منهج الشك واليقين في مشروعنا الفكري التنويري من تأصيل الحداثة وعصرنة التراث
المقدمة:
- تقديم عام عن أهمية المنهج في بناء المشاريع الفكرية.
- العلاقة بين الشك واليقين كجدلية معرفية.
- أهداف البحث ومحاوره.
الفصل الأول: المفاهيم التأسيسية
تعريف الشك المنهجي (بين الفلسفي والديني).
مفهوم اليقين في المنظور الإسلامي.
الفرق بين الشك المنهجي والتشكيك الهدام.
الخلفية الفكرية للمشروع التنويري الإسلامي.
الفصل الثاني: موقع الشك في مشروعنا الفكري
نقد الجمود الفكري باسم الشك البنّاء.
دور الشك في تحرير العقل المسلم من التقليد.
استدعاء النماذج التراثية (الغزالي – ابن رشد…).
تفكيك المسلمات الموروثة لمساءلتها لا لنسفها.
الفصل الثالث: اليقين كمرجعية عقلية ونقلية
اليقين بوصفه حصيلة الشك الهادف.
مرجعية القرآن والسنة في بناء اليقين.
الجمع بين العقل والنقل في مشروع التنوير.
النماذج العملية في تحقيق التوازن.
الفصل الرابع: الشك واليقين في قضايا معاصرة
تجديد الخطاب الديني بين الشك المشروع والتشكيك المرفوض.
قضايا المرأة – الحريات – التعليم.
نقد الموروث لا الدين.
مقارنة مع الخطاب العلماني التغريبي.
الفصل الخامس: الفروق الجوهرية بين مشروعنا والفكر العلماني
أهداف الشك في كل من المنهجين.
الموقف من النصوص المرجعية.
علاقة العقل بالإيمان.
***************
الفصل الأول: المفاهيم التأسيسية بين الشك واليقين
1. الشك المنهجي: المفهوم والوظيفة
الشك في سياقه المنهجي لا يعني إنكار الحقيقة أو تبني اللاأدرية، بل يمثل خطوة عقلية ضرورية لتحرير الفكر من سلطة المسلمات، ودعوة لفحص المعارف وإعادة بنائها على أسس أكثر رسوخاً. لقد وظّف ديكارت الشك كأداة لبناء اليقين، قائلاً: «أنا أشك إذن أنا أفكر، إذن أنا موجود». وهذا الشك لا يتعارض مع الإيمان، بل يخدمه إذا كان هدفه التثبّت.
أما في التراث الإسلامي، فنجد هذا المنهج لدى أبي حامد الغزالي في المنقذ من الضلال حين قال:
"قد كان التعطش إلى درك الحق من أول أمري دأبي وديدني، حتى صبا نفسي في مطلع شبابي إلى النظر في العلوم والمعارف… فلم أزل أتصفح العقائد حتى تزلزل إيماني فبنيته على أساس النظر".
2. مفهوم اليقين في المنظور الإسلامي
اليقين في الإسلام مقام رفيع، يدل على الطمأنينة النفسية الناتجة عن العلم والنظر والتجربة والإيمان. قال تعالى: {وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ} [الحجر: 99].
ويقسم العلماء اليقين إلى:
- علم اليقين: ما يتحصل من العلم.
- عين اليقين: ما يشاهد بالبصر.
- حق اليقين: ما يُعاش بالتجربة.
ي مشروعنا الفكري، اليقين لا يُعارض التفكير الحر، بل يُبنى عبر مراحل من التجريب والمساءلة، وهو يقين عقلي ونقلي يتكاملان.
3. الخلفية الفكرية للمشروع التنويري الإسلامي
يؤمن مشروع تأصيل الحداثة وعصرنة التراث بأن العقل المسلم يملك أدوات التفكير النقدي أصالةً لا تقليداً، وأن الشك لا يجب أن يُصادر في محيط النصوص والاجتهاد، بل يُفعّل لإحياء دور العقل في فهم الوحي وتطبيقه.
