محاكمات أحداث الساحل تختبر جدية إدارة الشرع في إرساء العدالة
دمشق - في خطوة تاريخية ينظر إليها كأول اختبار حقيقي لمدى التزام الرئيس أحمد الشرع بتطبيق مبادئ المساءلة والعدالة بعد سقوط النظام السابق، بدأت في سوريا اليوم الثلاثاء أول محاكمة علنية للمتهمين بالتورط في موجة من إراقة الدماء الطائفية التي شهدها الساحل السوري في مارس/آذار الماضي.
وتُعد هذه الجلسات، التي عُقدت في قصر العدل بمدينة حلب، محاولة جادة ومفصلية من قبل الإدارة الجديدة للتعامل مع جرائم وانتهاكات الماضي والحاضر. وهي خطوة ضرورية في مسار العدالة الانتقالية التي يطمح إليها الكثير من السوريين، وتسعى لإرساء مبدأ عدم الإفلات من العقاب بعد عقود من الحكم الاستبدادي.
رغبة في محاسبة كافة الأطراف
تمثل أحداث الساحل السوري واحدة من أسوأ أعمال العنف الطائفي منذ أن أطاحت المعارضة المسلحة السنية بقيادة الشرع بالرئيس السابق المنتمي للأقلية العلوية بشار الأسد في ديسمبر/كانون الأول، منهية بذلك حكم عائلة الأسد الذي استمر 54 عامًا.
وتضم المجموعة الأولى التي مثلت أمام القضاء 14 متهماً قُسموا بالتساوي بين فريقين رئيسيين، وهو ما يعكس رغبة في محاسبة الأطراف كافة ومن بينهم المتهمون بالمشاركة في الهجمات على العلويين وعناصر يشتبه في ضلوعهم في عمليات قتل جماعي لأفراد من الأقلية العلوية، والتي جاءت رداً على التمرد.
بالاضافة إلى المتهمين بالهجمات على الحكومة الجديدة ومن بينهم أفراد ينتمون إلى فصائل مسلحة موالية للرئيس السابق بشار الأسد، والذين أشعلوا شرارة العنف عبر مهاجمة قوات الحكومة المؤقتة.
ويواجه المتهمون تهماً منها إثارة الفتنة الطائفية، القتل العمد، والسرقة. وبحسب البث التلفزيوني وشهادات المصادر القضائية، جرى استجوابهم من كلا الفريقين بتهم تشكيل فصائل مسلحة، وقتل مدنيين، وتنفيذ هجمات على نقاط تفتيش عسكرية ومنشآت حكومية.
تعهدات بالمساءلة
كشف تحقيق لرويترز في يونيو/حزيران أن القوات السورية الموالية للحكومة المؤقتة قتلت ما يقرب من 1500 علوي في الفترة من السابع حتى التاسع من مارس/آذار، وذلك رداً على تمرد قاده ضباط سابقون موالون للأسد أسفر عن مقتل 200 من أفراد قوات الأمن.
وفي السياق ذاته، أكد جمعة العنزي، رئيس اللجنة الوطنية المستقلة للتحقيق وتقصي الحقائق في أحداث الساحل، أن النائب العام وجه اتهامات لنحو 300 من المرتبطين بفصائل تابعة للجيش (الحكومة الجديدة) ونحو 265 ينتمون إلى جماعات شبه عسكرية تشكلت في عهد الأسد، وإن لم يتضح بعد العدد الفعلي للمحتجزين حالياً.
وشدد المسؤولون في إدارة الشرع على أن السلطات ملتزمة بالمحاسبة في حقبة جديدة تنهي مرحلة مظلمة من الحكم الاستبدادي، مشيرين إلى أن محاكمة أفراد من قوات الأمن على جرائم هو أمر غير مسبوق في سوريا.
اختبار للمصداقية أم محاولة شكلية؟
وتكتسب هذه المحاكمة أهمية قصوى في بناء الثقة داخل المجتمع السوري وأمام المجتمع الدولي. وفي حال نجحت في تحقيق العدالة الناجزة والموضوعية، ستعزز بشكل كبير شرعية وقدرة إدارة الشرع على تطبيق العدالة، خاصة وأن المحافل الدولية طالبت مراراً بمساءلة المتورطين في الانتهاكات الجسيمة.
إلا أن الخطوة تواجه تحديات جمة وانتقادات، حيث يقول نشطاء مناهضون للحكومة وجماعات ضغط علوية إن المحاكمات الجارية تفتقر إلى الاستقلالية، ولا تعدو كونها محاولة شكلية من السلطات لإظهار التزامها بالمساءلة.
وسبق أن قال محققون تابعون للأمم المتحدة في أغسطس/آب إن قوات الحكومة المؤقتة ومقاتلين موالين للنظام السوري السابق ارتكبوا جرائم حرب على الأرجح خلال أعمال العنف.
ووعد الرئيس الشرع بالمساءلة في حقبة جديدة، وذهب معاون وزير العدل السوري، مصطفى القاسم، أبعد من ذلك، مؤكداً لوسائل الإعلام الرسمية أن المحاكمات لن تقتصر على انتهاكات الساحل بل ستشمل من ارتكبوا جرائم وعمليات قتل جماعي خلال فترة حكم عائلة الأسد.
وتبقى الأنظار مسلطة على مسار هذه المحاكمات لمعرفة ما إذا كانت تمثل فصلاً جديداً حقيقياً في تاريخ سوريا القضائي، أم أنها مجرد محاولة لتجاوز أزمة شرعية.