نادية فضلي تحلل صراع باكستان والهند بين المحلي والإقليمي والدولي

الباحثة العراقية تؤكد من خلال كتابها 'العلاقات الهندية – الباكستانية وتأثير امتلاك السلاح النووي' فرضية أساسية مفادها أن مستقبل العلاقة بين البلدين سيكون محكومًا بالصراع أكثر من التعاون.

منذ أن أطلق الرئيس الباكستاني الراحل محمد أيوب خان تحذيره الشهير في ستينيات القرن الماضي بأن النزاع حول كشمير يشبه برميل بارود قابل للانفجار في أي لحظة، ظل هذا التشبيه حاضرًا في كل مرحلة من مراحل العلاقة المتوترة بين الهند وباكستان. وقد أثبتت مجريات العقود اللاحقة أن هذه المقولة لم تكن مجرد نبوءة سياسية عابرة، بل توصيفًا دقيقًا لطبيعة صراع لم يخفت وهجه منذ لحظة ولادة الدولتين بعد الانقسام الدموي لشبه القارة الهندية عام 1947، ذلك الانقسام الذي أطلق شرارة واحدة من أعقد النزاعات الإقليمية وأكثرها تشابكًا مع مصالح القوى الكبرى. فقد خاضت الهند وباكستان ثلاث حروب كبرى في أعوام 1948 و1965 و1971، فضلًا عن عشرات المناوشات والصدامات العسكرية التي بقيت تهدد بتحولها إلى مواجهة شاملة، وكان أخطرها حرب كارغيل في صيف عام 1999 التي كادت أن تتطور إلى حرب نووية مباشرة بعد أن أجرت الدولتان تجاربهما النووية في مايو/أيار 1998 معلنتين بذلك دخولهما رسميًا نادي القوى النووية.

لكن إذا كان خطر الانزلاق إلى مواجهة نووية شاملة قد بدا في لحظة ما قائمًا ووشيكًا، فإن ما من شيء يمنع اليوم من طرح السؤال ذاته بحدة أكبر: هل يمكن أن تتطور المواجهة بين الهند وباكستان في أي لحظة إلى حرب نووية مدمرة تأخذ في طريقها استقرار جنوب آسيا بأكمله؟ هذا السؤال يفرض نفسه في ظل المتغيرات التي عرفتها المنطقة منذ عام 2019 تحديدًا، عندما أقدمت الحكومة الهندية برئاسة ناريندرا مودي على إلغاء الوضع الدستوري الخاص لإقليم جامو وكشمير بموجب المادة 370 من الدستور، وما تلا ذلك من إجراءات مشددة طالت السكان المحليين، وفرض حالة حصار أمني متواصل، وتقييد حرية الحركة والاتصالات، وهو ما أشعل موجة جديدة من التوترات، أعادت للأذهان أن كشمير ليست مجرد نزاع حدودي بل بؤرة قابلة للاشتعال عند كل منعطف سياسي داخلي أو إقليمي.

في كتابها "العلاقات الهندية – الباكستانية وتأثير امتلاك السلاح النووي" الصادر عن دار العربي، تعود الباحثة العراقية د. نادية فاضل عباس فضلي لتؤكد فرضية أساسية مفادها أن مستقبل العلاقة بين الهند وباكستان سيكون محكومًا بالصراع أكثر من التعاون، وأن حالة العداء ستبقى المرجح الأساسي في معادلة التوازن بينهما، حتى وإن كان السلاح النووي يفرض قيودًا على مستوى التصعيد. فهي ترى أن امتلاك كلا الطرفين لوسيلة الردع النووي لم يؤدِّ إلى تلاشي التوتر أو زوال احتمالات الحرب، بل أوجد فقط سقفًا يصعب تجاوزه في ظل إدراك قادة الدولتين لعواقب الانزلاق نحو مواجهة نووية شاملة. لكن في الوقت نفسه، أبقى هذا الردع الصراع في حدوده التقليدية من مواجهات متقطعة ومناوشات دائمة وتوترات قابلة للانفجار.

