مرسى المغرب توسّع أفقها البحري وتكرّس طموح المملكة كمحور لوجستي إقليمي
الرباط - يشهد قطاع الموانئ واللوجستيك في المغرب تحولات عميقة تعكس طموح المملكة في تعزيز موقعها كمنصة بحرية وتجارية محورية على المستويين الإقليمي والدولي، وهو طموح تتصدره شركة مرسى المغرب باعتبارها الفاعل الوطني الأبرز في تشغيل الموانئ. وفي هذا السياق، تأتي خطوة استحواذ الشركة على حصة وازنة في شركة إسبانية متخصصة في تشغيل المحطات البحرية لتؤكد انتقال الاستراتيجية المغربية من منطق التدبير المحلي إلى أفق التوسع الخارجي وبناء النفوذ اللوجستي.
وقد أعلنت مرسى المغرب الثلاثاء، توقيع صفقة للاستحواذ على 45 في المئة من رأسمال شركة بولودا ماريتايم تيرمينالز الإسبانية، التابعة لمجموعة بولودا كوربوراسيون ماريتيما، مقابل 80 مليون يورو. ورغم أن الصفقة لا تزال مشروطة بموافقة الجهات التنظيمية، فإن دلالاتها الاقتصادية والسياسية تتجاوز بعدها المالي المباشر، لتضع الشركة المغربية في قلب واحد من أكثر المسارات البحرية حيوية في حوض المتوسط، وهو الخط الرابط بين المغرب وإسبانيا.
وتدير الشركة الإسبانية المستحوذ على جزء من رأسمالها تسع محطات بحرية موزعة بين البر الرئيسي الإسباني وجزر الكناري، وقد ناولت أكثر من مليون حاوية خلال عام 2024، ما يمنح مرسى المغرب موطئ قدم استراتيجيا داخل شبكة لوجستية أوروبية متقدمة.
وتندرج هذه الخطوة ضمن استراتيجية ذراعها الدولية مرسى ماروك إنترناشونال لوجيستيكس، الرامية إلى توسيع الحضور خارج الحدود وتعزيز التكامل بين الضفتين الجنوبية والشمالية للمتوسط.
وتعكس الصفقة انسجاماً واضحاً مع الرؤية المغربية الرامية إلى تحويل البنية التحتية، وخاصة الموانئ، إلى أدوات قوة ناعمة واقتصادية تعزز موقع المملكة في سلاسل التوريد العالمية، فالمغرب لم يعد يكتفي بدور العبور أو المناولة، بل يسعى إلى لعب دور فاعل في إدارة وتوجيه التدفقات التجارية، مستفيداً من موقعه الجغرافي الفريد عند تقاطع أوروبا وإفريقيا والمحيط الأطلسي.
اقتصادياً، تندرج هذه الخطوة ضمن مسار طويل من الاستثمارات الضخمة التي عرفها قطاع الموانئ المغربي خلال العقدين الأخيرين، وعلى رأسها مشروع ميناء طنجة المتوسط، الذي أصبح أحد أكبر الموانئ في البحر الأبيض المتوسط وإفريقيا، ومنافساً مباشراً لموانئ أوروبية تقليدية. وقد أسهم هذا التحول في جعل المغرب منصة صناعية ولوجستية جذابة للشركات متعددة الجنسيات، خاصة في قطاعات السيارات والطيران والطاقة.
وتدير مرسى المغرب حالياً 25 محطة في 11 ميناء داخل المملكة، ما يجعلها العمود الفقري للمنظومة المينائية الوطنية. غير أن طموح الشركة تجاوز الإطار المحلي، مع إعلانها خططاً للتوسع في غرب وشرق إفريقيا، من خلال تشغيل محطتين في ميناء كوتونو في بنين، إضافة إلى محطة للنفط والغاز في ميناء دمرجوج بجيبوتي. ويعكس هذا التوجه إدراكاً مغربياً متزايداً لأهمية العمق الإفريقي، ليس فقط كشريك تجاري، بل كساحة تنافس استراتيجي بين قوى دولية وإقليمية.
وفي هذا السياق، تبدو مرسى المغرب جزءاً من رؤية أشمل لإعادة تموقع المملكة داخل الاقتصاد العالمي، مستفيدة من الاستقرار السياسي ومن سياسة استثمارية تضع البنية التحتية واللوجستيك في صلب التنمية، فالموانئ لم تعد مجرد مرافق تقنية، بل تحولت إلى أدوات تأثير اقتصادي وجيوسياسي، قادرة على جذب الاستثمارات وخلق القيمة المضافة.
كما أن دخول مرسى المغرب إلى السوق الإسبانية عبر شراكة مع فاعل بحري عريق، يحمل دلالة سياسية غير مباشرة، إذ يعكس تشابك المصالح الاقتصادية بين الرباط ومدريد، ويعزز منطق التعاون البراغماتي بعيداً عن التقلبات السياسية الظرفية، فاللوجستيك والموانئ باتا اليوم لغة مشتركة تتجاوز الخلافات وتؤسس لشبكة مصالح متبادلة يصعب التفريط فيها.
وتؤكد صفقة الاستحواذ الأخيرة أن مرسى المغرب لم تعد مجرد مشغل وطني للموانئ، بل فاعلا إقليميا صاعداً يسعى إلى تثبيت حضوره في خريطة الملاحة العالمية. ومع استمرار التحولات الكبرى في البنية التحتية واللوجستيك بالمغرب، يبدو أن المملكة تراهن على الموانئ كقاطرة للتنمية وكسلاح اقتصادي يعزز استقلالية القرار ويكرس موقعها كجسر استراتيجي بين القارات.