الفصل الثاني: موقع الشك في مشروعنا الفكري التنويري
"من الشك المنهجي إلى يقين الاجتهاد الحضاري"
1. الشك كأداة لتحرير التراث من الجمود
في مشروعنا التنويري، يُستخدم الشك المنهجي لتحرير التراث من طابع التقديس غير المبرر، وإعادة قراءته في ضوء مقاصد الشريعة وروح العصر.
نحن لا نُسائل النصوص القطعية، بل نسائل تأويلاتها التاريخية التي تحوّلت بفعل التكرار والجمود إلى حقائق فوق النقد.
مثال توضيحي:
العديد من آراء الفقهاء لا تمثل بالضرورة أحكاماً نهائية، بل اجتهادات سياقية. اعتماد الشك هنا يساعد على تمييز الوحي عن التأويل، والثابت عن المتغير.
2. الشك في مواجهة الاستبداد الفكري
منهج الشك هو أداة في مواجهة التسلّط المعرفي، سواء كان باسم الدين أو الحداثة.
كما قال محمد عابد الجابري: "لا يمكن للفكر العربي أن يتحرر إلا إذا مارس النقد من الداخل".
ومعنى هذا أن الشك يحرر الإنسان من التبعية للمقولات الكبرى، ويزرع في ذهنه حق النقد والتحقق.
3. الشك لا يُناقض الإيمان
في مشروعنا، نؤمن أن الشك الصادق هو بداية اليقين الراسخ.
قال تعالى: {إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب} [آل عمران: 190]
هذه دعوة عقلية للتأمل، لا للجمود، وللسير من النظر إلى التسليم الناضج، لا الانقياد الأعمى.
4. نحو يقين عقلاني إيماني
الغاية من اعتماد الشك المنهجي في مشروعنا ليست الهدم، بل تأسيس يقين جديد:
- يقين متفاعل مع الواقع
- يقين منفتح على الآخر
- يقين واعٍ بالتراث ومتحرر من أوهامه
وذلك استجابة لحاجة الأمة إلى تجديد أدوات فهمها، دون قطع صلتها بالأصول.
الشك ليس نقضاً، بل بداية تأسيس. إنه لحظة وعي نقدي نحتاجها لتجديد فكرنا، وتصحيح مسارنا، والانطلاق نحو حداثة إسلامية متأصلة، تُنير العقل دون أن تنزع الإيمان، وتُحيي النص دون أن تقتل الاجتهاد.
الفصل الثالث: نحو عقلٍ تنويريٍّ مؤصّل
"في سبيل حداثة إيمانية تُصالح بين التراث والعقل"
1. ملامح العقل التنويري المؤصّل:
العقل الذي ندعو إليه ليس عقلًا مقلِّدًا، ولا عقلًا منفلتًا من الضوابط، بل عقلًا:
- ناقدًا لما ورثه، دون أن يهدمه.
- منفتحًا على الكوني، دون أن يذوب فيه.
- ملتزمًا بثوابت الأمة، دون أن يتقوقع في الماضي.
العقل التنويري المؤصّل هو الذي يحقق التوازن بين الأصالة والمعاصرة، ويعيد تأسيس العلاقة بين النص والعقل والواقع.
2. مقوّمات هذا العقل:
- الاجتهاد المقاصدي: تجاوز الفروع إلى فهم روح الشريعة ومقاصدها الكبرى (العدل، الحرية، الكرامة...).
- العقلانية المؤمنة: الجمع بين البرهان العقلي والهداية الإيمانية.
- التاريخانية الواعية: إدراك أن أغلب إنتاجنا التراثي نتاج سياق تاريخي لا يمكن تجميده في الحاضر.
- الانفتاح النقدي: الانخراط في حوار حضاري مع الآخر دون فقدان الهوية.
3. نحو حداثة مؤصّلة:
نرفض "الحداثة المستوردة" التي تسعى لقطع جذورنا، كما نرفض "التراثوية السلفية" التي تجمّد العقل.
