مقامرة سياسية من التنسيقي تُعيد المالكي إلى السلطة
بغداد - أكدت مصادر قيادية داخل الإطار التنسيقي، المظلة السياسية للقوى الموالية لطهران، أن التحالف قد حسم أمره بترشيح نوري المالكي لرئاسة الحكومة المقبلة، في خطوة وصفت بأنها "زلزال سياسي" قد يعيد تشكيل خارطة التحالفات والخصومات في العراق.
ولا تعد عودة المالكي، الذي أدار دفة الحكم لدورتين (2006 - 2014)، مجرد استبدال لشخص رئيس الوزراء الحالي محمد شياع السوداني، بل هي استدعاء لمرحلة تاريخية مثيرة للجدل، بكل ما تحمله من ملفات أمنية وانقسامات مجتمعية.
ونقلت وكالة "شفق نيوز" عن النائب عن ائتلاف دولة القانون، حسين البطاط، تأكيده أن "قوى الإطار ستعقد اجتماعاً رسمياً خلال الأيام القليلة المقبلة للإعلان عن المالكي مرشحاً وحيداً"، موضحا أن "هذا التكليف مرتبط بسياقات دستورية"، حيث سيتم رسمياً بعد حسم "معركة" رئاسة الجمهورية المتوقع انعقاد جلستها الأسبوع المقبل.
وتشير التقارير إلى أن هذا الترشيح جاء بعد انسحاب "تكتيكي" أو اضطراري لمحمد شياع السوداني، الذي يبدو أنه لم يحصل على الضوء الأخضر لولاية ثانية من بعض صقور الإطار التنسيقي، مما جعل المالكي الخيار "الأقوى" القادر على ضبط إيقاع الميليشيات المسلحة الموالية لإيران والمكونات داخل الإطار.
وتعد عودة رئيس ائتلاف دولة القانون إلى السلطة بمثابة "إعلان حرب سياسية" بالنسبة لزعيم التيار الوطني الشيعي، الصدري سابقا، مقتدى الصدر، حيث يُتوقع أن يدفع الزعيم الشيعي بأنصاره مجدداً نحو "المنطقة الخضراء" وساحات الاحتجاج، رفضاً لما يصفه بـ"عودة الوجوه المجربة".
ولا يزال الصدريون يستحضرون الصدامات العسكرية مع المالكي في عام 2008، مما يجعل التوافق بينهما شبه مستحيل ويضع البلاد على حافة "انسداد أمني" وليس سياسياً فحسب.
وتواجه عودة المالكي ممانعة شعبية ودولية تستند إلى إرثه السابق، حيث لا تزال تهمة "التقصير الجسيم" تلاحقه بصفته القائد العام للقوات المسلحة إبان اجتياح تنظيم الدولة الإسلامية "داعش" لثلث مساحة البلاد. وينتظر أن تحفز عودته مطالبات بفتح تحقيقات قضائية دولية ومحلية معطلة.
ويُنظر إلى رئيس ائتلاف دولة القانون في المحافظات السنية كمهندس لسياسات التهميش التي أدت للاحتجاجات في 2013، مما يتطلب منه اليوم جهداً مضاعفاً لتقديم تعهدات مكتوبة للقوى السنية والكردية لضمان مرور حكومته.
ولدى واشنطن "فيتو" غير معلن على الشخصيات التي تساهم في زيادة النفوذ الإيراني المطلق. وتعني عودة المالكي مراجعة شاملة لاتفاقية الإطار الاستراتيجي وتقليص التعاون الأمني والمالي، خاصة في ظل قيود الفيدرالي الأميركي على حركة الدولار وعزم إدرة دونالد ترامب على كبح تغول الجماعات الموالية لطهران.
وقطع العراق شوطاً كبيراً في الانفتاح على الرياض والقاهرة وعمان، بينما يتوقع محللون أن تمهد الولاية الجديدة للمالكي الطريق لارتماء كامل في الحضن الإيراني، مما قد يعيد العراق إلى "عزلة عربية" نسبية.
في المقابل، يروج أنصار المالكي له بصفته "صاحب القبضة الحديدية" القادر على إنهاء فوضى السلاح وتعدد مراكز القرار. لكن التحدي الاقتصادي في 2026 يختلف جذرياً عن 2010؛ فالعالم يتجه نحو تقليل الاعتماد على النفط، وميزانية العراق تعاني من تضخم وظيفي هائل، مما يجعل وعود "الإعمار" التي يطلقها رئيس ائتلاف دولة القانون أمام اختبار صعب.
وباختصار يمكن القول إن ترشيح المالكي هو "مقامرة وجودية" للإطار التنسيقي. فإما أن ينجح في فرض "هيبة الدولة" عبر حكومة مركزية قوية، أو يفتح الباب أمام موجة احتجاجات عارمة قد تنهي نفوذ الإطار التنسيقي برمته.