'محكمة التاريخ' تُسائل المسلسلات العربية

مسلسل "مولانا" يأتي في رمضان 2026 ليجدد النقاش مؤكدًا أن الصدق الإنساني أحيانًا أكثر تأثيرًا من الالتزام بالتاريخ المكتوب الرسمي الجامد.

دمشق ـ تُثير المسلسلات التاريخية في العالم العربي جدلًا متجدّدًا مع كل موسم درامي، إذ لا تكاد تُعرض أعمال تتناول حقبًا ماضية أو شخصيات ذات طابع ديني أو سياسي أو اجتماعي مؤثر، حتى تتعالى أصوات نقاد ومؤرخين يتهمونها بتزييف الوقائع، أو القفز على الحقائق، أو إعادة صياغة التاريخ وفق منطق درامي لا يراعي الدقة العلمية.

في المقابل، يتمسّك صنّاع هذه الأعمال، من مخرجين ومؤلفين وممثلين، بحقهم في تقديم قراءة فنية لا تدّعي التوثيق، بل تسعى إلى طرح أسئلة إنسانية ومعاصرة من خلال الماضي.

ويعكس هذا الانقسام إشكالية تتعلق بتعريف الدراما التاريخية ذاتها: هل هي إعادة تمثيل حرفي لما حدث؟ أم إعادة تأويل فني يستعير الزمن والشخصيات ليقول شيئًا عن الحاضر؟ وهل يُفترض بها أن تلتزم بمنهج المؤرخ الصارم، أم برؤية الفنان التي تحتكم إلى الخيال والرمز وبناء الصراع؟

محكمة النقاد

يرى عدد من النقاد أن الدراما التاريخية، بحكم انتشارها الواسع وتأثيرها الجماهيري، تتحمّل مسؤولية معرفية مضاعفة تجاه الجمهور، لا سيما الأجيال الشابة التي قد تتلقّى ما يُعرض بوصفه "حقيقة مكتملة". ويشير هؤلاء إلى أن أعمالًا عربية بارزة في العقدين الأخيرين وقعت في فخ تبسيط الصراعات، أو تحميل شخصيات تاريخية مواقف لم تُعرف عنها، أو إسقاط قيم معاصرة على سياقات قديمة، ما يؤدي إلى تشويه الوعي التاريخي الجمعي.

عنوان "مولانا" لم يكن توصيفيًا بقدر ما هو استفزاز فني مقصود
عنوان "مولانا" لم يكن توصيفيًا بقدر ما هو استفزاز فني مقصود

ويستشهد هؤلاء، على سبيل المثال، بالجدل الذي رافق مسلسل "عمر" (2012)، رغم إشادة كثيرين بمستواه الإنتاجي العالي، وأدائه التمثيلي المتماسك، حيث وُجّهت إليه انتقادات تتعلق بانتقاء بعض الروايات التاريخية دون غيرها، وتقديم قراءة درامية للشخصيات قد توحي بالحسم في مسائل خلافية. ورغم أن العمل حظي بنجاح جماهيري واسع، إلا أنه فتح بابًا واسعًا للنقاش حول حدود الدراما عند الاقتراب من شخصيات مفصلية في التاريخ الإسلامي.

وتكرر الأمر ذاته مع مسلسل "الحسن والحسين ومعاوية"، الذي عُرض لاحقًا وأثار اعتراضات حادة في بعض الأوساط، ليس فقط بسبب تجسيد شخصيات تاريخية حساسة، بل أيضًا بسبب القراءة السياسية للأحداث، التي رأى منتقدوها أنها تعكس وجهة نظر بعينها، مغلّفة بإطار درامي جذاب.

في المقابل، هناك أعمال تاريخية عربية أجمعت الآراء تقريبًا على تميزها الفني، لكنها فشلت في إقناع شريحة من الجمهور المتمسّك بالوقائع الدقيقة.

ومن أبرز هذه الأعمال مسلسل "الزير سالم" (2000) الذي يُعد حتى اليوم علامة فارقة في الدراما العربية من حيث اللغة الشعرية وبناء الشخصيات، والإخراج. ورغم ذلك، لم يَسلم العمل من انتقادات تتهمه بتقديم قراءة "مؤدلجة" للسيرة الشعبية، وبمنح البطل أبعادًا فلسفية تتجاوز ما ورد في الروايات التاريخية.

