مهرجان فاس يُسدل ستاره بعرض مولوي خاشع
الرباط ـ اختتمت بمدينة فاس، شمالي المغرب، مساء الأحد، فعاليات الدورة التاسعة والعشرين من 'مهرجان فاس للموسيقى العالمية العريقة'، أحد أبرز المواعيد الثقافية الدولية بالمملكة. وجاء حفل الختام ليكون تجربة روحية استثنائية، جمعت بين أعماق التصوف الإسلامي وجماليات الموسيقى العالمية، حين صعدت فرقة 'الدراويش المولوية' الصوفية التركية إلى الخشبة بحضور الفنان العالمي سامي يوسف، لتقدم عرضا روحيا نادراً مزج بين الموسيقى والإنشاد والحركة التعبدية في مشهد أخّاذ أبهر الحضور.
وتعود رقصة الدراويش المولوية إلى الطريقة المولوية التي أسسها أتباع المتصوف والشاعر الكبير جلال الدين الرومي في مدينة قونية التركية خلال القرن الثالث عشر الميلادي. وتُعرف هذه الممارسة باسم 'السماع'، وهي رقصة فنية وهي ايضا طقس روحي عميق يهدف إلى الارتقاء بالنفس والتقرب إلى الخالق عبر الذكر والموسيقى والحركة المنتظمة.
ومنذ مئات السنين، يلبّي كثيرون نداء 'مولانا' الرومي، الذي دعا البشرية جمعاء إلى كلمة سواء، قائمة على المحبة والتسامح وإسقاط الحواجز بين الناس. وفي هذا السياق، يقول مدير متحف التصوف بولاية قونية، فخري أوزتشاكلي، إن طقوس السماع انتقلت عبر القرون لتصل إلى يومنا الحالي محافظةً على روحها وجوهرها، مضيفا، أن "طقوس السماح ما هي إلا وسيلة، وأن الهدف الأصلي هو ذكر الله والوصول إليه".
وفي قلب طقس السماع، تكمن فلسفة كونية بالغة العمق؛ إذ يدور الراقص عكس عقارب الساعة حول مركز دائرة، في حركة ترمز إلى دوران الكواكب حول الشمس، وإلى انسجام الإنسان مع النظام الكوني الكبير. وكان الرومي يرى أن جميع الكائنات في حالة دوران دائم وهي تذكر الله، من الذرة إلى المجرة، ومن نبضات القلب إلى حركة الأفلاك، فجاء السماع تجسيداً حياً لهذه الرؤية الكونية الشاملة.
ويضع الدراويش اليد اليمنى متجهةً إلى الأعلى لتلقّي البركة الإلهية، فيما تتجه اليد اليسرى نحو الأرض في إشارة رمزية عميقة إلى نقل هذه البركة إلى العالم والناس، فيغدو الدرويش الدائر جسراً حياً بين السماء والأرض، بين الغيب والشهادة.
ويؤمن المتصوفة أن الدوران المتواصل يساعد المريد على التحرر من الانشغالات المادية، والدخول في حالة من الصفاء الروحي والوجد، حيث يصبح أكثر حضورا وتأملا. ويرى أوزتشاكلي أن "من يقومون بطقوس السماع يفعلون ذلك بشكل تطوعي، ولا بد من توافر شروط معينة، إذ لا بد من توافر النية والقابلية، فالسماع لا بد أن يُمارَس بعشق".
ولا يخلو لباس الدراويش هو الآخر من دلالات فلسفية وروحية بليغة، فاللباس الأبيض الفضفاض الذي يرتدونه يرمز إلى الكفن والتجرد من الأنا، بينما ترمز القبعة الطويلة المصنوعة من اللباد إلى شاهد القبر. وفي هذا التكامل الرمزي تجسيدٌ لفكرة الموت الرمزي للذات وبداية رحلة روحية نحو المعرفة والمحبة الإلهية. كأن الدرويش يموت في بداية كل حلقة سماع ثم يُولد من جديد، أكثر صفاءً وأقرب إلى الحقيقة.
وتتجلى هذه الرمزية أيضاً في طريقة ارتداء اللباس؛ إذ يُقبّل المريدون كل قطعة من ملابسهم قبل ارتدائها تعبيراً عن التقدير لجميع الكائنات. ويبدؤون بالخف الجلدي الأسود، ثم التنورة البيضاء مربوطةً بحزام رفيع وآخر أسود عريض، ثم اللباس الأبيض فوقه الجبة السوداء، وأخيراً قبعة "السكّه"، في ترتيب احتفالي يعكس حضور الروح قبل حضور الجسد.
وعلى صعيد المهرجان ذاته، شارك في هذه الدورة نحو 160 فنانا يمثلون عشرات الفرق الموسيقية من الهند والمغرب وفلسطين والعراق وتركيا وإيران وأذربيجان ومصر والصين وغانا والبرازيل وألمانيا وفرنسا، في لوحة إنسانية تؤكد أن الموسيقى لغة تتخطى الحدود والأديان. وكان حفل الافتتاح مساء الخميس قد احتفى بالحرف التقليدية وبذاكرة مدينة فاس، من خلال تجربة فنية مزجت بين الموسيقى والصورة والحركة والرمزية الروحية.
ويُعدّ مهرجان فاس للموسيقى العالمية العريقة، منذ تأسيسه عام 1994، واحداً من أبرز الأحداث الثقافية والفنية الدولية التي يحتضنها المغرب، إذ تحوّل على مدى أكثر من ثلاثة عقود إلى جسر حقيقي للحوار بين الثقافات والأديان والشعوب، وإلى فضاء رحب للاحتفاء بالتراث الروحي والموسيقي العالمي.
وتبقى مدينة فاس العتيقة، بأزقتها وزوايا مساجدها وصوت أذانها، الإطار الأمثل لاحتضان مثل هذا الزخم الروحي والحضاري، ليتجدد كل عام الميثاق الجميل بين الإنسان والجمال والمعنى.