من دولة "المكوّن" إلى دولة المواطن

يُظهر إقليم كردستان العراق درسًا مهمًا، إذ مثّل منذ عام 1992 تجربةً في حماية الهوية عبر إدارة محلية ضمن دولة مشتركة.

على امتداد قرنٍ كامل، ظلّت دول المشرق وشمال أفريقيا التي تُعرّف نفسها عبر "مكوّناتها" (تركيا، إيران، العراق، سوريا، لبنان وبعض دول شمال أفريقيا) عاجزة عن بناء مفهومٍ عمليٍّ للمواطنة: هويةٌ جامعة لا تُذيب خصوصيات الناس، لكنها تضع الجميع على قدم المساواة أمام القانون والفرص. بدلاً من ذلك، اشتغلت أنظمةٌ كثيرة على تتريكٍ أو تعريبٍ أو تفريسٍ قسري، أو على أسلمةٍ وتشييعٍ وتسنينٍ سياسي، فانتهت إلى حروبٍ ومجازر وتهجيرٍ وتغييرٍ ديموغرافي وشعاراتٍ تُخدّر الواقع ولا تُصلحه.

جذور الإخفاق متعددة، أولها تركة التاريخ وبنية الدولة التي ورثت منظومة "الملل" العثمانية أو هندسة سايكس–بيكو، فجمعت جماعاتٍ متعدّدة داخل دولةٍ مركزيةٍ ضيّقة الصدر بالتنوّع. ثم جاءت الدولة العقائدية التي فرضت هويةً واحدة، فصارت المدرسة والإدارة والإعلام أدوات صهرٍ لا إدارة تنوّع. كما لعب الاقتصاد الريعي والزبائنية دورًا خطيرًا في شراء الولاءات وتحويل الانتماء المذهبي أو الحزبي إلى طريقٍ للحقوق، فيما غاب القضاء المستقل وساد منطق الأمن على السياسة، ففقد المواطن ثقته بالدولة. يُضاف إلى ذلك أن هندسة التمثيل السياسي اعتمدت المحاصصة والوساطات الطائفية والإثنية، ما عزّز من زعامة الهويات الجزئية بدل تعزيز المواطنة، في وقتٍ غذّت التدخلات الخارجية الانقسامات بخلق وكلاء محليين يقتاتون على استمرارها.

أما النتائج فكانت دولًا منخورة بالشعارات؛ حين تُسخَّر الدولة لصهر الناس بدل صونهم تكون الكلفة باهظة. عرف الإقليم مجازر الأرمن عام 1915، وحملات القمع ضد الكُرد: من ديرسم في تركيا (1937–1938) إلى الأنفال وحلبجة في العراق (1986–1989)، ومن إجهاض جمهورية مهاباد في إيران (1946) إلى سياسات "الحزام العربي" وحرمان الجنسية في سوريا. رافقت هذه السياسات موجات تهجيرٍ وتعريبٍ وترييفٍ قسري، فيما حوّلت المحاصصة في لبنان الدولة إلى منظومة تجميدٍ للتعايش أكثر مما هي إدارةٌ للمواطنة، فبقيت الدولة ضعيفة والمجتمع مفككًا.

البدائل ليست في تبديل هويةٍ بهوية، بل في تغيير هندسة الدولة نفسها: عقدٌ دستوري واضح يعلو بكرامة الفرد، ويضمن مساواةً حقيقية مع لامركزيةٍ أو فيدراليةٍ تعترف بالخصوصيات الثقافية والإدارية. والمطلوب أيضًا قضاءٌ مستقل ومفوضيات حقوق تمتلك سلطة الإلزام، ومنهجٌ تعليمي يقرّ بتعدّد السرديات التاريخية، وحياد المدرسة والعبادة عن السياسة. ولا بد من فدرلة الأمن والمال بحيث تُدار الشرطة محليًا تحت رقابة القضاء، وتُوزّع الإيرادات بشفافية على السكان وفق الحاجات، مع حقّ الأقاليم في تطوير اقتصادها. كما أن العدالة الانتقالية ضرورية للاعتراف بالضحايا وجبر الضرر وترميم النسيج الاجتماعي.

ويُظهر إقليم كردستان العراق درسًا مهمًا، إذ مثّل منذ عام 1992 تجربةً في حماية الهوية عبر إدارةٍ محلية ضمن دولةٍ مشتركة، وتُرسمت الفيدرالية دستورياً عام 2005. ورغم نقائصها في تسييس الإدارة والاعتماد على ريع النفط وتوتّر العلاقة مع الحكومة الاتحادية، إلا أنها برهنت أن التنوّع لا يُدار بالذوبان القسري، بل بمؤسساتٍ تتيح للناس تقرير شؤونهم ضمن إطارٍ اتحادي. إن تطوير هذه التجربة بالشفافية، وفصل الحزب عن الدولة، واستقلال القضاء، يمكن أن يحوّلها إلى نموذجٍ مُلهِم.

الخلاصة أن فشل "دول المكوّنات" لم يكن قدرًا ثقافيًا بل خيارًا سياسيًا ومؤسسيًا: صهرُ الناس بدل صونهم، ومحاصصةُ الهويات بدل مساواة الأفراد. والطريق البديل معروفٌ وإن كان شاقًا: مواطنةٌ دستورية تُجسّدها مؤسساتٌ عادلة، وفيدراليةٌ أو لامركزية تحمي الخصوصيات وتحولها إلى قيمةٍ مضافة، وذاكرةٌ علنية تعترف بكل الضحايا من الأرمن إلى الكُرد في تركيا والعراق وإيران وسوريا، لا لتثبيت العداوات بل لمنع تكرارها. عندئذٍ فقط يمكن أن ننتقل من دولة الشعارات المفرغة إلى دولة المواطن التي توحّد المختلفين تحت سقف قانونٍ وانتماءٍ واحد.