مسلسل 'أب ولكن' يكشف تعقيدات العلاقة بين الآباء

محمد فراج يجد نفسه ممزقا بين القانون ومشاعره، فتنفجر الأحداث كاشفة أسرارا عائلية تعيد تعريف الحب والمسؤولية وتضع الجميع أمام اختبار حقيقي.

القاهرة - يدخل مسلسل "أب ولكن" مراحله النهائية ضمن خطة إنتاج طموحة تستهدف تقديم عمل درامي اجتماعي مختلف خلال موسم رمضان المقبل.
ويأتي المشروع في سياق توجه واضح نحو أعمال تناقش قضايا الأسرة من منظور إنساني معاصر، في وقت تشهد فيه العلاقات الاجتماعية تحولات متسارعة تفرض إعادة التفكير في مفاهيم الأبوة والمسؤولية والتوازن داخل البيت الواحد.

المسلسل من تأليف وسيناريو ماريان هاني، بينما تتولى ياسمين أحمد كامل الإشراف على الكتابة والإخراج، في تعاون فني يسعى إلى تقديم معالجة درامية هادئة وعميقة في آن واحد. هذا المزج بين البناء الإنساني الدقيق والرؤية البصرية المتزنة يمنح العمل مساحة للتأمل في تفاصيل العلاقات، بعيدًا عن الصخب الدرامي التقليدي، مع التركيز على المشاعر الداخلية للشخصيات.

ويعيد "أب ولكن" صياغة صورة الأب في الدراما العربية، متجاوزا النموذج النمطي الذي يقدمه كسلطة ثابتة لا تهتز. هنا يظهر الأب كإنسان يحمل تناقضاته وضعفه وخوفه من الفقد.

وتدور الأحداث حول أدهم الذي يجسده الفنان محمد فراج، وهو محاسب يجد حياته تنقلب بعد انفصاله عن زوجته إثر خلافات ممتدة. لا يمثل الانفصال نهاية العلاقة، بل بداية فصل جديد من الصراع، خاصة مع دخول قوانين الرؤية ومسؤوليات الأبوة في قلب الأحداث.

من خلال رحلة أدهم، يرصد العمل التوتر بين الواجب القانوني والاحتياج العاطفي، وكيف يمكن للقرارات القضائية أن تترك أثرا نفسيا عميقًا على جميع أفراد الأسرة.

المسلسل يطرح المشكلة، ويغوص في تفاصيلها اليومية: لحظات الاشتياق، الإحباط، محاولات التفاهم، والخوف من خسارة الرابط الأبوي.

ويعتمد السرد على مواقف حياتية صغيرة لكنها مؤثرة، تكشف كيف تتشكل العلاقات الأسرية تحت ضغط الظروف. فكل قرار، مهما بدا بسيطا، يترك أثرا متراكما في حياة الأبناء. هنا تتحول التفاصيل اليومية إلى مادة درامية ثرية، تعكس صراعات حقيقية يعيشها كثيرون.

ويتناول المسلسل كذلك تأثير قوانين الأحوال الشخصية على التوازن الأسري، مقدمًا رؤية متعددة الزوايا لا تنحاز لطرف على حساب آخر، بل تفتح باب النقاش حول كيفية حماية الروابط العائلية في ظل التعقيدات القانونية والاجتماعية.

وإلى جانب محمد فراج، يضم العمل مجموعة من النجوم الذين يشكلون نسيجًا دراميًا متشابكًا، من بينهم هاجر أحمد، سلوى عثمان، إبراهيم السمان، عفاف رشاد، محمد أبو داود، هايدي عبد الخالق، إسلام جمال، بسمة داود، وركين سعد.

وتقدم هاجر أحمد شخصية نبيلة، وهي شخصية محورية تمثل نقطة تقاطع بين المشاعر والعقل، حيث تتداخل علاقتها بأدهم في مسار يكشف أبعادا إنسانية حساسة.

وقد شوقت هاجر الجمهور بنشر صور من كواليس العمل، وعلّقت، "سلموا على نبيلة، شخصيتكم المفضلة القادمة، رمضان 2026 يجمعنا"، في إشارة إلى ثقتها بقدرة الشخصية على ملامسة وجدان المشاهدين.

في المقابل، يقدم أحمد كشك شخصية المحامي أمجد العطار، الذي يمثل البعد القانوني للصراع. وجوده لا يقتصر على الإجراءات القضائية، بل يكشف كيف يمكن للقانون أن يصبح جزءًا من الدراما الإنسانية، حيث تتقاطع قراراته مع مصير الأسرة، ما يضيف توترًا دراميًا متصاعدا.

ووصف الفنان إبراهيم السمان تجربته بأنها مختلفة، مؤكدا خلال احتفالية الإعلان عن الموسم الرمضاني، "أنا عامل حاجة مختلفة في مسلسل أب ولكن… شخصية شعبية بنحاول نعمل حاجة مختلفة السيناريو مختلف وحلو جدًا ويشجع".
ويعكس هذا التصريح توجه العمل نحو تقديم شخصيات قريبة من الواقع، تحمل تناقضات تجعلها أكثر إنسانية. السيناريو، بحسب فريق العمل، يعتمد على تفاصيل دقيقة تمنح الأحداث مصداقية، وهو ما يعزز ارتباط الجمهور بالشخصيات.
وتسعى المخرجة ياسمين أحمد كامل إلى بناء عالم بصري هادئ يسمح للمشاعر بأن تقود المشهد، وتعتمد على إيقاع نفسي يفسح المجال للأداء التمثيلي، حيث تتقدم نظرات الشخصيات وصمتها أحيانًا على الحوار المباشر، ما يمنح العمل طابعا تأمليا، ويجعل المشاهد شريكا في قراءة الانفعالات.

يذهب المسلسل إلى أبعد من الجانب القانوني أو الاجتماعي، فيعرض أثر الانفصال على الهوية النفسية للأب والأبناء. كيف يعاد تشكيل مفهوم العائلة؟ وكيف يمكن للحوار أن يصبح جسرا لإعادة بناء الثقة؟ هذه الأسئلة تشكل العمود الفقري للمعالجة الدرامية.

"أب ولكن" يطرح نقاشًا حول التوازن بين الحقوق القانونية والاحتياجات الإنسانية. من خلال قصة أدهم، يقدم العمل نموذجًا لرجل يحاول إعادة تعريف دوره كأب في ظل واقع معقد، وهو ما يعكس تحولات أوسع في المجتمع.

اختيارات محمد فراج الفنية التي تميل إلى الشخصيات المركبة تضيف بعدا نفسيا قويًا، ما يعزز التوقعات بأن يحقق العمل صدى واسعًا. فالشخصية التي يقدمها ليست بطلاً تقليديا، بل إنسانا يصارع ظروفه ويبحث عن مساحة للتفاهم.

في موسم رمضاني يشهد منافسة قوية، يطرح "أب ولكن" نفسه كعمل يوازن بين الطرح الاجتماعي والعمق الإنساني. قوته لا تكمن فقط في موضوعه، بل في قدرته على تحويل القضايا اليومية إلى تجربة درامية مؤثرة.

وإذا نجح المسلسل في ترجمة هذه الرؤية على الشاشة، فمن المرجح أن يصبح أحد الأعمال التي تثير النقاش حول مفهوم الأبوة والعلاقات الأسرية، مقدمًا صورة أقرب إلى الواقع، وأكثر ارتباطًا بمشاعر الجمهور.