نجوم عرب في قلب لجان التحكيم السنيمائي الدولية
الرباط ـ في السنوات الأخيرة، شهدت الساحة السينمائية العربية تحولا لافتا في موقعها داخل المشهد العالمي، تجلّى بشكل واضح في الحضور المتزايد لنجوم التمثيل والمخرجين العرب ضمن لجان تحكيم المهرجانات السينمائية الدولية الكبرى.
ولم يعد هذا الحضور مجرد مشاركة رمزية، بل أصبح انعكاسا لاعتراف عالمي بقيمة التجربة السينمائية العربية، وبقدرة صناعها على تقديم رؤى نقدية وجمالية تواكب التحولات الفنية المعاصرة.
ومع كل مشاركة عربية جديدة، تتكرس صورة السينما العربية بوصفها فاعلًا حقيقيًا في صناعة الفن السابع.
من أبرز الأمثلة الحديثة على هذا الحضور، اختيار المخرجة وكاتبة السيناريو المغربية صوفيا العلوي عضوا في لجنة تحكيم قسم الأفلام الروائية الأولى ضمن الدورة السادسة والسبعين لمهرجان برلين السينمائي الدولي.
ويُعد هذا الاختيار تتويجا لمسار فني تميز بالبحث الجمالي والاهتمام بالأسئلة الإنسانية المعاصرة، فقد استطاعت العلوي، من خلال أعمالها، المزج بين الحس الإنساني العميق واللغة البصرية المبتكرة، ما جعل اسمها حاضرا بقوة في النقاشات الدولية حول السينما الجديدة.
وتأتي أهمية هذه المشاركة من طبيعة القسم الذي ستُقيّم أفلامه، إذ يخصص للمخرجين في بداياتهم، ما يتطلب حسا نقديا قادرا على قراءة التجارب الوليدة واستشراف إمكاناتها المستقبلية.
وستعمل العلوي إلى جانب المخرج الألماني فريدريك هامباليك والمبرمجة الكندية البولندية دوروتا ليتش على تقييم الأعمال المشاركة، حيث تُمنح الجائزة الكبرى دعما ماليا ومعنويًا يهدف إلى تشجيع المواهب الصاعدة.
ويعكس هذا التشكيل الدولي للجنة التحكيم حرص المهرجان على تنوع الرؤى الفنية، وهو ما يضفي على عملية التقييم عمقًا ثقافيًا وجماليًا.
وسبق للممثلة التونسية هند صبري، أن شاركت في لجنة تحكيم جائزة "أفضل أول فيلم" خلال الدورة السادسة والسبعين لمهرجان فينيسيا السينمائي عام 2019.
وقد مثل وجودها ضمن لجنة يرأسها المخرج البوسني أمير كوستوريتسا، وتضم أسماء سينمائية بارزة، تأكيدا على أن الممثل العربي قادر على أداء دور نقدي يتجاوز حضوره أمام الكاميرا.
مشاركة صبري أبرزت أيضا قدرة الفنان العربي على قراءة الأعمال السينمائية من منظور عالمي، مع الاحتفاظ بخصوصية التجربة الثقافية.
وفي الدورة الثمانين لمهرجان البندقية السينمائي عام 2023، برز حضور عربي لافت من خلال مشاركة ثلاثة أسماء بارزة، مثل المخرجة التونسية كوثر بن هنية، والممثل الفلسطيني صالح بكري، والمخرج المغربي فوزي بنسعيدي.
كل واحد من هؤلاء يحمل تجربة سينمائية خاصة أسهمت في تعريف الجمهور العالمي بثراء السينما العربية.
وأثبتت كوثر بن هنية، التي حصدت أعمالها إشادات دولية واسعة، قدرة السينما العربية على معالجة قضايا إنسانية بلغة عالمية، أما صالح بكري، فقدم نموذجا للممثل الذي يجمع بين الأداء الفني العميق والانفتاح على التجارب الدولية، فيما يمثل فوزي بنسعيدي صوتًا سينمائيًا يمزج بين المحلي والإنساني بأسلوب بصري مميز.
هذه المشاركات لم تكن حدثًا عابرا، بل شكلت رسالة واضحة مفادها أن السينما العربية أصبحت شريكا في صياغة النقاشات الكبرى حول مستقبل الفن السينمائي. فوجود سينمائيين عرب في لجان تحكيم المهرجانات الكبرى يعني أنهم يساهمون في تحديد الاتجاهات الفنية، وتقييم التجارب الجديدة، والمشاركة في صناعة الذائقة السينمائية العالمية.
ويمتد هذا الحضور إلى مهرجانات أخرى، سواء إقليمية أو متوسطة الحجم، حيث شارك سينمائيون عرب مثل المخرج المصري عماد البهات والفنانة التونسية سناء يوسف في لجان تحكيم مهرجانات متخصصة بالأفلام القصيرة.
ورغم أن هذه الفعاليات قد لا تحظى بالزخم الإعلامي نفسه الذي تتمتع به مهرجانات كبرى، فإنها تلعب دورا مهمًا في دعم المواهب الشابة وتوسيع دائرة التفاعل السينمائي. كما تعكس رغبة الفنانين العرب في الانخراط الفاعل في تطوير المشهد السينمائي، وتقديم وجهات نظر نقدية تنطلق من خلفيات ثقافية متنوعة.
ويحمل هذا الحضور العربي في لجان التحكيم دلالات متعددة. أولها الاعتراف العالمي بنضج التجربة السينمائية العربية، وقدرتها على المنافسة ضمن فضاء دولي شديد التنوع. وثانيها البعد الثقافي، حيث يتيح هذا الوجود تبادل الخبرات بين السينمائيين من مختلف أنحاء العالم، ما يسهم في إثراء اللغة السينمائية وتطوير أدواتها. أما الدلالة الثالثة فتتعلق بالهوية، إذ يحمل الفنانون العرب معهم قضايا مجتمعاتهم وأسئلتها، ويقدمون رؤى إنسانية تسهم في توسيع أفق النقاش السينمائي.
إن مشاركة السينمائيين والنجوم العرب في لجان تحكيم المهرجانات الدولية، هي مؤشر على مرحلة جديدة من الحضور العربي في المشهد الفني العالمي، فمع كل مشاركة، تتعزز صورة السينما العربية كقوة إبداعية قادرة على التأثير وصناعة الحوار الثقافي.
من هند صبري في فينيسيا، إلى كوثر بن هنية وصالح بكري وفوزي بنسعيدي في البندقية، وصولا إلى تجارب أخرى في مهرجانات متعددة، يتضح أن السينما العربية تسير بخطى ثابتة نحو العالمية.
في هذا السياق، يبدو أن الفن العربي يعيش مرحلة نضج تجمع بين الحضور المحلي القوي والاعتراف الدولي المتزايد. ومع استمرار هذا الزخم، يصبح من المرجح أن نشهد مزيدًا من الأسماء العربية في مواقع مؤثرة داخل المهرجانات الكبرى، ما يفتح الباب أمام جيل جديد من السينمائيين ليقدموا رؤاهم ويؤكدوا أن السينما العربية جزء أصيل من الحوار الفني العالمي.

