مرثية جماعية عن جيلٍ تُرك وحيدًا في وجه الخراب في "لا تأكل صغار الضفادع"

رواية فرانسيسكو مونتانيا إبانيس تحكي طفولة مسحوقة في واقع قاسٍ بلا حنان حيث يتحول الجوع إلى معركة وجودية، ويصبح الاحتضان شكلًا من النجاة.

في روايته "لا تأكل صغار الضفادع"، ينقل الكاتب الكولومبي فرانسيسكو مونتانيا إبانيس القارئ إلى عالم قاسٍ لا مكان فيه للطفولة كما نعرفها. ورغم أن الرواية صُنفت ضمن أدب اليافعين، إلا أنها تتجاوز التصنيفات التقليدية لتطرح أسئلة أخلاقية وإنسانية عميقة، عن الفقد، والمسؤولية المبكرة، والتهميش الاجتماعي، والجوع، والحنين إلى حنان مفقود. إنها مرثية جماعية عن جيلٍ تُرك وحيدًا في وجه الخراب.

منذ الصفحات الأولى، ترسم الرواية مشهدًا صادمًا: خمسة أطفال يعيشون في غرفة واحدة بعد أن غادرهم الأب، وغابت الأم. يتحول الفراش إلى رمز للتقشف، والطاولة إلى مكان للطبخ والمذاكرة، والدرج إلى سرير للصغيرة "مانويلا". يتحول "هيكتور" الطفل إلى أبٍ بديل، و"ماريا" إلى أمٍ مرهقة، أما "ديفيد" و"روبرت" فيتأرجحان بين الجوع والمشاجرات اليومية. وسط هذا كله، تختفي الطفولة وتبدأ المعركة من أجل البقاء.

تحمل الرواية التي ترجمتها عن الانجليزية مريم خالد وصدرت عن دار العربي عنوانًا دالًا ومفزعًا في آن: لا يبدو العنوان مجرد تحذير طريف، بل يتكشف لاحقًا كصرخة رمزية: لا تقتل البراءة، لا تلتهم الطفولة، لا تهين الإنسان في أضعف لحظاته. في أحد أكثر المشاهد رمزية، يبتلع أحد الأطفال ضفدعًا صغيرًا وسط صدمة الطفلة التي ترافقه، وتقول لاحقًا: "لم أتعلم شيئًا في ذلك اليوم سوى أنني تقيأت كل ما أكلته في الأيام السابقة". الجوع، حين يتجاوز الحدود، يتحول إلى اغتيال للإنسانية.

في خط سردي موازٍ، نتعرف على "نينا"، فتاة أدخلت حديثًا إلى دار رعاية، بعد سجن والديها. تتعرض لعنف المتنمرين، وينقذها فتى غامض يُعرف بــ "الخالد" لأنه لا يتحدث، بل يصوب بيده وكأنه يحمل مسدسًا. هو ديفيد نفسه، أحد إخوة مانويلا وهيكتور. تنشأ بين نينا وديفيد علاقة غير لفظية، تتجسد في تبادل النظرات، واللقاء عند البركة. ديفيد الجائع أبديًّا، لا يقول سوى "أنا جائع"، وجوعه هنا يتجاوز الطعام: إنه جوعٌ للأمان، للانتماء، للحنان. ونينا، التي تحاول استعادته من صمته، ترى فيه مرآة وحدتها الخاصة.

الرواية لا تخلو من حضور نسائي مؤثر: الأم الغائبة، التي لا يُعرف مصيرها، تشكل شبحًا طاغيًا. الأخت الكبرى "ماريا" تحاول أن تملأ هذا الفراغ برعاية إخوتها رغم سنها الصغيرة. الطبيبة النفسية "مارسيلا"، على الضفة الأخرى، تمثل بارقة أمل، امرأة تستمع، لا تحكم، وتفسح في قلبها مساحة لمن لا صوت لهم

.أما الشابة التي تدعو "هيكتور" للهروب وسرقة الخزنة، فتقدم وجهًا آخر: التمرد على الواقع، لا لإصلاحه، بل للهروب منه. وقرار هيكتور بعدم الهرب معها، واختياره البقاء مع إخوته، يمثّل لحظة نضوج مؤلمة، لكن نبيلة. هذه الشابة لا تقدمها الرواية باسم صريح، لكنها تظهر كرمز لإغواء الحلم السهل والهرب من الواقع.

تعتمد الرواية على بنية سردية غير خطية، مشاهد تتوالى كلوحات داخلية، لا تسرد الوقائع بقدر ما تلتقط مشاعرها: الخوف، الغضب، الذل، التوق للدفء. هذه البنية تُقحم القارئ في داخل وعي الشخصيات، فيعيش معهم الجوع لا كمعلومة، بل كارتعاشة.

ولا يستخدم مونتانيا لغة صاخبة، بل ينسج نصًا رقيقًا، شفافًا، بقدر ما هو موجع. فالكلمات البسيطة تحمل على عاتقها كل الثقل العاطفي للعالم الذي تصفه.

