معالج الـ1 نانومتر يتجهز لتغيير وجه الحوسبة

'تي اس ام سي' التايوانية تستعد لكسر الحواجز الفيزيائية بإطلاق حقبة 'الأنغستروم' حيث تدخل دقة 1.6 نانومتر حيز الإنتاج في 2026 تمهيدا للوصول إلى 1 نانومتر بحلول 2030، مستخدمة تقنيات تكديس عمودي وتوصيل طاقة خلفي لتمكين أجهزة بذكاء خارق وبطاريات تدوم لأسابيع.

تايبيه (تايوان) – في قلب المنطقة الصناعية بمدينة هينشو التايوانية، حيث تُصاغ ملامح المستقبل الرقمي للعالم، بدأت شركة تايوان لصناعة أشباه الموصلات (TSMC) عام 2026 بإعلان وضع قطاع التكنولوجيا العالمي في حالة استنفار. لم يعد الحديث عن "النانومتر الواحد" مجرد فرضية فيزيائية، بل تحول إلى معركة وجودية في سلاسل الإمداد العالمية، وسط صراع جيوسياسي وتقني محموم بين القوى العظمى.

فجر عصر "الأنغستروم"

أكدت مصادر مطلعة داخل الشركة لـ "رويترز" أن TSMC نجحت بالفعل في استقرار معدلات الإنتاج (Yield) لعقدة 2 نانومتر (N2)، وهي العتبة التي ستعتمد عليها شركة آبل في معالجات هواتفها القادمة أواخر العام الجاري. لكن الإثارة الحقيقية تكمن فيما وراء ذلك؛ حيث كشفت الشركة عن خارطة طريق محدثة لما تصفه بعقد "الأنغستروم" (التي تساوي عُشر النانومتر)، وهي التسمية التي تعكس اقتراب الترانزستورات من حجم الذرة الواحدة.

ووفقاً للبيانات التقنية الصادرة عن الشركة، فإن عقدة A16 (دقة 1.6 نانومتر) قد دخلت بالفعل مرحلة ما قبل الإنتاج التجريبي، ومن المتوقع أن تبدأ في تشغيل مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي بحلول النصف الثاني من عام 2026.

ثورة هندسية تقوم بنقل شبكة توزيع الطاقة من الجزء العلوي للرقاقة إلى الجزء الخلفي منها

وتتميز هذه العقدة بتقنية "Super Power Rail"، وهي ثورة هندسية تقوم بنقل شبكة توزيع الطاقة من الجزء العلوي للرقاقة إلى الجزء الخلفي منها، مما يقلل من فقدان الجهد ويزيد من سرعة معالجة البيانات بنسبة تتجاوز 15%.

التحدي الفيزيائي وحلم الـ 1 نانومتر

بينما تستهدف TSMC الوصول التجاري الكامل لدقة 1 نانومتر (عقدة A10) بحلول عام 2029-2030، يرى خبراء الصناعة أن الطريق ليس مفروشاً بالورود. فعند هذا المستوى، تظهر ظواهر "ميكانيكا الكم" التي تجعل الإلكترونات تتصرف بشكل غير متوقع، مما يؤدي إلى تسريب للطاقة وحرارة مفرطة.

وللتغلب على ذلك، أكدت مصادر رويترز أن TSMC بدأت في تبني بنية ترانزستورات CFET (Complementary FET)، وهي تقنية تسمح بتكديس الترانزستورات من النوع N و P فوق بعضها البعض عمودياً، بدلاً من وضعها جنباً إلى جنب. هذا التحول الهندسي سيمكّن الشركة من مضاعفة كثافة الترانزستورات، مما يمهد الطريق لوجود أكثر من تريليون ترانزستور في حزمة واحدة، مقارنة ببضعة مليارات في المعالجات الحالية.

اقتصاديات "الليزر الغالي" وصراع العمالقة

لا تقتصر العقبات على الفيزياء فحسب، بل تمتد إلى التمويل. فمن أجل طباعة هذه الدوائر المتناهية الصغر، تحتاج TSMC إلى آلات الليزر High-NA EUV التي تصنعها شركة ASML الهولندية حصرياً. يصل سعر الجهاز الواحد من هذا الطراز إلى أكثر من 400 مليون دولار، وهو استثمار دفع TSMC لاتخاذ نهج حذر مقارنة بمنافستها "إنتل" التي سارعت لتبني هذه الآلات.

ومع ذلك، يشير المحللون إلى أن سيطرة TSMC على أكثر من 90% من سوق الرقائق المتقدمة تمنحها القدرة على فرض أسعارها. ومن المتوقع أن تتجاوز تكلفة "ويفر" السيليكون الواحد بدقة 1 نانومتر حاجز الـ 35,000 دولار، مما قد يجعل المنتجات النهائية (الهواتف والحواسيب) باهظة الثمن في سنواتها الأولى.

الأبعاد الجيوسياسية والأمن القومي

يأتي إعلان TSMC في وقت حساس، حيث تسعى الولايات المتحدة وأوروبا لتقليل الاعتماد على تايوان عبر "قانون الرقائق". إلا أن التقدم التقني الهائل للشركة في بلوغ حاجز 1 نانومتر يؤكد أن تايوان ستظل "الجزيرة التي يحتاجها العالم" لسنوات طويلة قادمة.

في الختام، يمثل الوصول إلى 1 نانومتر نهاية رحلة بدأت منذ ستينيات القرن الماضي مع "قانون مورس". وإذا نجحت TSMC في تحقيق هذا الإنجاز، فإننا بصدد عصر جديد من الحوسبة، حيث تصبح بطاريات الأجهزة تدوم لأسابيع، ويصبح الذكاء الاصطناعي "بشري القدرة" متاحاً في جيب كل مستخدم، معتمداً على رقائق هي في الواقع مجرد ذرات مصطفة بدقة متناهية.