مفاوضات واشنطن: هل يتحوّل دعم الجيش اللبناني إلى بوابة استعادة الدولة

لم يعد السؤال المطروح في واشنطن: هل تنسحب إسرائيل؟ بل أصبح: من سيملأ المساحات التي ستنسحب منها إسرائيل؟

مع دخول الجولة الخامسة من المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية المباشرة يومها الثالث والأخير في واشنطن، تبدو المنطقة الجنوبية من لبنان أمام لحظة سياسية وأمنية مختلفة عن كل ما سبقها منذ توقيع تفاهم وقف إطلاق النار. فالمناقشات لم تعد تدور حول كيفية احتواء التصعيد أو منع اندلاع مواجهة جديدة فحسب، بل انتقلت تدريجيًا إلى البحث في شكل الواقع الميداني والسياسي الذي يُفترض أن ينشأ بعد تثبيت التهدئة.

في هذا السياق، اكتسبت المعلومات المتداولة حول انسحاب إسرائيلي جزئي من جزء من المنطقة العازلة أهمية خاصة، رغم نفي مسؤولين إسرائيليين حصول أي خطوة من هذا النوع. فسواء ثبتت هذه المعلومات أو بقيت في إطار الرسائل السياسية المتبادلة، فإنّ مجرد صدورها عن مسؤول أميركي يحمل دلالة تتجاوز تفاصيل الانسحاب نفسه، لأنها تعكس توجّهًا أميركيًا واضحًا نحو اختبار قدرة الدولة اللبنانية على ملء أي فراغ قد ينشأ نتيجة تراجع الوجود العسكري الإسرائيلي.

وكان لافتًا أنّ المسؤول الأميركي لم يكتفِ بالحديث عن "بادرة حسن نية" إسرائيلية، بل دعا الجيش اللبناني بصورة مباشرة إلى الانتشار في المناطق التي قد تنسحب منها القوات الإسرائيلية. وهذا الأمر يكشف جانبًا مهمًا من فلسفة المفاوضات الحالية، حيث لم يعد السؤال المطروح في واشنطن: هل تنسحب إسرائيل؟ بل أصبح: من سيملأ المساحات التي ستنسحب منها إسرائيل؟

من وقف النار إلى إدارة اليوم التالي

تكشف المعطيات المتسربة من واشنطن أنّ المفاوضات دخلت مرحلة أكثر تعقيدًا من الجولات السابقة. فالنقاشات باتت تتركز على ما يمكن وصفه بـ "اليوم التالي"، أي كيفية تحويل التفاهمات النظرية إلى ترتيبات ميدانية قابلة للحياة.

ويظهر الخلاف الأساسي في تحديد نقطة البداية. فالوفد اللبناني يتمسك بأن تبدأ الإجراءات من الأراضي التي لا تزال القوات الإسرائيلية موجودة فيها، بما يتيح انسحابها وانتشار الجيش اللبناني وعودة السكان إلى قراهم ومنازلهم. أما الجانب الإسرائيلي فيسعى إلى إطلاق تجربة أولية في مناطق يعتبر أنها لا تشكل تهديدًا أمنيًا مباشرًا له، قبل الانتقال إلى النقاط الأكثر حساسية.

هذا التباين لا يتعلق بالجغرافيا فحسب، بل يعكس اختلافًا جوهريًا في فهم الأولويات. فبيروت تنظر إلى الانسحاب الإسرائيلي باعتباره المدخل الطبيعي لاستعادة السيادة، بينما تنظر تل أبيب إلى إزالة ما تعتبره مصادر تهديد مستقبلية باعتبارها الشرط المسبق لأي انسحاب إضافي.

الجيش اللبناني في قلب المعادلة الجديدة

إذا كان ثمة طرف خرج من هذه الجولة لاعبًا محوريًا، فهو الجيش اللبناني. فكل التصورات المطروحة، سواء الأميركية أو الأوروبية أو العربية، تنطلق من فرضية واحدة: لا يمكن تثبيت أي تفاهمات طويلة الأمد في الجنوب من دون مؤسسة عسكرية لبنانية قادرة على الانتشار والمراقبة وفرض سلطة الدولة.

ومن هنا يمكن فهم الحراك الدولي المتسارع لإحياء مؤتمر دعم الجيش اللبناني، بالتوازي مع الطرح الأوروبي الرامي إلى إنشاء مهمة عسكرية ومدنية تمتد لعدة سنوات بهدف توفير التدريب والاستشارات وتعزيز القدرات التقنية والاستخباراتية والرقابية للمؤسسة العسكرية.

