مواقف عقلانية تفتح نافذة لاحتواء التصعيد في شرق اليمن
عدن/الرياض - في تطور لافت يؤشر إلى مسار تهدئة واحتواء للتوتر المتصاعد في شرق اليمن، أعلن نائب رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي عبدالرحمن المحرمي، الاثنين، أنه اجتمع مع وزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان بن عبدالعزيز، في خطوة عُدّت مؤشراً قوياً على اتجاه جاد نحو معالجة أزمة حضرموت والمهرة بالحوار وتغليب الحلول السياسية على منطق التصعيد.
ويأتي هذا التحرك متقاطعاً مع موقف دولة الإمارات العربية المتحدة الداعي بوضوح إلى حوار يمني-يمني وتغليب الحكمة وضبط النفس، بما يعزز فرص التوصل إلى تسوية تُنهي التوتر وتحافظ على استقرار اليمن والمنطقة.
وشهدت الساحة اليمنية خلال الأسابيع الماضية تطورات ميدانية وسياسية متسارعة، عقب سيطرة قوات المجلس الانتقالي الجنوبي على محافظتي حضرموت والمهرة، وهما من أكبر المحافظات مساحة وأكثرها حساسية بحكم موقعهما الاستراتيجي وحدودهما مع السعودية.
وأعادت تلك التطورات خلط أوراق المشهد السياسي والميداني وأثارت مخاوف محلية وإقليمية من انزلاق الوضع نحو مواجهة أوسع بين مكونات معسكر الشرعية نفسها، في وقت لا يزال فيه اليمن يواجه تحديات جسيمة بسبب استمرار سيطرة جماعة الحوثي على العاصمة صنعاء ومحافظات أخرى منذ عام 2014.
وبرز الدور السعودي باعتباره محورياً في احتواء التصعيد، سواء من خلال دعم الحكومة الشرعية أو عبر إطلاق مبادرات سياسية تهدف إلى جمع المكونات الجنوبية على طاولة الحوار. وجاء لقاء الأمير خالد بن سلمان مع عبدالرحمن المحرمي ليعكس هذا التوجه، إذ أكد الأخير أن اللقاء سادته "روح الأخوّة والتفاهم"، وتناول مستجدات الأوضاع في اليمن، وعلى رأسها القضية الجنوبية وسبل تنسيق الجهود بما يخدم الاستقرار وأمن المنطقة.
وتزامن هذا اللقاء مع دعوة سعودية رسمية لجميع المكونات الجنوبية للمشاركة في مؤتمر تستضيفه المملكة، لوضع تصور شامل وعادل لمعالجة القضية الجنوبية. وهي دعوة وُصفت بأنها محاولة جادة لنقل الخلاف من الميدان إلى طاولة التفاوض، بما يضمن مشاركة مختلف الأطراف ويجنب المحافظات الجنوبية كلفة صراع داخلي جديد.
في المقابل، شددت دولة الإمارات قبل يومين على أهمية الحوار ورفض التصعيد، مؤكدة أن الحكمة وضبط النفس يمثلان السبيل الأمثل لمعالجة الخلافات بين القوى اليمنية. ويُنظر إلى هذا الموقف باعتباره عاملاً داعماً لمسار التهدئة لا سيما في ظل حرص أبوظبي على تجنيب اليمن مزيداً من الفوضى، وعلى الحفاظ على وحدة الصف في مواجهة التحديات المشتركة، وفي مقدمتها خطر الحوثيين والجماعات المتطرفة وجماعة الاخوان المسلمين.
وأسفرت العمليات الأخيرة عن استعادة الحكومة اليمنية السيطرة على حضرموت والمهرة بدعم وإسناد من تحالف دعم الشرعية بقيادة السعودية، ما منح الحكومة نفوذاً على أكثر من نصف مساحة البلاد. وقد أعلن محافظ حضرموت سالم الخنبشي، من مطار سيئون، استعادة كامل أراضي المحافظة وبدء مرحلة تطبيع الحياة وإدارة شؤونها، مشدداً على أولوية الأمن وتقديم الخدمات للمواطنين.
غير أن هذه التطورات لم تخلُ من تحديات، إذ حذرت منظمات غير حكومية من مخاطر نهب الأسلحة التي تُركت في بعض المقرات العسكرية بعد انسحاب قوات المجلس الانتقالي. وأشار المرصد اليمني للألغام إلى وصول ذخائر ومقذوفات خطرة إلى منازل المواطنين، محذراً من عواقب إنسانية جسيمة إذا لم يتم التعامل مع الأمر بسرعة وحزم.
وعلى الصعيد السياسي، امتنعت قيادة المجلس الانتقالي عن تعليق رسمي مباشر على خسارة حضرموت والمهرة، مكتفية بتصريحات تؤكد أن "الحرب سجال". وفي المقابل، شدد رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي على أن استعادة الأمن في المحافظتين تمثل مدخلاً لمرحلة جديدة من الاستقرار والتنمية، مثمناً الدور السعودي في خفض التصعيد.
ويجمع مراقبون على أن اللحظة الراهنة تفرض على جميع الأطراف اليمنية مراجعة حساباتها، والانتقال من منطق فرض الوقائع بالقوة إلى منطق التفاهمات السياسية، فحضرموت والمهرة، بما تمثلانه من عمق جغرافي واقتصادي، لا تحتملان صراعاً طويلاً، وأي توتر فيهما سينعكس سلباً على الأمن الإقليمي برمته.
وتؤشر التحركات السعودية، المدعومة بموقف إماراتي عقلاني ومتوازن، إلى وجود إرادة إقليمية لاحتواء الخلافات داخل معسكر الشرعية، وفتح صفحة جديدة قوامها الحوار والشراكة. ويبقى نجاح هذا المسار مرهوناً بمدى استعداد الأطراف اليمنية للاستجابة لهذه المبادرات، وتقديم المصلحة الوطنية على الحسابات الفئوية.
ويبدو أن لقاء الأمير خالد بن سلمان وعبدالرحمن المحرمي ليس حدثاً بروتوكوليا عابرا، بل محطة سياسية تحمل رسائل واضحة: لا حل لأزمات اليمن، شمالا أو جنوبا، إلا عبر الحوار، ولا استقرار مستداما دون تنسيق إقليمي يقوم على الحكمة وضبط النفس، وهو مسار تُجمع الرياض وأبوظبي على دعمه والدفع به إلى نهاياته الإيجابية.