ملة إبراهيم: البراءة في القرآن ونقد التوظيف التكفيري
أحد أكثر الإشكالات عمقًا عند تناول مفهوم "البراءة" في السياق القرآني، هو التعامل مع النصوص التي تنقل مواقف الأنبياء - وتحديدًا نبي الله إبراهيم عليه السلام - كمشروع عداء وحقد عقائدي، دون استيعاب أبعاده الأخلاقية والحضارية التي تشكّل جوهر النموذج النبوي.
في المنطوق القرآني، لا تُصوَّر البراءة كحالة نفسية حادة مدفوعة بالكراهية، بل كمفهوم مؤسّس بضوابط دقيقة. فالآية من سورة التوبة "بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ"، رغم ظاهرها كإعلان خصومة - لا تكتمل دلالتها إلا بقراءتها في إطار المنظومة الأخلاقية في سورة الممتحنة، التي تكشف عن تكامل معرفي.
فالآية الرابعة تُقدّم إبراهيم عليه السلام نموذجًا للبراءة من الشرك "قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ..."، بينما الآية الثامنة تُعلِّق تفعيل البراءة سلوكيًا مع غير المحاربين "لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ... أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ".
هذا التكامل يحول البراءة من أداة صراع إلى ميزان أخلاقي يترفع عن العداء والحقد، ويؤسس لتمييز جوهري بين البراءة العقدية كمبدأ ثابت "إِذۡ قَالُواْ لِقَوۡمِهِمۡ إِنَّا بُرَءَٰٓؤُاْ مِنكُمۡ وَمِمَّا تَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ"، والبراءة السلوكية في قوله تعالى "إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ"، حيث تظهر البراءة "المعلَّقة" كصبر محمود على الدعوة مقرونا بالأمل في هداية الآخرين، دون انقطاع العلاقة الإنسانية ما لم يكتمل العداء.
غير أن بعض القراءات التفسيرية المتشددة اعتبرت البراءة نهاية التعايش بعد تمكين المسلمين، وكأن المسلم إذا انتصر جار وتجبر، فقد اعد أبي محمد المقدسي كتابا سماه "ملة إبراهيم"، يؤكد فيه أن البراءة من الكفر وأهله ليست مسألة فقهية اجتهادية، بل هي أصل من أصول التوحيد، ومن لم يأت بها فهو كافر، ومن لم يظهر البراءة فهو مرتد، ليتحول مفهوم البراءة وفقا لهذا النموذج إلى أداة مركزية لتبرير التكفير وهو ما يستدعي القطيعة والقتال.
ولا أنكر أن لهذه القراءة مناصريها، وإن كانوا أقل حدّة، وتَراها مبثوثة بشكل واضح في كتب التفسير والأحكام الشرعية، لكنها في ظني تتجاهل ثلاثة أبعاد:
- أولوية العدل والإحسان كقيم عليا
- التدرج التشريعي لآيات البراءة بين المرحلتين المكية والمدنية
- التمييز بين رفض الباطل فكرياً وقطع العلاقات الاجتماعية دون عدوان
وفي المقابل، قدمت مناهج تفسيرية أخرى رؤى أكثر توازنا: فالسيد الطباطبائي في تفسيره الفلسفي التحليلي رأى في البراءة قاعدة أخلاقية تستند إلى مقاصد العدل وحفظ الكرامة، بينما ركّز سيد قطب في تفسيره الحركي التنزيلي على ديناميكيتها كأداة تتفاعل مع واقع الصراع، مع ثبات الولاء للعقيدة، واعتبر العلاقة الإنسانية مع من لم يعتدي على الإسلام هي البرّ والقسط، لا القطيعة ولا العداوة.
أما التفاسير الكلاسيكية كـ"مجمع البيان" للطبرسي و"فتح القدير" للشوكاني، و"الوسيط" للطنطاوي، فتشير ضمنا - رغم اختلاف مناهجها - إلى أن البراءة ليست موقفًا إيديولوجيًا صارمًا، بل "حركة وعي" تحقق مقصد "الاعتدال" الذي نصت عليه الآية: "وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا".
لقد حوّل القرآن البراءة من "سيف للقطيعة" إلى "ضمير للعدالة" يحاصر التطرف ويمنع الذوبان. وهذا ما تجسّد عملياً في السنة النبوية الشريفة. فتعامل الرسول عليه الصلاة والسلام مع يهود المدينة (غير المحاربين) بالبرّ والقسط، ومع محاربي خيبر بالحزم بعد الغدر، يقدّم نموذجاً حياً للبراءة المشروطة بمعيار العدوان.
في الختام، تظهر براءة الأنبياء - كما يقدمها القرآن - كمسؤولية أخلاقية عالية، وتجسدت في إبراهيم الذي صبر على الدعوة رافضاً التنازل عن التوحيد، لكنه حافظ على جسور الإنسانية. هذا النموذج يقدم إجابة حكيمة على سؤال العصر: كيف نثبت على مبادئنا دون انغلاق، وكيف نتعايش دون ذوبان؟. وهذا هوجج المنهج القرآني الذي يجعل من البراءة اختباراً لأخلاق المصلحين قبل أن تكون أداة للتصفية والصراع بينهم.