ميليشيات مناهضة لحماس قد تشعل اقتتالا دمويا في غزة
غزة - تُواجه حركة المقاومة الإسلامية الفلسطينية (حماس) تحدياً جديداً يهدد استقرار سيطرتها على قطاع غزة، مع ظهور فصائل مسلحة مناهضة لها تعمل في المناطق التي تحتلها أو تسيطر عليها إسرائيل. وتتطلع هذه الجماعات، التي أكدت تجنيدها المزيد من العناصر وتعهدها بمواصلة القتال برغم مقتل أبرز قادتها، إلى لعب دور محوري في مستقبل القطاع، مما يعمق الانقسام.
ويتوقع أن تتحول الفصائل المناهضة إلى نواة لنزاعات مسلحة مفتوحة، خصوصًا إذا تزايد الدعم الخارجي أو ضعف التنسيق الأمني بين مختلف القوى المحلية. وقد يشكل استمرار وجود هذه الجماعات تحديًا لحماس، ليس فقط على الصعيد العسكري، بل أيضًا على مستوى النفوذ السياسي والاجتماعي داخل غزة، حيث يمكنها استغلال السخط الشعبي أو الأزمات الإنسانية لتعزيز موقعها.
وأدى ظهور هذه الجماعات، رغم كونها لا تزال صغيرة ومحصورة في مناطق جغرافية محددة، إلى تفاقم الضغوط على حركة حماس وزاد من تعقيد المشهد الأمني والسياسي.
وكان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قد أقر في يونيو/حزيران الماضي بدعم جماعات مناهضة لحماس، مشيراً إلى أن إسرائيل "نشّطت" بعض الميليشيات المرتبطة بالعشائر، على الرغم من قلة التفاصيل التي قدمتها السلطات الإسرائيلية منذ ذلك الحين.
والأسبوع الماضي، قُتل ياسر أبوشباب، الذي كان يُنظر إليه على أنه محور جهود تشكيل قوات مناهضة لحماس، في منطقة رفح جنوب غزة. وبينما أعلنت جماعة "القوات الشعبية" التي كان يتزعمها أنه قُتل أثناء محاولة التوسط لحل نزاع عائلي دون الإفصاح عن هوية قاتله، تولى نائبه غسان الدهيني زمام الأمور متعهداً بمواصلة النهج ذاته.
ورفضت حركة حماس، التي تدير قطاع غزة منذ عام 2007، حتى الآن نزع سلاحها بموجب خطة وقف إطلاق النار. ووصفت الحركة خصومها بأنهم "عملاء" لإسرائيل، وهو موقف يحظى، بحسب محللين فلسطينيين، بتأييد شعبي واسع.
تصعيد النشاط وتجنيد المقاتلين
وتشير المصادر إلى أن هذه الجماعات كثفت نشاطها في المناطق التي لا تزال إسرائيل تسيطر على أكثر من نصفها، بعيداً عن نطاق نفوذ حماس التي تعمل على ترسيخ سيطرتها في المناطق المكتظة.
وقالت ثلاثة مصادر أمنية وعسكرية مصرية، تلعب دوراً محورياً في مفاوضات إنهاء الصراع، إن الميلشيات المدعومة من إسرائيل كثفت نشاطها منذ وقف إطلاق النار. وقدرت المصادر عدد المسلحين بنحو ألف عنصر، مشيرة إلى زيادة قدرها 400 مسلح منذ بدء وقف إطلاق النار في أكتوبر/تشرين الأول الماضي.
ومنذ مقتل أبوشباب، نشرت جماعته وجماعتان أخريان مقاطع فيديو تُظهر تجمع العشرات من المسلحين، مع أصوات قيادات تنعاه وتتعهد بمواصلة "الحرب على الإرهاب" لـ"غزة الجديدة". وأكدت رويترز صحة موقع أحد هذه الفيديوهات الذي صُوّر في محافظة رفح، وهي منطقة لا تزال القوات الإسرائيلية منتشرة فيها.
وأقر حسام الأسطل، زعيم جماعة مناهضة لحماس تتمركز في خان يونس، بتلقي جماعته أسلحة وأموالاً وأشكالاً أخرى من الدعم من "أصدقاء" دوليين، ونفى تلقي دعم عسكري من إسرائيل. لكنه أقر بوجود اتصالات مع الدولة العبرية بشأن "التنسيق لإدخال طعام وكل الإمكانيات اللي احنا نقدر نعتاش منها".
وأعلن الدهيني عن إعدام رجلين في أواخر نوفمبر/تشرين الثاني الماضي قال إنهما من مسلحي حماس وقُتلا أحد عناصر (القوات الشعبية)، فيما وصف مسؤول أمني في تحالف الفصائل المسلحة بقيادة الحركة هذا الفعل بأنه "نصر وهمي، ولن يغير شيئا من الحقائق الراسخة على الأرض".
ولا تعد هذه المشاهد مجرد عرض للقوة، بل إشارة إلى احتمالات تصاعد الانقسامات الداخلية في القطاع، وتحول الصراع بين الفصائل إلى عامل إضافي يعمق أزمات غزة الإنسانية والسياسية.
سيناريو الانقسام والخطر الشعبي
ورغم تعزيز حماس سيطرتها في المناطق التي يعيش فيها غالبية سكان القطاع، فإن ظهور هذه الفصائل يثير مخاوف جدية بشأن المستقبل.
وتهدف خطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب لمرحلة ما بعد الحرب إلى نزع سلاح حماس، وإنشاء سلطة انتقالية وقوة متعددة الجنسيات. وتستغل الجماعات المناهضة للحركة هذه الخطة، حيث تتضمن أهدافها إقامة مناطق آمنة للنازحين في الجزء الذي تسيطر عليه إسرائيل. وتُعد رفح من أولى المواقع التي حددها مسؤولون أميركيون لإنشاء "تجمعات آمنة بديلة".
وأكد مسؤول أميركي أن الولايات المتحدة لا تجري أي اتصال رسمي مع هذه الجماعات ولا تقدم أي تمويل أو دعم، مشيراً إلى أن مستقبل الحكم سيعود لسكان غزة أنفسهم باستثناء عدم وجود دور مستقبلي لحماس.
ويرى محللون أن هذه الميلشيات تفتقر إلى أي قاعدة شعبية، حيث قال غسان الخطيب، المحاضر بجامعة بيرزيت، إن الفلسطينيين ينظرون إليهم على أنهم "عملاء" تستخدمهم إسرائيل لأسباب تكتيكية بهدف "زعزعة سيطرة حماس". وقد أكد متحدث باسم حركة فتح رفضه لأي جماعات مسلحة مدعومة من الدولة العبرية، موضحا أنها "لا تمت بصلة لشعبنا ومؤسساتنا الوطنية الفلسطينية".
في المقابل، توعدت حماس بـ"المصير الحتمي لكل من خان شعبه"، مؤكدة أن "أجهزتها الأمنية ستلاحق المتعاونين حتى الانتهاء من هذه الظاهرة المعزولة وطنياً وشعبياً".
في ظل بطء تنفيذ خطة ترامب وغياب اتفاق شامل بشأن مستقبل القطاع، تتوقع المصادر المصرية أن تُصعّد هذه الجماعات أنشطتها، مما يُنذر باحتمالية نشوب صراع داخلي فلسطيني جديد في الوقت الذي لا تزال فيه إسرائيل تسيطر على أجزاء واسعة من غزة على طول "الخط الأصفر"، الذي وصفه رئيس أركان الجيش الإسرائيلي بأنه "خط دفاعي أمامي لتجمعاتنا السكنية".