'نصف وجهي المحروق' تجربة إعادة ترتيب الماضي
لا تُستقبل رواية "نصف وجهي المحروق" للأستاذ عبدالقادر شرّابة بوصفها متناً سردياً يهدف إلى تنظيم الوقائع أو إلى إعادة ترتيب الماضي في شكل حكاية قابلة للاستهلاك القرائي. منذ لحظاته الأولى، يفرض النص نفسه كمساحة إشكالية، حيث تتراجع وظيفة الحكي التقليدي لصالح مساءلة جذرية للعلاقة بين الإنسان وتاريخه، بين الجسد والذاكرة، وبين ما يُروى وما يظل عصياً على القول. ليست القراءة هنا فعلاً استهلاكياً، وإنما تجربة اهتزاز معرفي يجد القارئ نفسه خلالها منخرطاً في اختبار أخلاقي وفلسفي لا يَعِد بالطمأنينة ولا يقترح خلاصاً.
لا تُطرح الحقيقة في هذا العمل باعتبارها معطى جاهزاً يمكن استعادته عبر الاستذكار أو الشهادة. إنها كيان قلق، متشظٍ، يظهر في هيئة آثار أكثر مما يظهر في صورة يقين. ما يتكشف للقارئ ليس تاريخاً مكتوباً بوضوح، وإنما بقايا تاريخ، شظايا معنى، وندوب دلالية ترفض الالتئام. في هذا الأفق، تتقاطع الرواية مع التصورات الفلسفية التي تشكك في مفهوم الحقيقة الواحدة، وتعيد التفكير فيها كعملية دائمة من الانكشاف المشوب بالحجب، كما عند هايدغر، أو كمنتج تأويلي مرتبط بشروط القوة والخطاب، كما لمح نيتشه في كتاباته المتأخرة.
الاحتراق، بوصفه صورة مركزية، لا يشتغل كعنصر سردي معزول، ولا كاستعارة جمالية قابلة للتداول السريع. إنه مبدأ ناظم لرؤية العالم داخل النص. الاحتراق هنا حالة وجودية، تسكن الذاكرة، وتعيد تشكيل العلاقة مع الزمن، وتحوّل الجسد إلى سجل مفتوح للألم. لا يحيل نصف الوجه المحروق إلى نقص فيزيائي، بل يكشف عن تصدع عميق في صورة الذات، تلك الصورة التي سعت السرديات الكبرى إلى تقديمها بوصفها متجانسة وقابلة للاكتمال. يفتح هذا التصدع سؤالاً أخلاقياً حاداً: كيف يمكن للإنسان أن يقيم داخل أثر عنف دائم دون أن يتحول هذا الأثر إلى هوية مغلقة؟
لا تؤدي الذاكرة في هذا العمل وظيفة الأرشفة الهادئة، ولا تعمل كوسيط محايد بين الماضي والحاضر. إنها قوة مضطربة، محمّلة بالذنب والشك والعجز. الذاكرة هنا لا تشرح الماضي بقدر ما تعيد اقتحام الحاضر، وتفرض عليه توتراً دائماً. ينسجم هذا التصور مع ما طرحه بول ريكور حول الذاكرة الجريحة، تلك التي تعجز عن التحول إلى سرد مصالِح، وتظل عالقة بين واجب الشهادة وخطر إعادة إنتاج العنف عبر الحكي. من هنا، يصبح السرد ممارسة أخلاقية محفوفة بالمخاطر، حيث تنطوي كل محاولة للفهم على احتمال التشويه.
يخرج الفضاء المكاني بدوره من حياد الخلفية، ويتحول إلى عنصر فاعل في إنتاج الدلالة. لا تُقدَّم المدينة كديكور سردي، ولا كتمثيل فولكلوري، ولكن ككائن زمني حيّ، يحمل آثار القهر كما يحمل آثار التواطؤ والصمت. تحتفظ الأمكنة بذاكرتها الخاصة، وتراقب الشخصيات بقدر ما تحتضنها. تتحول الأزقة والساحات والمعالم إلى وحدات رمزية مشحونة، تطرح سؤالاً مقلقاً حول قدرة الجمال على التعايش مع العنف دون أن يلغيه. في هذا السياق، يقترب النص من تصور غاستون باشلار للفضاء بوصفه تجربة نفسية، حيث يُفهم المكان من خلال أثره في الوعي لا من خلال حدوده المادية.