الرواية، في مشهدها الختامي، لا تنحاز إلى نهايات مغلقة أو حلول مريحة. لا يظهر الأب كما يتمنى الأطفال، ولا تنبعث الأم من الغياب الطويل. الموت والفقد لا يُلغيان، والجوع لا يُشبع بالكامل، لكن شيئًا عميقًا يتبدّل. ليس في الحدث، بل في الإيقاع الداخلي للنص، وفي نبرة السرد التي تهدأ، كأن العاصفة هدأت داخل الشخصيات نفسها.

يعود "هيكتور" و"ماريا" إلى الغرفة، بعد بحث يائس عن الأخ الهارب "روبرت"، ولا يجدان إلا "ديفيد" و"مانويلا" نائمين، يحتضنان بعضهما بعضًا فوق بطانية قديمة. يتوقفان لحظة، يحدقان في هذا المشهد الهش: طفلان في حضن بعضهما، كأن العالم رغم كل قسوته، لم يسلب منهما القدرة على المودة. تستعد ماريا لإعداد الطعام، يهمس هيكتور قائلاً:
"أظن أننا نُبلي جيدًا، ألا تظنين ذلك؟"
فترد ـ وسط دموعٍ مكتومة ـ "لا أعرف. ربما."

إنها ليست إجابة متفائلة، لكنها أيضًا ليست يائسة. هي إجابة من يعرف أن الظروف لم تتغير، لكن الإرادة تغيرت. كأن الأخوين قرّرا، دون إعلان، أن هذه هي العائلة الوحيدة المتبقية، وأن الحفاظ عليها، حتى بفتات الخبز وصحن حساء وموزة، أكثر قيمة من أي يوتوبيا زائفة.

نكتشف هنا أن الرواية لم تكن تبحث عن ذروة درامية، بل عن توازن هش وسط الخراب. المكان نفسه ـ الغرفة الضيقة ـ لم يتبدل، لكنه لم يعد محض جدار وسقف. صار مع الوقت يحمل آثار الصبر، والحنان، والانكسار، والمحاولات الصغيرة للبقاء. كأن الرواية تخبرنا أن البقاء نفسه، في بعض الظروف، شكل من أشكال البطولة.

الطفولة لا تُستعاد، لكنها تُخترع من جديد في حضن الآخر. والأخوّة لا تعني الدم فقط، بل القدرة على تقاسم الصمت، والنوم في العراء، وتقشير البطاطس في ضوء خافت.

في النهاية، "لا تأكل صغار الضفادع" عمل عميق، يطرح سؤالًا وجوديًّا: من يلتفت إلى من لا حول لهم ولا قوة؟ من يصغي إلى جوع الطفولة حين يكون أكبر من الطعام؟ إنها صرخة ضد سحق البراءة، ومرآة قاتمة لمجتمعات تترك الأضعف في العراء. ومع ذلك، فهي رواية عن الحب، عن المحاولة، عن الأمل الممكن في أقسى الظروف.

مقتطف من الرواية

لم يكن الباب موصدًا، دفعه "ديفيد"؛ فانفتح بسهولة، كأنه يدعوه إلى الدخول، مشى في الغرفة، واقترب من الطاولة التي يضعون فوقها موقد الغاز، قرَّب أنفه من الوعاء الموضوع فوقه، ثم ابتعد مفزوعًا من الرائحة، لم يكن في الغرفة سوى "هيكتور" و"مانويلا"، كانت "مانويلا" نائمة داخل أحد الأدراج، و"هيكتور" نائمًا في فراشه؛ ولأن "ديفيد" يريد أن يخبر أخاه شيئًا، وقف في مكانه ينتظره حتى يستيقظ، أخذ يُحدِّق إلى أرجاء الغرفة والأشياء الكثيرة بها، كان هناك فراشان، حيث ينام الأطفال الأكبر سنًّا، بينما "مانويلا" –أصغر الأشقاء الخمسة ـ  تنام داخل الدرج، لكنه لا يكاد يسعها الآن، وهناك طاولة يطبخون ويأكلون ويُؤدُّون واجباتهم المدرسية عليها، وبعض صناديق الكرتون المكتظة بالملابس.

أجَّر أبوهم بقية المنزل لـ"دونيا يني" قبل أن يتركهم، وأخبرهم أن هذه الغرفة هي كل ما سيحتاجون إليه.

