتلال بإرسائها تدريجيًا عبر العقود الماضية في الضفة، إلا أنها تشكل اليوم، بتطوراتها، منظومة متكاملة لرؤية الاحتلال القادمة للضفة الغربية، والتي لا تنفصل بأي حال من الأحوال عن رؤيته لمستقبل غزة.
يعكس عدد من الانتكاسات التي طرأت على سياسات الاحتلال تجاه الفلسطينيين وأرضهم في الضفة الغربية خلال العامين الماضيين استراتيجية ممنهجة تكشف عن أهداف الاحتلال القادمة فيها. يفصح زيادة أعداد الشهداء والمصابين والمعتقلين والأسرى في الضفة الغربية خلال العامين الماضيين، وبشكل استثنائي، بالإضافة إلى هدم المنازل والمخيمات وتهجير عشرات آلاف الفلسطينيين عن منازلهم، عن سياسة إسرائيلية جديدة، تعكس استهتارًا بالغًا بحياة الفلسطينيين ومستقبلهم، خصوصًا مع الوضع في الاعتبار الجرائم التي ارتُكبت بحق مئات آلاف المدنيين في غزة والتدمير الهائل لأحياء القطاع ومرافقه خلال الحرب الأخيرة. لا ينفصل ذلك عن تصاعد اعتداءات المستوطنين، بشكل بلغ ذروته خلال الفترة الماضية، والذي تؤكد سلطات الاحتلال عدم قدرتها على ردعه، الأمر الذي يعطي مؤشرًا على أدوار مستقبلية لهؤلاء أشد خطورة.
لا تنفصل الإجراءات الأخيرة، بوضع الحواجز والبوابات الحديدية التي تقطّع أوصال قرى ومدن الضفة الغربية وتُحدث تعطيلًا لحياة الفلسطينيين، عن سياسة أوسع تستهدف مكانة السلطة الفلسطينية نفسها. فالوضع الاقتصادي في الضفة الغربية على حافة الهاوية، إذ شكلت تلك الحواجز والازدحام المروري الناتج عنها تعطيلاً اقتصاديًا جسيماً للسكان. يأتي ذلك في ظل إلغاء معظم تصاريح العمال الفلسطينيين الذين يعملون داخل الخط الأخضر، ويتخطى عددهم المائة ألف عامل، الأمر الذي حرم مناطق الضفة الغربية من خمس دخلها تقريبًا. كما تستهدف إسرائيل السلطة الفلسطينية اقتصاديًا بشكل متعمد، فهي تواصل حجز أموال المقاصة، والتي تشكل أكثر من ثلثي ميزانية السلطة، حيث بدأ ذلك الاستهداف في موجته الأخيرة متدرجًا منذ العام 2019، حتى وصل ذروته بعد أحداث السابع من أكتوبر، وبحجج متضاربة واهية، وهو ما يراكم الديون على السلطة، ويحرم الموظفين العموميين والمتقاعدين، الذين يتخطى عددهم المائة ألف، من الحصول على رواتبهم كاملة منذ سنوات.
وتزداد الأمور وضوحًا بعد إغراق السلطات الإسرائيلية البنوك الفلسطينية بفائض الشيكل، وحرمانها من تحويله، وذلك بفرض القيود على التحويلات المالية في مناطق السلطة، الأمر الذي يُعيق النظام المالي برمته، كما يعيق دفع المستحقات المالية من قبل السلطة الفلسطينية لشركات الطاقة والكهرباء وغيرها الإسرائيلية، ويفسر النقص في توريد تلك المنتجات للفلسطينيين. كما يعيش النظام المصرفي الفلسطيني في حالة من القلق المستمر، بسبب تهديدات إسرائيل بإنهاء العمل بالإعفاء المصرفي للبنوك الإسرائيلية من المسؤولية عند تعاملها مع نظيراتها الفلسطينية، وهو ما يُعرف بالمراسلة المصرفية. ويعني ذلك، إن حدث، عدم قدرة البنوك الفلسطينية على العمل من خلال البنوك الإسرائيلية الوسيطة في معاملاتها الخارجية، ما سيؤدي إلى انهيار العمل المصرفي في الأراضي الفلسطينية المحتلة بالكامل.