وينطبق الأمر نفسه على مسلسل "صقر قريش" وأعمال أخرى تناولت بدايات الدولة الأموية، حيث رأى البعض أن الجماليات البصرية وقوة الأداء غطّت على اختزال تعقيدات تاريخية كبرى في صراعات شخصية، ما جعل التاريخ يبدو، في نظرهم، مسرحا للدراما أكثر منه مادة للفهم.

حتى مسلسل "ملوك الطوائف"، الذي حظي بإشادة نقدية كبيرة بسبب معالجته العميقة لفكرة الانقسام والسقوط الحضاري، وُوجه بانتقادات تتعلق بترتيب الأحداث وتكثيف الشخصيات، وهو ما اعتبره بعض المؤرخين إخلالًا بالسياق الزمني.

يتمسّك صنّاع الدراما بموقف واضح، هو أن المسلسل ليس كتاب تاريخ، ولا وثيقة أرشيفية، بل عمل فني يخضع لقوانين السرد وبناء الصراع والتشويق. وغالبًا ما يشدّد المخرجون والمؤلفون على أن استلهامهم للتاريخ أو للأجواء القديمة لا يعني الالتزام الحرفي بالوقائع، بل توظيفها كخلفية لطرح قضايا إنسانية معاصرة.

في أكثر من مناسبة، صرّح مخرجون عرب بأن "الدراما تُقدِّم أسئلة لا إجابات"، وأنها تسعى إلى إضاءة المناطق الرمادية في النفس البشرية، لا إلى إصدار أحكام أو تصحيح سجلات. ويرى نجوم الدراما بدورهم أن قوة العمل تُقاس بصدقه الفني وتأثيره العاطفي، لا بمقدار مطابقته للكتب والمراجع.

وفي هذا السياق، يبرز مسلسل "مولانا"، المنتظر عرضه في موسم رمضان 2026، بوصفه نموذجا دالًا على هذا الجدل، رغم أنه لا يقدّم نفسه صراحة كعمل تاريخي تقليدي. العمل السوري من إخراج سامر البرقاوي، يتكئ على أجواء اجتماعية وروحية ذات طابع رمزي، تستحضر السلطة الدينية والاجتماعية بوصفها فكرة أكثر منها توثيقًا لمرحلة بعينها.

وأوضح المخرج سامر البرقاوي في تصريحات إعلامية أن اختيار عنوان "مولانا" لم يكن توصيفيًا بقدر ما هو استفزاز فني مقصود، يهدف إلى إثارة الأسئلة حول مفهوم القيادة الروحية، وحدود النفوذ، والتداخل بين الإيمان والسلطة. وأكد أن العمل لا يقدّم سيرة شيخ أو رجل دين، بل يشتغل على صراع الإنسان مع اليقين والشك، ومع ذاته قبل مجتمعه.

يُجسّد تيم حسن شخصية "جابر"، وهي شخصية مركّبة ذات حضور اجتماعي وروحي، لكنها محمّلة بتناقضات داخلية حادة. ولا يهدف هذا العمل وفق رؤية صنّاع العمل، إلى تقديم نموذج يُحتذى أو يُدان، بل إلى تفكيك صورة "القداسة" عندما تختلط بالسلطة والمصالح.

الفن بدل التلقين

ما يميّز "مولانا"، بحسب ما صرّحت به بطلة العمل نور علي، هو انحيازه للبعد الإنساني على حساب التصنيفات الجاهزة، حيث لا يُطلب من المشاهد أن يُصدّق كل ما يراه بوصفه حقيقة تاريخية، بل أن يتفاعل معه فكريًا وعاطفيًا. وهو ما يتقاطع مع رؤية شريحة واسعة من صنّاع الدراما العربية، الذين يرون أن وظيفة الفن ليست التعليم المباشر، بل إثارة التفكير.

وجود أسماء وازنة مثل منى واصف، فارس الحلو، وعبدالمنعم عمايري، يمنح العمل ثقلاً فنيًا إضافيًا، ويعكس توجهًا نحو دراما ناضجة تراهن على الأداء والسيناريو، لا على الاستعراض التاريخي.

ويبقى الجدل قائمًا بين من يطالب بضبط العلاقة بين الدراما والتاريخ، ومن يدافع عن حرية الخيال الفني. وربما يكمن الحل في منطقة وسطى، تعترف بحق الفنان في التأويل، وتُقرّ في الوقت ذاته بأهمية الوضوح في تقديم العمل بوصفه رؤية فنية لا مرجعًا معرفيًا.