لا تُبنى الشخصيات وفق منطق التماسك النفسي أو التطور الخطي. إنها ذوات منقسمة، تعيش التشظي كقدر وجودي مستمر. لا يؤدي الانقسام هنا وظيفة تقنية، وإنما يعكس انكسار الواقع ذاته. تظهر الهوية كحقل صراع بين موروث ثقيل، وواقع قسري، وتطلع أخلاقي يتآكل تحت الضغط. يستدعي هذا الوضع تصور دوستويفسكي عن الإنسان الذي يحمل تناقضه داخله، كما يستدعي تأملات كيركغارد حول القلق بوصفه علامة على وعي الذات بنفسها. ليست الشخصية هنا مركزاً للمعنى، ولكن فضاءً للتوتر الدائم.
لا يظهر العنف في النص كحادث استثنائي أو كفعل فردي يمكن عزله أخلاقياً. إنه منظومة معقدة، تتغلغل في الخطاب والمؤسسات والذاكرة. يتوزع العنف بين السلطة والهامش، بين الفعل والصمت، وبين الجسد واللغة. يفتح هذا التصور النص على حوار ضمني مع تحليلات حنة آرندت حول تطبيع الشر، ومع مقاربات ميشيل فوكو للسلطة بوصفها شبكة علاقات تنتج الطاعة والمعنى في آن واحد. يتحول الجسد داخل هذا الأفق إلى مساحة كتابة قسرية، والندبة إلى وثيقة تاريخية لا يمكن محوها.
حين يحضر الحب، لا يؤدي وظيفة التعويض العاطفي، ولا يمنح الشخصيات استقراراً وجدانياً. إنه اختبار هش لمعنى الانتماء، ومحاولة مؤقتة لبناء وطن داخل العلاقة. لا تظهر الحبيبة كموضوع رغبة رومانسية، وإنما كذاكرة متنقلة، وكاحتمال بديل لمعنى الجذور. تعمّق العلاقة العاطفية الأسئلة أكثر مما تجيب عنها: أين يبدأ الوطن وأين ينتهي؟ هل الهوية خيار واعٍ أم عبء تاريخي؟ تضع هذه الإشكالات النص في تماس مع ما كتبه إدوارد سعيد عن المنفى بوصفه تجربة داخلية، لا مجرد حالة جغرافية.
تتحرك اللغة في هذا العمل داخل منطقة توتر دائم. الجملة لا تستقر، وكأنها تُكتب وهي تشك في مشروعيتها. تتكاثر الأسئلة داخل النسيج السردي، لا بحثاً عن حلول، ولكن تعميقاً للقلق. يقترب هذا الوعي اللغوي من تصور موريس بلانشو للكتابة بوصفها فعلاً يبدأ حين يصبح القول نفسه مشكلة، وحين يغدو الكلام شكلاً من أشكال الألم. اللغة هنا لا تفسر التجربة، وإنما تشارك في حملها.
يمكن القول إن هذا العمل ينخرط في تفكيك السرديات الكبرى المرتبطة بالتاريخ والهوية والذاكرة، دون السقوط في فراغ عدمي. تفرض الكثافة الرمزية وتشابك المستويات الدلالية جهداً تأويلياً كبيراً، وقد يضعان القارئ أمام شعور بالإنهاك. غير أن هذا الخيار الجمالي يعكس موقفاً أخلاقياً واعياً، يرفض اختزال المأساة أو تحويلها إلى مادة سردية مريحة.
لا يمنح النص خاتمة مطمئنة، ولا يقترح معنى نهائياً، ولا يعد بالشفاء. إنه يترك القارئ داخل فضاء الاضطراب، حيث تتقدم الأسئلة على الأجوبة، وحيث يتحقق الوعي عبر القلق. وربما تكمن قيمته الأعمق في هذا الإصرار على إبقاء الجرح مفتوحاً، إيماناً بأن الإغلاق السريع ينتج صمتاً أشد قسوة. في هذا الأفق، يتحول الاحتراق إلى إشكالية فلسفية تتعلق بمعنى العيش داخل ذاكرة مكسورة، ويغدو الأدب مساحة للتفكير في الوجود، لا أداة لتبريره.