ولا يبدو هذا التوجه محصورًا بالاتحاد الأوروبي وحده. فبريطانيا، التي كثّفت في السنوات الأخيرة استثماراتها الأمنية في لبنان من خلال برامج التدريب ومشاريع أبراج المراقبة الحدودية، تعيد التأكيد اليوم على أنّ دعم الجيش يشكل الركيزة الأساسية لأي استراتيجية دولية تهدف إلى تثبيت الاستقرار في الجنوب.

واللافت أنّ هذا الإجماع الدولي يأتي في لحظة تتقاطع فيها المصالح الأميركية والأوروبية والعربية حول هدف واحد يتمثل في تعزيز مؤسسات الدولة اللبنانية بدل البحث عن ترتيبات موازية لها أو بدائل عنها.

العقدة الداخلية

لكن التعقيدات التي تواجه المفاوضات لا تقتصر على التباينات اللبنانية – الإسرائيلية. فالمعطيات المتداولة تشير إلى وجود خلاف داخلي حول آليات الانتشار ومجالات تطبيق الترتيبات الجديدة، في ظل تمسك "حزب الله" برؤية مختلفة لأولويات المرحلة المقبلة.

وهنا تبرز إحدى أكثر المفارقات أهمية في المشهد الحالي. فبينما يتعامل المجتمع الدولي مع الجيش اللبناني باعتباره الأداة التنفيذية الرئيسية لأي تسوية مستقبلية، لا يزال النقاش اللبناني الداخلي يدور حول حدود الدور الذي يمكن أن تمارسه الدولة ومؤسساتها الأمنية في المناطق الواقعة شمال وجنوب نهر الليطاني.

ومن شأن استمرار هذا التباين أن يزيد من صعوبة مهمة الوسطاء الأميركيين الساعين إلى انتزاع تنازلات متبادلة من الطرفين اللبناني والإسرائيلي في آنٍ واحد.

اختبار السيادة لا اختبار الحدود

ربما يكون الخطأ الأكبر في قراءة ما يجري اليوم هو اختزال المفاوضات في مسألة خطوط الانسحاب أو عدد الكيلومترات التي قد تتراجع عنها القوات الإسرائيلية. فالقضية الأعمق تتعلق بالسؤال الذي يرافق لبنان منذ عقود: هل تستطيع الدولة اللبنانية استعادة احتكارها الكامل للقرار الأمني والعسكري على أراضيها؟

في الواقع، تبدو واشنطن والعواصم الأوروبية والعربية وكأنها تحاول بناء مقاربة جديدة تقوم على ربط الانسحاب الإسرائيلي التدريجي بتعزيز قدرات الدولة اللبنانية، وليس بخلق فراغ أمني جديد أو إعادة إنتاج الترتيبات التي سادت خلال السنوات الماضية.

ومن هذه الزاوية تحديدًا، قد لا يكون مؤتمر دعم الجيش اللبناني تفصيلًا مكمّلًا للمفاوضات، بل أحد أهم عناصرها غير المعلنة. فالجيش لم يعد مجرد جهة ستنتشر بعد التوصل إلى التفاهمات، بل أصبح جزءًا من التفاهمات نفسها.

ما بعد واشنطن

يصعب الجزم بما إذا كانت الجولة الخامسة ستنتهي بإعلان رسمي أو بإطار تفاهم واضح المعالم. غير أنّ المؤشرات المتوافرة توحي بأنّ المفاوضات تجاوزت مرحلة اختبار النيات، ودخلت مرحلة اختبار القدرة على التنفيذ.

وفي حال نجحت الوساطة الأميركية في تحقيق اختراق ولو محدود، فإنّ ذلك قد يفتح الباب أمام مسار تدريجي يبدأ بانسحابات موضعية وانتشار أوسع للجيش اللبناني، مدعومًا بمظلة سياسية وأمنية واقتصادية دولية غير مسبوقة.

أما إذا تعثرت المفاوضات، فإنّ العقبات لن تكون مرتبطة فقط بالموقف الإسرائيلي أو بالحسابات الإقليمية، بل أيضًا بقدرة اللبنانيين أنفسهم على التوافق حول شكل الدولة التي يريدونها في مرحلة ما بعد الحرب.

ولهذا السبب، فإنّ ما يجري في واشنطن اليوم لا يختبر مستقبل الجنوب وحده، بل يختبر للمرة الأولى منذ سنوات طويلة إمكانية انتقال لبنان من إدارة الأزمات الأمنية إلى بناء معادلة سيادية جديدة تكون الدولة فيها صاحبة الكلمة الأولى والأخيرة على كامل أراضيها.