مناورات أقرب لبروفة حرب بين واشنطن وطهران

رغم اللغة العسكرية المعتادة التي تصف التدريبات بأنها "دفاعية وردعية"، فإن توقيتها ورسائلها الضمنية توحي بأنها تتجاوز إطار التدريب الروتيني، لتقترب من اختبار عملي لسيناريوهات مواجهة محتملة.

واشنطن/طهران - في خضم تسارع التطورات الإقليمية والدولية، تعود أجواء المواجهة المفتوحة بين الولايات المتحدة وإيران إلى الواجهة، لكن هذه المرة عبر ما يشبه "بروفات حرب" متعددة المستويات، تتخذ شكل مناورات عسكرية، وإخطارات جوية، ورسائل ردع متبادلة، في مشهد يعكس هشاشة الاستقرار في الشرق الأوسط واقترابه الدائم من حافة الانفجار.

ولا يمكن قراءة إعلان القيادة المركزية للقوات الجوية الأميركية عن تنفيذ مناورة جوية واسعة في الشرق الأوسط، يمتدّ التمرين خلالها لأيام عدة، بمعزل عن سياق التصعيد القائم بين واشنطن وطهران، فالمناورة، بحسب البيان الأميركي، تهدف إلى رفع الجاهزية القتالية، وإثبات القدرة على نشر وتوزيع ودعم القوة الجوية في مختلف أنحاء منطقة مسؤولية القيادة المركزية، بما يشمل العمل من قواعد طوارئ متعددة وقيادة وسيطرة مشتركة ومتعددة الجنسيات على مسرح عمليات واسع.

ورغم اللغة العسكرية المعتادة التي تصف هذه التدريبات بأنها "دفاعية" و"ردعية"، فإن توقيتها ورسائلها الضمنية توحي بأنها تتجاوز إطار التدريب الروتيني، لتقترب من اختبار عملي لسيناريوهات مواجهة محتملة، فحديث واشنطن عن "التحرك السريع"، و"الاستجابة المرنة"، و"تقليص مخاطر سوء التقدير"، يحمل في طياته استعدادًا لخيارات عسكرية حاضرة على الطاولة، وليس مجرد استعراض قوة تقليدي.

وهذا التحرك الأميركي تزامن مع تمرين مشترك آخر نفذته القيادة المركزية (سنتكوم) مع قوات دفاع مملكة البحرين، استهدف التعامل مع طائرة غير مأهولة، وهو تفصيل يعكس طبيعة التهديدات التي باتت تشغل العقل العسكري الأميركي في المنطقة، خاصة في ظل تصاعد استخدام الطائرات المسيّرة في الصراعات غير المتكافئة، والتي ارتبطت في السنوات الأخيرة بإيران وحلفائها الإقليميين.

في المقابل، لم تقف طهران موقف المتفرج، إذ سارعت إلى إصدار إخطار جوي للملاحة الجوية، بسبب نشاط إطلاق نار عسكري في المجال الجوي المحيط بمضيق هرمز، أحد أهم الممرات الاستراتيجية للطاقة في العالم. ووفق الإخطار، ستُنفذ المناورات الإيرانية بين 27 و29 يناير/كانون الثاني، ضمن منطقة دائرية يبلغ نصف قطرها خمسة أميال بحرية، مع تقييد المجال الجوي من سطح الأرض حتى ارتفاع 25 ألف قدم، في رسالة واضحة مفادها أن إيران بدورها في حالة استعداد، وأن أي تصعيد لن يمر دون رد.

ويكتسب مضيق هرمز رمزية خاصة في هذا السياق، ليس فقط لأنه شريان حيوي لإمدادات النفط العالمية، بل لأنه لطالما شكّل ورقة ضغط استراتيجية بيد طهران، تستخدمها لإيصال رسائلها إلى واشنطن وحلفائها. ومن هنا، تبدو المناورات الإيرانية في هذه المنطقة الحساسة بمثابة ردّ محسوب على التحركات الأميركية، يهدف إلى تثبيت معادلة الردع، ومنع انزلاق ميزان القوة لصالح طرف واحد.

ويأتي التصعيد العسكري على خلفية توتر سياسي متفاقم، غذّته الاحتجاجات الشعبية التي شهدتها إيران منذ أواخر ديسمبر/كانون الأول الماضي، على وقع تدهور الأوضاع الاقتصادية والمعيشية. وبينما تقرّ طهران بوجود استياء داخلي، فإنها تتهم الولايات المتحدة وإسرائيل بالسعي إلى استغلال العقوبات والضغوط الاقتصادية لإثارة الفوضى وتهيئة الأرضية لتدخل عسكري أو تغيير النظام.

وتبرز التصريحات المنسوبة لقائد 'سنتكوم' براد كوبر، والتي تحدث فيها عن رغبة واشنطن في "عملية قصيرة وسريعة ونظيفة" ضد إيران، باعتبارها مؤشرًا خطيرًا على طبيعة التفكير السائد داخل بعض دوائر القرار الأميركية، فهذه اللغة، التي تفترض إمكانية حسم عسكري سريع، تتجاهل تعقيدات المشهد الإقليمي وقدرة إيران على الرد عبر شبكة واسعة من الحلفاء والأدوات غير التقليدية.

من جهتها، رفعت إسرائيل من مستوى تأهبها، معلنة أن سلاحها الجوي في حالة جاهزية قصوى، في ظل تقديرات بإمكانية توجيه ضربة أميركية لإيران. وتواصل تل أبيب، بدعم أميركي، اتهام طهران بالسعي إلى امتلاك سلاح نووي، رغم تأكيد الأخيرة أن برنامجها النووي سلمي، فيما تغفل هذه السردية حقيقة أن إسرائيل نفسها تمتلك ترسانة نووية خارج أي رقابة دولية.

ولا يمكن فصل هذا المشهد عن الحرب التي اندلعت في يونيو/حزيران الماضي، حين شنت إسرائيل، بدعم أميركي، هجومًا على إيران استمر 12 يومًا، قبل أن ترد طهران، وينتهي التصعيد بوقف لإطلاق النار أعلنته واشنطن. وتلك المواجهة القصيرة، لكنها الكثيفة، ما تزال تلقي بظلالها على الحسابات العسكرية للطرفين، وتفسر جزئيًا إصرار كل طرف على اختبار جاهزيته عبر المناورات.

وتشير المناورات الأميركية والإيرانية الراهنة إلى حالة "توازن على حافة الهاوية"، حيث يسعى كل طرف إلى تعزيز موقعه الردعي دون الانزلاق إلى حرب شاملة، غير أن كثافة الرسائل العسكرية وتعدد ساحات الاشتباك المحتملة، يجعلان المنطقة أمام مرحلة شديدة الحساسية، يكون فيها أي خطأ في الحساب أو سوء تقدير شرارة لمواجهة أوسع، قد لا تبقى محصورة بين واشنطن وطهران، بل تمتد آثارها إلى مجمل الشرق الأوسط والعالم.