من النيوليبرالية إلى الرماد د.أشرف حزيّن يؤكد: إسرائيل كيان بلا معنى
ينطلق د. أشرف حزيّن، الكاتب الفلسطيني ـ الأميركي وأستاذ الفلسفة الحديثة في جامعة رود آيلاند، في كتابه "إسرائيل وخسارة المعنى" من فكرة أن إسرائيل لم تعد مجرد دولة تواجه تحديات عابرة، بل باتت نموذجًا رمزيًا يعيش أزمة فقدان المعنى. فهو يوضح أن السيادة عندها تحولت إلى طقس يتكرر، لا مشروع يُنتج شرعية، وأنها دخلت مرحلة الانكشاف أمام ذاتها والعالم.
الكتاب في مجمله يتنقل من الرماد كصورة فلسفية لفقدان المعنى، إلى النيوليبرالية كمنظومة أعادت تشكيل المنطقة، إلى صعود إسرائيل كنموذج اقتصادي ـ رمزي، وأخيرًا إلى التواطؤ الدولي الذي جعلها مرجعًا للسيطرة لا مجرد طرف فيها. ومن ثم، فإن رؤيته تقوم على أن إسرائيل لم تنتصر لأنها أكثر قوة بالضرورة، بل لأن محيطها انهار، ولأنها عرفت كيف تحتكر اللغة والمعايير التي يُقاس بها النجاح، فتغدو دولةً لا تعيش من مشروعها بقدر ما تعيش من فشل الآخرين.
الكتاب، الصادر عن دار الأدهم، يشكّل امتدادًا لعمليه السابقين تشريح التواطؤ: الفلسفة الإسرائيلية وسقوط المعنى وإسرائيل على حافة ذاتها، الصادرين عن الدار نفسها، حيث كان الرماد رمزًا لبداية التفكير لا نهايته، أما هنا فالكتابة تجري من داخل الرماد، لكشف ما تبقى من معنى حين تنكشف الدولة ولا تنهار. يرى حزيّن أن إسرائيل أصبحت صيغة رمزية تؤسس لنظام عالمي يجد في الأسطورة السياسية لغته الأعمق، وأن خطورة اللحظة تكمن في تحول القمع إلى طبيعة ثانية للمجتمع، حيث تصبح المؤسسات كلها أدوات لترسيخ الفراغ. ومن هنا، تصبح المقاومة نفسها مهددة بفقدان معناها حين تبتلعها الدولة الرمزية وتحولها إلى جزء من ديكور الشرعية. لذلك فإن الكتابة ضرورة في زمن الرماد، لا لإنتاج يقين بل لحراسة المعنى من الموت، والبحث عن جملة جديدة تُقال خارج لغة الدولة.
ينتقل حزيّن بعد ذلك إلى تناول النيوليبرالية في الشرق الأوسط وانعكاساتها على إسرائيل، موضحًا أن النيوليبرالية لم تكن مجرد برنامج اقتصادي بل إعادة تشكيل كاملة للمنطق السياسي في المنطقة، حيث تحولت الدولة العربية من فاعل تاريخي إلى جهاز لإدارة العجز. لم يعد يُطلب منها إنتاج الثروة بل ضبط الفقر، وأصبح المواطن متلقيًا للتقشف بدل أن يكون شريكًا في مشروع وطني. في هذا السياق، تقدمت إسرائيل لا ككيان منبوذ، بل كنموذج اقتصادي وأمني وتكنولوجي يُقدَّم في المؤتمرات بوصفه قصة نجاح. هكذا لم يعد التطبيع بحاجة إلى سياسة، إذ يكفي التطبيع الاقتصادي الرمزي. وبذلك حوّلت النيوليبرالية المجتمعات إلى وحدات استهلاك، وأعادت صياغة الوعي حول الأزمة الدائمة، بينما نجحت إسرائيل في فرض صورتها بوصفها كيانًا ناجحًا لأنه لا يعيش في زمن الانهيار العربي.