ندعو إلى حداثة:
- تنبع من حاجاتنا الحضارية.
- تتأسس على مرجعية إسلامية رحبة.
- تنقد نفسها باستمرار.
- تتعامل مع الغرب بندّية فكرية، لا انبهار ولا عداء.
كما قال مالك بن نبي: "كل مجتمع لا ينتج أفكاره، سيعيش بأفكار غيره".
4. عصرنة التراث لا تعني نسخه
مشروعنا لا يسعى إلى نسف التراث، بل إلى "عصرنته" بمعنى:
- إعادة قراءته بلغة العصر.
- تنقيته من شوائب التسييس والجمود.
- تحويله من عبء إلى رافعة مستقبلية.
الفصل الرابع: توصيات مشروع تأصيل الحداثة وعصرنة التراث
1. ضرورة تأسيس وعي جديد:
يستدعي واقعنا الثقافي والفكري اليوم نهضة عقلية تقوم على وعي متجدد يجمع بين الإيمان بالعقل والإخلاص للوحي، وعيٍ يحرّر العقل المسلم من الخوف والتقليد، ويضعه في مسار الفعل الحضاري من جديد.
2. إعادة بناء العلاقة بين الدين والعقل:
نوصي بترسيخ رؤية وسطية متوازنة:
- لا تفصل الدين عن الحياة.
- ولا تُخضع الدين لأهواء السياسة أو المزاج الأيديولوجي.
- بل تنظر إلى الشريعة كمنظومة أخلاقية وقيمية قابلة للتفعيل في كل زمان بما يحقق مقاصدها العليا.
3. تعزيز الاجتهاد المقاصدي والتاريخي:
- تفعيل الاجتهاد الجماعي المؤسّسي.
- دعم قراءات عقلانية للتراث الفقهي تُراعي تغير الواقع.
- الانفتاح على أدوات المناهج الحديثة دون الوقوع في الانسلاخ الثقافي.
4. تربية النشء على ثقافة النقد والبناء:
- إصلاح مناهج التعليم الديني والعقلي.
- تشجيع التفكير النقدي منذ المراحل الأولى.
- دعم المشاريع الفكرية المستقلة والمجلات الثقافية الهادفة.
5. الانفتاح على الآخر بندّية
- تجديد العلاقة بالغرب من موقع التكافؤ، لا التبعية.
- المشاركة في الحوار الحضاري العالمي برؤية مؤصّلة.
- التأكيد على أن الإسلام لم يكن يومًا ضد العقل أو التقدم، بل كان رائدًا في الحضارة.
خاتمة:
العقل التنويري المؤصّل هو مفتاحنا لاستئناف مسيرتنا الحضارية، وبوابة تأصيل حداثة تُبنى من الداخل لا تُفرض من الخارج.
مشروعنا ليس خيارًا ثقافيًا، بل ضرورة حضارية، تضع العقل المسلم في قلب العصر دون أن تخلعه من جذوره.
إن مشروعنا في تأصيل الحداثة وعصرنة التراث ليس رد فعل مؤقت، بل رؤية فكرية متكاملة تستمد قوتها من روح الإسلام، ومن حاجة الأمة إلى عقل يقظٍ يجمع بين الإيمان والتقدم.
كما قال محمد إقبال: "الإسلام لا يخاف من العقل، بل من تعطيله."
هذا المشروع دعوة لليقظة الحضارية، للعقل الحي، ولتراث متجدد يشع في حاضرٍ يصنع المستقبل.
مراجع مقترحة:
- أبو حامد الغزالي، المنقذ من الضلال.
- طه عبد الرحمن، الحق العربي في الاختلاف الفلسفي.
- محمد عابد الجابري، بنية العقل العربي.
- محمد أركون، نقد العقل الإسلامي.
- محمد عادل التريكي، تأصيل الحداثة وعصرنة التراث (مشروع فكري).