يبدو أن حكومة الاحتلال الحالية تضغط بشكل جلي لإضعاف السلطة الفلسطينية، ضمن رؤيتين يتبناهما تياران في الحكومة الإسرائيلية الحالية. يتبنى نتنياهو ومؤسسة الجيش الرؤية الأولى، والتي لا تمانع في بقاء السلطة، لكن وفق صلاحيات محدودة ومقلصة عن حدود أوسلو، تفقدها سيادة التمثيل الشعبي، العنصر المكمل لشروط وجود الدولة، وهو ما نشهده بشكل متدرج. في حين يمثل وزير المالية، سموتريتش، التوجه الثاني، الذي يرفض وجود السلطة الفلسطينية من أصله، ويدعو لإنهاء مهامها، ويقدم رؤية تقوم على أساس السماح بوجود نوع من الحكم الذاتي للفلسطينيين في المناطق المأهولة بهم في الضفة. ويبدو أن الهدف المشترك من الرؤيتين شبيه بما تحاول إسرائيل فرضه في غزة، إذ يقوم على السماح للفلسطينيين بإدارة شؤونهم وفق قواعد وشروط يضعها الاحتلال، بغض النظر عن تلك الإدارة الفلسطينية، فإما سلطة فلسطينية ضعيفة مغلوبة على أمرها، أو سلطة مختارة ويتم تنظيم عملها بمعرفة الاحتلال نفسه، وهو ما يمثل هدف الاحتلال اليوم.
تأتي تلك التطورات في ظل توجه إسرائيلي واضح بضم الضفة الغربية بشكل كامل، تحسم من خلاله إسرائيل قضية فرض السيادة على الأرض، رغم عدم الإعلان عن ذلك صراحة، وانتهاك ذلك لقواعد القانون الدولي وتوجهات المجتمع الدولي. لقد تصاعدت وتسارعت خلال العامين الماضيين المشاريع الاستيطانية في الضفة الغربية عن المرحلة السابقة. بدأ المشروع الاستيطاني في الضفة الغربية على أساس بنيوي متدرج، خلق معه عبر العقود الماضية واقعًا جديدًا لصالح المستوطنين اليهود الجدد على حساب السكان الفلسطينيين الأصليين. لم تنجح اتفاقيات أوسلو في تغيير ذلك الواقع، بل على العكس، رسخت هذه الاتفاقيات ذلك عندما نصت على تقسيم أراضي الضفة الغربية إلى ثلاث فئات، يقع معظمها في "مناطق ج" تحت السيطرة الإسرائيلية الكاملة. ورغم أن تلك الترتيبات كان يفترض أن تنتهي بعد خمس سنوات من توقيع أوسلو، أي في العام 1999، إلا أن السيطرة استمرت وتوسعت ونمت عبر السنوات التالية.
في السنوات الأخيرة، خصوصًا بعد صعود حكومة نتنياهو اليمينية الحالية لسدة الحكم، نما النفوذ السياسي للحركة الاستيطانية، وباتت أفكارها محركةً للسياسات الرسمية. وبدأت المشاريع الاستيطانية تشير إلى مخططات لحسم الصراع على الأرض مع الفلسطينيين. تصاعد حجم البناء الاستيطاني بشكل خطير، كما يجري تقنين البؤر الاستيطانية بشكل لم يكن متعارفًا عليه قبل صعود الحكومة الحالية. خلال العامين الماضيين، لم تمنح سلطات الاحتلال مطلقًا تصاريح بناء للفلسطينيين في المناطق المصنفة "ج"، وتقوم اليوم بهدم جميع المنازل والمؤسسات المنشأة بدون تصريح، والتي يصعب الحصول عليها من قبل سلطات الاحتلال في تلك المناطق، وتتجاوز عدد قرارات هدم المباني الفلسطينيين السنوي الألف قرار في تلك المناطق. كذلك تتشابه قرارات مصادرة الأراضي وهدم المنشآت في القدس الشرقية، التي تشهد تصعيدًا خطيرًا يهدد البنية السكانية الفلسطينية في المدينة المقدسة. في القدس أيضًا، جرى البدء في تنفيذ مشروع E1، الذي تعطل تنفيذه لعقدين كاملين بسبب الفيتو الأميركي والدولي. ويفصل المشروع الضفة لشطرين، ويفصل المدينة المقدسة عن محيطها، ويسيطر على مساحات شاسعة من أراضي الفلسطينيين.