ومن هنا يدخل حزيّن إلى المحور الثاني الذي يكشف كيف صارت إسرائيل قوة تنافسية في سوق إقليمي معطوب، فبينما تحولت الخصخصة في العالم العربي إلى فوضى مدمرة للنسيج الاجتماعي، أعادت إسرائيل هندسة اقتصادها ليظهر منضبطًا وفعّالًا، رغم أنه محكوم بشبكات أمنية وطبقية ضيقة. لم يعد التفوق الإسرائيلي عسكريًا فقط، بل بات اقتصاديًا رمزيًا، حيث تُسوّق الدولة نفسها كماركة إقليمية تصدر التكنولوجيا والأمن والنجاعة الإدارية. يقارن المؤلف بين تجربة الخصخصة في إسرائيل التي عززت السيادة، وتجارب العرب التي فتكت بالسيادة، ليرى أن الصراع لم يعد على الموارد فقط، بل على من يحتكر معنى النجاح الاقتصادي. إسرائيل لا تعرض منتجات فحسب، بل تعرض نفسها كتصور كامل للفعالية، وتنجح في تقديم النجاعة كقيمة بديلة عن العدالة، مما يجعلها نموذجًا يُقتدى به حتى من خصومها.
في النظام الإسرائيلي الجديد، لم يعد القانون أداة تنظيم بل أداة فرز، ولم تعد المواطنة وعدًا، بل امتيازًا يُمنَح وفق الشيفرة الرمزية أو العقائدية أو الطبقية
ثم يتابع إلى المحور الثالث، حيث يوضح أن التواطؤ الدولي مع إسرائيل لم يعد يقوم فقط على التحالف السياسي التقليدي، بل على تجانس في الرؤية النيوليبرالية. فالمؤسسات المالية الدولية صاغت شروطًا أعادت برمجة الدول العربية لتصبح هياكل إدارية طيّعة، بينما مُنحت إسرائيل امتيازات استثنائية وقدمت كنموذج يُحتذى. لم تعد القروض مالًا بل خرائط سيطرة، وأصبحت إسرائيل مرجعًا في كيفية الالتفاف على الدولة وتحويلها إلى جهاز للامتثال. بهذا، لم تعد تقاس الدول بقدرتها على حماية مواطنيها، بل بقدرتها على تنفيذ الشروط الدولية، فيما إسرائيل تُعفى من القيود وتُقدَّم كشريك مثالي لأنها أتقنت لغة التمويل العالمي ودمجت أمنها في اقتصادها.
بعد أن يكشف حزيّن عن التواطؤ الدولي الذي يجعل من إسرائيل مرجعًا في السياسات الاقتصادية والأمنية، يواصل في الفصول التالية توسيع هذا التشخيص ليُظهر كيف تتحول السيادة في زمن النيوليبرالية إلى مجرد أداء رمزي. الدولة لم تعد تملك مشروعًا تاريخيًا، بل تعيد إنتاج حضورها كطقس فارغ. إسرائيل هنا تتقدم لا لأنها تحل تناقضاتها، بل لأنها تحوّل التناقض إلى مورد وتجعل من الأزمة نفسها وسيلة لتبرير استمرارها. في المقابل، تغرق الدول العربية في عجزها الذي صار وظيفة لا أزمة، ففقدت القدرة على تقديم بدائل، وصار خطابها الاقتصادي محكومًا بمعايير خارجية لا تراعي الواقع الاجتماعي.
يتوقف حزيّن عند فكرة أن إسرائيل تعيش "خسارة المعنى"، أي أنها رغم حضورها القوي صارت عاجزة عن إقناع العالم بأنها دولة شرعية، فهي تستمر بالقوة والخوف، لكنها لم تعد تنتج خطابًا يقنع الآخرين أو يلهمهم. ومع ذلك، فإن هذا الفراغ لا يؤدي إلى انهيارها المباشر، بل إلى بقائها ككيان بلا معنى، محاط برموز فارغة يعاد ترديدها في السياسة والإعلام والاقتصاد. الأخطر أن المقاومة نفسها حين تُبتلع في هذه اللغة تصبح جزءًا من طقس الدولة، فتفقد طاقتها التخريبية وتتحول إلى عنصر في ديكور التعددية الشكلية.