لطالما تخيَّل "ديفيد" أن الطاولة تخصُّه، في أحد المرات وجد ملصقًا في غلاف مصاصته، فألزقَهُ أسفل الطاولة، كأنه يُحدِّد به ملكيته للطاولة، حرَّك أصابعه فوق الملصق وأجزائه البارزة؛ ليتأكد أنه في مكانه، كان يفعل ذلك كل يوم، ثم نَقَلَ بصرَهُ إلى "مانويلا"؛ ففتحت عينيها وهي تنظر إليه في صمتٍ، وتلعق حافة بطانيتها، هو يُحبُّها أكثر من الآخرين؛ فهي جميلة ولطيفة، وبدت كنسخةٍ مُصغَّرة من أمِّهم، كان على وشك أن يقول: "مرحبًا"، لكنه فوجئ بتقلُّصات في معدته، الألم نفسه الذي منعه من الذهاب إلى المدرسة طوال الأسبوع الماضي.

عندما هدأت التقلصات في معدته، قرَّر أن يُحدِّق إلى "هيكتور". الغريب أنه كلما حدَّق إلى شخص نائم، كان يستيقظ على الفور، ولم يكن يعرف كيف أو لماذا يحدث هذا، كأنه عندما ينظر إليهم يلمسهم أو يُسقِط عليهم ثقلًا غير مرئيٍّ.

لم يكن "هيكتور" استثناءً لهذه الظاهرة الغريبة، فتح عينيه الناعستين وهو ينفخ، ثم انتبه إلى تحديق أخيه إليه.

همس "ديفيد":

- "هيكتور"!

تقلَّب "هيكتور"، وأخفى وجهه ببطانيته، كرَّر "ديفيد" نداءه وهو يهزُّه برفقٍ منتبهًا إلى ردة فعله:

ـ "هيكتور"! "هيكتور"!

ردَّ بعصبية:

ـ أوه، يا للـ".."، دَعْنِي أَنَمْ.

ثم أخرجَ رأسه من أسفل البطانية، والتفت لأخيه:

- ماذا بك يا "ديفيد"؟

- لا تتصرف هكذا يا "هيكتور"، إنها فقط.. معدتي لم تعد تؤلمني كالسابق.

تمتم أخوه وهو يغطي رأسه:

- حسنًا، مُبارك.

سحب "ديفيد" البطانية من فوق وجهه:

- بعث المستأجر رسالةً إليك.

استند "هيكتور" إلى مرفقيه، وصاح في أخيه كأنه ثورٌ مجروح:

- أريد أن أنام، ألَا يمكن أن تنتظر؟

اعترف "ديفيد" في خجلٍ:

- أنا فقط.. أنا جائع.

ردَّ "هيكتور" بعصبية:

- حسنًا، تَناوَلْ ما في الطبق.

- لكن "مانويلا" قالت إنه يجب ألَّا أظَلَّ آكل الطعام الفاسد.

اندفع "هيكتور" من فوق فراشه، وهو يُزيح أخاه جانبًا:

- ماذا؟ هل فَسَدَ؟!

أغلقت "مانويلا" عينيها، وغطَّت رأسها بالبطانية، واستمر "ديفيد" في الحديث غير خائفٍ من أخيه:

- نعم، أنا أعرف، أعلم ذلك بالفعل، علَّمتني "دونيا يني" كيف أُميِّزُ الطعام الفاسد من رائحته، الطعامُ الفاسد يؤلم معدتي، ماذا أفعل الآن يا "هيكتور"؟ أنا جائع و"ماريا" لن تصل إلا في وقت متأخر.

شمَّ "هيكتور" الإناء، ثم قطَّب جبينه، وحاول أن يتحكم في غضبه حتى لا يكسر الإناء فوق رأس أخيه، يجب أن يتصرف بنفسه بشأن هذه الأمور.

ألقى إليه ورقةً نقديةً مُكرمشةً وهو يجزُّ على أسنانه ويقول:

- حسنًا، تفضَّل، لِتَرَ ما يُمكنك شراؤه بهذه النقود، إن كنتَ محظوظًا، فسيعطيك شخصٌ حساءً يُصلِحُ معدتك وتعود إلى المدرسة.

التقط "ديفيد" النقود من فوق الأرض، وتنحَّى جانبًا عن أخيه الغاضب، أضاف "هيكتور" وهو يتدثر بالبطانية من جديد:

- خُذِ الفتاة معك.

أمسك "ديفيد" بيد "مانويلا"، وساعدها على ارتداء حذائها، ثم أمسك ببطانيتها، كل هذا في هدوءٍ تامٍّ وهو ينظر إلى أخيه الذي يتنفس بصوتٍ عالٍ فوق فراشه، عدل فستان أخته، ورأى كيف تنظر إليه، كانت تنتظره بصبرٍ سعيدةً لأنها ستخرج، وعندما كان على وشك أن يفتح الباب سمع أخاه يصيح مرةً أخرى:

- دَعْ أختَك تأكُلْ مما سيعطونك، ولا تأتِ إلا حين أستيقظ! أتسمعني أيها الأخرق فارغ الرأس؟

نظرت "مانويلا" إلى أخيها وهي تبتسم، كأنهما شريكان في جريمة ما، كانت تعلم أنهما على وشك أن يفعلا شيئًا غير مهذب، وسَحَبَتْهُ خارج الغرفة.