في الضفة الغربية والقدس الشرقية، وفي تحول خطير، تقوم سلطات الاحتلال بتسوية الأراضي، أي تسجيلها في دائرة التسجيل الإسرائيلية "الطابو"، لتحديد مالكها القانوني بشكل نهائي غير قابل للطعن به. تأتي القرارات الإسرائيلية الأخيرة التي تركز على تسوية أراضي الفلسطينيين، خصوصًا في المناطق المصنفة "ج"، التي تشكل ثلثي مساحة الضفة، وكذلك في القدس الشرقية، وتمتد أيضًا للأراضي المصنفة "ب"، وتعد تعديًا مباشرًا على سيادة تلك الأراضي. وقد توقف تسجيل الأراضي في الضفة منذ العام ١٩٦٨، بعد احتلالها، وفي القدس الشرقية لم تُسجَّل غالبية الأراضي بسبب الظروف السياسية المعقدة بعدها. ويفرض الاحتلال شروطًا قاسية لإثبات ملكية الأرض، ويُرجعها لملكية الدولة حال عدم نجاح المالك في إثبات ملكيته وفق تلك الشروط. وطرح مشروع قانون في الكنيست مؤخرًا يسمح بتملك اليهود الإسرائيليين لتلك الأراضي، ما يعقّد الإجراءات أكثر، وستؤدي تلك الإجراءات لنزع ملكية الفلسطينيين لأراضيهم، وتحويلها إلى سلطات الاحتلال.
وتحاصر سلطات الاحتلال في الضفة الغربية والقدس وكالة غوث اللاجئين "الأونروا"، فهدمت مقراتها في القدس، وألغت وجودها، وصادرت امتيازاتها في الضفة، وهاجمت مخيمات اللاجئين، وهدمت المدارس والمستوصفات الصحية والمنازل، وهجرت عشرات آلاف الفلسطينيين منها. ويستهدف الاحتلال بذلك قضية اللاجئين الفلسطينيين وحقوقهم. وكلها سياسات تصب في حسم صراع دام لعقود لصالح المحتل، وإنكارًا لحق السكان الأصليين. كما يعد هذا التصعيد على الفلسطينيين في مخيماتهم في الأراضي المصنفة "أ"، والتي تديرها السلطة، ونهج هدم وترحيل أعداد كبيرة منهم بشكل جماعي نهجًا خطيرًا يوحي بقادم أصعب.
وفق تلك التطورات في الضفة الغربية، بات إعلان السيادة وضم الأرض مجرد إجراء شكلي، بعد أن عمل الاحتلال على ترسيخه جوهريًا. في غزة، كشفت التطورات الأخيرة، من تعيين اللجنة الإدارية للقطاع وقرار إغلاق عشرات المؤسسات الإنسانية غير الحكومية الدولية، وفتح معبر رفح بشكل مهين، وتحت إدارة ورقابة الاحتلال المباشرة، حقيقة الدور الذي يتطلع إليه الاحتلال في غزة، وهو نفسه الدور الذي يسعى لترسيخه في الضفة. فهل هناك موقف فلسطيني وعربي ودولي موحد ومتكامل يتصدى لمخططات الاحتلال؟
وقد تكون البيئة الفلسطينية، في ظل الاعتبارات المحلية الحالية والتصعيد الإسرائيلي، مؤهلة لتجربة قيادة جديدة، بينما تشجع التطورات الأخيرة في الشرق الأوسط وإفصاح الدور الإسرائيلي والأميركي المنطقة على إعادة النظر في تحالفاتها مع الولايات المتحدة، وإبداء اهتمام أكبر بحل القضية الفلسطينية، التي لطالما شكلت عقدة صعبة.
وأظهرت الكتلة الأوروبية، في مواجهة الهجوم الروسي على أوكرانيا، قدرتها على اتخاذ موقف صلب وموحد دفاعًا عن القانون الدولي، كما أثبتت استعدادها لتحدي الإرادة الأميركية عندما تعارضت مع مصالحها ورؤيتها السيادية. فهل تعيد أوروبا اليوم حساباتها، وتنصف الفلسطينيين، وتتحدى إسرائيل في قضية لا تستطيع أي دولة في العالم إنكار عدالتها، ولا الظلم التاريخي الواقع على شعب دفع ثمن هذا التخاذل عبر أجيال متعاقبة؟