ويؤكد أن المشكلة لم تعد فقط في الاحتلال أو القمع المباشر، بل في فقدان القدرة على إنتاج معجم بديل، فحين تحتكر الدولة الرمزية اللغة، يصبح كل اعتراض قابلًا للاستيعاب، وكل صرخة مجرد صدى في نظام أكبر. لذلك يشدد على أن المعركة اليوم هي على المعنى: كيف نكتب لغة جديدة لا تستطيع الدولة ترويضها؟ كيف نصوغ خطابًا يتجاوز السوق ويعيد للسياسة جوهرها التحرري؟ الكتابة نفسها تصبح فعل مقاومة، لأنها تفلت من التواطؤ الرمزي وتفتح بابًا لخيال مختلف.
في خاتمته الإجمالية يرى حزيّن أنه حين يُولد الخراب من الداخل وتتعفّن الدولة في شرايينها الاجتماعية، لا يعود التهديد الخارجي هو ما يهدد الدولة، بل ما يتسرّب مِن داخلها كحالة تآكلٍ مستمر، لا تُحدث دويًا لكنها تُفتّت المعنى. في الحالة الإسرائيلية، لم يعد المشروع الصهيوني محاطًا بالأعداء بقدْر ما بات محاصرًا بأسئلته الداخلية، بمدى صدق سرديته، وبعمق الشرخ الذي أحدثه في ذاته باسم الأمن والتفوق والاستثناء. ففي داخل كل مؤسسة، من الجيش إلى القضاء، ومن التعليم إلى الإعلام، تكمن علامات تعبٍ بنيوي لم تعد تُعالَج بل تدار، ولم تعد تدار بل تُؤجَّل، حتى بات التأجيل ذاته هو السياسة الوحيدة المتاحة. إن الدولة التي تُخصخص التعليم والصحة، وتحوّل السكن إلى مزاد، والعمل إلى سباقٍ مجنون بلا أفق، لا تكتفي بتمزيق نسيجها الاجتماعي، بل تُعيد صياغة مفهومها من الداخل: من دولةٍ تسعى لضمان الحد الأدنى من الرفاه، إلى كيانٍ يُفاضل بين مواطنيه بحسب قربهم من مركز الامتياز. هذه ليست تحولاتٍ اقتصادية فقط، بل انقلاباتٌ في فكرة الدولة ذاتها. ففي النظام الإسرائيلي الجديد، لم يعد القانون أداة تنظيم بل أداة فرز، ولم تعد المواطنة وعدًا، بل امتيازًا يُمنَح وفق الشيفرة الرمزية أو العقائدية أو الطبقية.
ويكشف أن إسرائيل لم تعد مجرد دولة سياسية عادية، بل تحولت إلى نموذج رمزي فقد معناه، إذ تعيش على تكرار طقوس السيادة دون أن تملك شرعية حقيقية، فهي تستمر بالقوة والخوف، لكنها لم تعد قادرة على الإقناع أو إنتاج خطاب مقنع للعالم أو حتى لمواطنيها. هذا الانكشاف لا يؤدي إلى انهيارها المباشر، بل إلى بقائها ككيان قائم بلا معنى، في حين يتحول القمع إلى طبيعة ثانية للمجتمع، وتصبح المؤسسات أدوات لإعادة إنتاج الفراغ. الأخطر أن المقاومة ذاتها قد تُبتلع داخل هذا النظام الرمزي، فتفقد قدرتها على تفكيك البنية وتتحول إلى جزء من ديكور شرعيته. وفي ضوء ذلك فإن جوهر الصراع اليوم لم يعد محصورًا في الأرض أو في الاقتصاد فحسب، بل في اللغة والمعنى، لأن من يحتكر القاموس يحتكر المستقبل. إسرائيل تربح لأنها استطاعت أن تحتكر المعايير واللغة التي تُقاس بها الشرعية، بينما خسر محيطها القدرة على صياغة بديل. ومع ذلك، فإن فقدانها للمعنى يبقى تهديدها الأكبر: فهي باقية لكنها بلا إقناع، حاضرة لكنها بلا خطاب.
