مفوضية الانتخابات الليبية في قلب صراع بين البرلمان والأعلى للدولة

عقيلة صالح يتهم محمد تكالة بالمماطلة، محملا إياه مسؤولية عرقلة مساعي إخراج ليبيا من نفقها المظلم.

طرابلس - شهدت الساحة السياسية الليبية فصلاً جديداً من فصول التوتر والمشاحنات الإعلامية بين قطبي السلطة التشريعية والاستشارية، مجلس النواب برئاسة المستشار عقيلة صالح، والمجلس الأعلى للدولة برئاسة محمد تكالة. ولا يُعد السجال الأخير المحتدم حول استكمال مجلس إدارة مفوضية الانتخابات مجرد خلاف إداري عابر، بل هو تجسيد حي لعمق الأزمة الهيكلية التي باتت تعترض طريق البلاد نحو صناديق الاقتراع.

ووجّه عقيلة صالح انتقادات حادة لمحمد تكالة، متهمًا إياه بـ"المماطلة المتعمدة" في استحقاقات المرحلة. واعتبر رئيس البرلمان أن الخطوات التي اتخذتها المؤسسة التشريعية لاستكمال نصاب مفوضية الانتخابات تمثل "ضرورة وطنية قصوى" لضمان جاهزية المؤسسات للاستحقاق المرتقب.

وذهب صالح أبعد من ذلك بتأكيده أن رئيس المجلس الأعلى للدولة لا يملك الرغبة الحقيقية في إخراج ليبيا من نفقها المظلم، وأنه يسعى لعرقلة المسار الانتخابي عبر التمسك بـ"تفاصيل إجرائية" معطلة.

ولم يتأخر رد المجلس الأعلى للدولة، حيث صوت المجلس في جلسته المنعقدة اليوم الاثنين على انتخاب "صلاح الكميشي" رئيساً للمفوضية الوطنية العليا للانتخابات بحصوله على (63) صوتاً، متفوقاً على منافسه العارف التير الذي نال (33) صوتاً، في خطوة تعكس تمسك المجلس بصلاحياته في ملف المناصب السيادية.

ويستند تكالة في موقفه إلى مرجعيات "الاتفاق السياسي" ومخرجات "مفاوضات بوزنيقة"، مشدداً على أن التعيينات في المؤسسات الحساسة، وعلى رأسها المفوضية، يجب أن ترتكز على مبدأي "الشراكة والتوافق"، وليس عبر قرارات أحادية الجانب، معتبرا أن مسلك مجلس النواب ينسف مبدأ التوازن السياسي ويقوض التفاهمات المبرمة بين الطرفين.

ويرى مراقبون للشأن الليبي أن حالة "الشد والجذب" هذه تخدم، بشكل غير مباشر، القوى المستفيدة من استدامة "الوضع القائم". فالخلاف المستمر حول شرعية الإجراءات يؤدي بالضرورة إلى تآكل شرعية المؤسسات القائمة، ما يفتح الباب على مصراعيه أمام التدخلات والمبادرات الدولية المتعددة، والتي غالباً ما تصطدم بجدار الرفض المحلي، لتدور البلاد مجدداً في حلقة مفرغة من المفاوضات التي لا تنتهي.

ويمكن القول إن الأزمة الراهنة حول إدارة المفوضية ليست سوى "قمة جبل الجليد" في بحر الأزمة الليبية؛ إذ تكمن المعضلة الحقيقية في غياب إرادة سياسية جادة للتنازل عن المكاسب الضيقة لصالح مصلحة الدولة العليا. وطالما ظلت آلية اتخاذ القرار رهينة للتجاذبات الصفرية بين المجلسين، سيبقى "قطار الانتخابات" معطلاً، تتقاذفه أمواج الإجراءات المعقدة والطعون القانونية المتبادلة.

ويرى متابعون أن الانتقال من مربع "صدام المؤسسات" إلى "التوافق الوطني الشامل" يتطلب توفر ضمانات دولية ومحلية صارمة، تلزم الأطراف كافة بالانصياع لقواعد اللعبة السياسية وقبول نتائجها، وهو المسار الذي لا يزال يفتقر إلى الوضوح والزخم حتى اللحظة.