معرض العراق الدولي للكتاب يحتفي بالمرأة العراقية
بغداد - انطلقت اليوم الأربعاء فعاليات الدورة السادسة لمعرض العراق الدولي للكتاب في بغداد، في حدث ثقافي يحتفي هذا العام بالمرأة العراقية بشكل غير مسبوق، واضعاً منجزاتها وإسهاماتها في صلب المشهد الثقافي للمعرض.
وتأتي هذه الدورة، الممتدة حتى 13 ديسمبر/كانون الأول الحالي، تحت شعار لافت هو "100 نون عراقية" الذي يكرّس رمزية المرأة بوصفها ركيزة للإبداع والوعي والتجديد عبر قرن كامل من التاريخ الثقافي والاجتماعي في العراق.
وتشارك في الدورة السادسة أكثر من 450 دار نشر من نحو 23 دولة، ما يعكس مكانة المعرض كأحد أهم التظاهرات الثقافية العربية والإقليمية، حيث يقدم ما يقارب مليون عنوان كتاب، ما يجعله منصة واسعة للاطلاع والحوار وتبادل الخبرات بين الناشرين والكتّاب والقراء.
وتُنظم الفعاليات بإشراف مؤسسة المدى للإعلام والثقافة والفنون وبالتعاون مع الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق، في إطار شراكة ثقافية واسعة ترمي إلى تعزيز المشهد الإبداعي العراقي وإعادته إلى الواجهة في المنطقة.
ويأتي اختيار شعار "100 نون عراقية" للاحتفاء بمسيرة المرأة العراقية في الثقافة والفنون والعلوم والحقوق والعمل العام. ويستحضر المعرض أسماء بارزة طبعت الوعي الإبداعي العربي مثل الشاعرة نازك الملائكة التي أرست أسس الشعر الحر والمغنية عفيفة إسكندر التي شكّلت أحد أبرز وجوه الفن في منتصف القرن العشرين والفنانة التشكيلية نزيهة سليم التي حجزت لنفسها مساحة مميزة في الحركة التشكيلية العراقية، والمعمارية العالمية زها حديد التي تجاوزت بصمتها حدود العراق إلى العالمية. ويأتي هذا الاحتفاء تأكيداً للدور الريادي الذي لعبته المرأة العراقية رغم التحديات التي واجهتها عبر العقود.
ولا يقتصر حضور المرأة على كونه موضوعاً محورياً للمعرض، بل يمتد إلى المشاركة الواسعة في الندوات والجلسات والحوارات الفكرية، ففي البرنامج الثقافي المصاحب، يستضيف المعرض مجموعة من الكاتبات والمبدعات العربيات، من بينهن الشاعرة المصرية إيمان مرسال والكاتبة الإماراتية ريم الكمالي والكاتبة البحرينية جليلة السيد والكاتبة الكويتية دانه مدوه، إلى جانب مشاركات عراقية بارزة.
ويسهم هذا التنوع في توسيع النقاش حول قضايا المرأة والإبداع ويربط التجارب العراقية بنظيراتها العربية، بما يثري الحوار الثقافي المشترك.
أما على المستوى المؤسسي، فقد أكد عارف الساعدي المستشار الثقافي لرئيس الوزراء ومدير عام دار الشؤون الثقافية العامة، أن وزارة الثقافة تشارك في هذه الدورة بأكثر من 500 عنوان تغطي الشعر والنقد والسرد والترجمة والفكر والفلسفة واللغة، إلى جانب مجلاتها الدورية المرموقة مثل المورد والأقلام والتراث الشعبي والثقافة الأجنبية ولمحات. وتعكس هذه المشاركة الحضور القوي للمؤسسة الرسمية في دعم الحراك الثقافي وإعادة الاعتبار للكتاب بوصفه أداة للمعرفة والتنوير.
ويمثل المعرض أيضاً منصة دولية للتواصل بين دور النشر، حيث تشارك جهات من مصر ولبنان والأردن وسوريا وقطر والإمارات والسعودية والكويت وإيران وتركيا وتونس والمغرب والسودان، إضافة إلى ألمانيا وكندا وفرنسا وإيطاليا والهند والبوسنة وبريطانيا والأراضي الفلسطينية. ويعكس هذا الحضور الدولي رغبة متزايدة في تعزيز مكانة العراق على خريطة الثقافة العالمية بعد أعوام من التحديات.
كما يتيح المعرض للقراء العراقيين فرصة استثنائية للقاء نخبة من الروائيين والباحثين والنقاد، وفي مقدمتهم الكاتب العراقي أحمد خيري العمري، ما يمنح المعرض بعداً تفاعلياً يتجاوز العرض التجاري للكتب إلى فضاء حاضن للأفكار والرؤى المعرفية الجديدة.
ويلاحظ المتابعون أن الدورة السادسة تواصل ترسيخ التحول الذي يشهده المشهد الثقافي العراقي خلال السنوات الأخيرة، إذ باتت بغداد تستعيد تدريجياً مكانتها كعاصمة للكتاب ومنصة لإطلاق مشاريع فكرية عربية.
ومع التركيز الخاص هذا العام على المرأة، يرسل المعرض رسالة قوية مفادها أن الثقافة العراقية لا تزال قادرة على إعادة إنتاج ذاتها والانفتاح على العالم بروح جديدة، وأن المرأة – التي كانت دائماً صوتاً مؤثراً في الحقول الأدبية والفنية – تستعيد موقعها المستحق في واجهة هذا المشهد.
ومع الإقبال الكبير المتوقع على فعاليات هذه الدورة، يبدو أن معرض العراق الدولي للكتاب يرسّخ تقليداً ثقافياً سنوياً يجمع بين الاحتفاء بالماضي واستشراف المستقبل، ويجعل من بغداد مرة أخرى نقطة التقاء للثقافات، وفضاءً رحباً يحفظ للمرأة دورها الأصيل في صناعة المعرفة والجمال.