ويشدد حزيّن على أن مشروعها لم يكن فقط إقامة دولة، بل تثبيت معنى. وحين يتفكك هذا المعنى، لا تبقى الدولة "تُدار" فقط، بل تُحمل على ظهر تاريخ لم يعد يُستعاد إلا عبر السلاح، والخوف، والعنف الرمزي. كل ما كان يُبقي المشروع صامدًا أمام النقد لم يعد يُقنع أحدًا، لا خارجيًا ولا داخليًا. والمفارقة أن مركز القوة الذي طالما وفّر لها الحماية، بات يراها كعبئ رمزي وأخلاقي، ليس لخطئها، بل لأنها تمثل بوضوحٍ فاضح آخر ما تبقى من نظام عالمي كان يتحدث عن الحرية، لكنه يمارس الاختناق. في هذا العالم الجديد، لا يبدو أن ثمة ضمانًا لبقاء مَن لا يتقن تغيير ذاته، أو إعادة تأويل ماضيه، أو الانفصال عن أساطيره. إسرائيل، كما تكشّفت في هذا الكتاب، ليست محض دولة، بل حالة طارئة بُنيت على استثناءات قانونية، وسياسية، وأخلاقية، وإذا ما سقطت الاستثناءات، لم يبقَ من مشروعها شيءٌ يمكن الدفاع عنه بلغة اليوم.
وفيما أطلق عليه خاتمة تأملية عنونها بـ"بروميثيوس يتأمل الرماد بعد أن سكتت الآلهة"، يقول حزيّن "لم تكن المجازر التي أعقبت السابع من أكتوبر استثناءً في بنية المشروع الصهيوني، بل كانت لحظة انكشافٍ كامل للبنية ذاتها. ما كنا نحلّله على امتداد هذا الكتاب ـ مِن هشاشة الداخل، وتآكل الشرعية، وافتقار المشروع للتماسك الاجتماعي والسياسي ـ تجسّد في مشهدٍ لا يحتاج إلى تحليلٍ إضافي، بل إلى تأملٍ صارم: حين تفقد الدولة السيطرة على سرديتها، فإنها لا تعود تملك إلا القتل بوصفه نطقًا أخيرًا. لقد كانت الحرب، هذه المرة، لا ضد المقاومة فقط، بل ضد كل إمكانية للمعنى، فإسرائيل التي كانت تدّعي امتلاكها لسلّم القيم الغربية، ولخطاب ديمقراطي، ولتماسك مجتمعي مبني على الاستثناء الأخلاقي، انهارت أخلاقيًا أمام أعين العالم. لم ينهَر فيها الجيش، بل الرمز. لم تسقط فيها فقط شرعية الرد، بل قدرة الدولة على إنتاج خطاب يُبرر بقاءها بوصفها دولة لا آلة".
ويتابع "السابع من أكتوبر لم يكن صدمةً على مشروعٍ متماسك، بل تسريعًا لانكشاف التشققات التي فصّلناها في كل فصل من فصول هذا الكتاب. العنف غير المحدود الذي مورِس في غزة لم يكن تعبيرًا عن القوة، بل عن الذعر، عن الفراغ الذي وصلت إليه الدولة حين لم تَعُد قادرةً على إقناع شعبها ولا العالم بأنها دولة بالمعنى الأخلاقي، بل مجرد بنية امتياز تصرخ حين تفقد السيطرة. القنابل، هذه المرة، لم تُرمَ على المقاوم، بل على ما تبقى من قدرة الدولة على إقناع نفسها بأنها تمتلك مشروعًا يتجاوز القتل. كان يمكن للمجزرة أن تكون "ردًّا" لو كانت الدولة تملك أفقًا سياسيًا، لكنها جاءت في لحظة غاب فيها الأفق، وضاع المعنى، وبقي العنف عاريًا من كل تأويل. والمفارقة هنا لا تكمن في فظاعة الجريمة فقط، بل في أنها ـ رغم شدتها ـ لم تنجح في استعادة الهيبة، ولم تنتج وحدة، ولم تصنع إجماعًا داخليًا. لقد واجهت إسرائيل كل شيء كانت تخشاه: نهاية التماسك الداخلي، وخذلان الحلفاء، وتآكل السردية، وانكشاف هشاشتها البنيوية أمام جمهورها نفسه".
ويخلص حزيّن "لقد سقط القناع الأخير، ولم يبقَ من المشروع الصهيوني إلا نارٌ تأكل ذاتها. وبروميثيوس، في رمزيتِه هذه المرة، لا يحمل النارَ للبشر، بل يجلس قبالتَها في لحظة رمادٍ صامت، يرى فيها أن النور الذي وُعِد به قد احترق، وأن الدولة التي ادّعت أنها خلاص، لم تترك سوى احتراقٍ بلا معنى".