إن كشمير، كما تصفها فضلي، ليست مجرد صراع على أرض أو حدود، بل هي عقدة متشابكة ذات امتدادات عالمية، فمنذ اللحظة الأولى لانقسام الهند وباكستان، شكّل هذا الإقليم الذي يتجاوز عدد سكانه اليوم أربعة عشر مليون نسمة نقطة اشتباك عسكري وسياسي ودبلوماسي بين الطرفين، كما تحول إلى ساحة تجاذب بين القوى الكبرى. ففي فترة الحرب الباردة، مثلًا، ارتبطت الهند بعلاقات قوية مع الاتحاد السوفيتي، في حين شكلت باكستان حليفًا استراتيجيًا للولايات المتحدة، مما جعل النزاع جزءًا من لعبة المحاور الدولية الكبرى. واليوم، وبعد نهاية الحرب الباردة وصعود قوى جديدة، لم يتغير جوهر المعادلة بقدر ما تبدلت أطرافها، فأصبحت الصين لاعبًا رئيسيًا في دعم باكستان، بينما تعززت الشراكة الاستراتيجية بين الهند والولايات المتحدة، مع انخراط إسرائيل في دعم القدرات الدفاعية والتكنولوجية للهند، مما أوجد معادلة جديدة من الاستقطاب لا تقل خطورة عن سابقاتها.

ولعل التطور الأخطر في العقدين الأخيرين يتمثل في تحول الصراع من مجرد نزاع إقليمي إلى صراع محاور متداخل، حيث باتت الهند جزءًا من محور أميركي–إسرائيلي–ياباني يسعى لموازنة النفوذ الصيني في آسيا، في حين تجد باكستان نفسها في محور صيني–إيراني مدعوم بعلاقات مع روسيا إلى حد ما، فضلًا عن ارتباطها بالعمق الإسلامي الذي يمنحها دائمًا أوراقًا إضافية في مواجهة خصومها. وهذا التداخل جعل أي توتر ثنائي بين الهند وباكستان يتجاوز حدوده الوطنية والإقليمية ليكتسب طابعًا دوليًا مباشرًا، ويثير قلق القوى الكبرى على مصالحها الاقتصادية والاستراتيجية، خاصة في ما يتعلق بخطوط إمداد الطاقة من الخليج العربي عبر المحيط الهندي.

إلا أن فضلي تشير أيضًا إلى أن خطورة الصراع لا تنبع فقط من حساباته الخارجية، بل من أزماته الداخلية في كلا البلدين. فالهند، رغم تجربتها الديمقراطية الممتدة منذ الاستقلال والتي تعتبر الأوسع في العالم الثالث، تعاني من مشكلات بنيوية عميقة. فالأقلية المسلمة التي تشكل أكثر من 200 مليون نسمة تواجه اليوم ضغوطًا متزايدة في ظل تصاعد القومية الهندوسية، كما أن النزعات الانفصالية في ولايات مثل البنجاب وآسام والشمال الشرقي لم تتوقف، بل تجد في كل أزمة اقتصادية أو سياسية بيئة مناسبة لإعادة إحياء مطالبها. يضاف إلى ذلك تراجع دور حزب المؤتمر التاريخي وصعود حزب بهاراتيا جاناتا بزعامة مودي، الذي يعزز خطابًا يقوم على الهوية الدينية أكثر مما يقوم على الهوية الوطنية الجامعة، وهو ما يزيد من هشاشة البنية الداخلية.

أما باكستان، فإن مشكلاتها الداخلية لا تقل خطورة، بل ربما تفوقها، فهي دولة قامت أساسًا على أساس ديني باعتبارها وطنًا للمسلمين المنفصلين عن الهند، لكنها وجدت نفسها أسيرة انقسامات عرقية وإقليمية متجذرة. فالبنجابيون يسيطرون على الجيش والإدارة بشكل شبه كامل، بينما يعاني سكان السند وبلوشستان وباشتونستان من التهميش السياسي والاقتصادي، وهو ما أدى تاريخيًا إلى انفصال بنغلاديش عام 1971 بمساعدة الهند. واليوم، ما تزال هذه الأقاليم تشكل مصدر قلق مزمن لإسلام آباد، خاصة مع تنامي نفوذ الجماعات المسلحة في المناطق القبلية، ووجود حدود مفتوحة مع أفغانستان تجعل الاستقرار الداخلي هشًا ومعرضًا للاهتزاز عند كل تحول في الوضع الإقليمي.

كتاب 'العلاقات الهندية – الباكستانية وتأثير امتلاك السلاح النووي'
النزاع حول كشمير سيبقى بؤرة الاشتعال الأخطر في العالم

وتلفت فضلي النظر إلى أن الخطر الذي يتهدد أي دولة من الخارج غالبًا ما يكون أقل خطورة من التهديدات التي تنشأ من الداخل، خاصة إذا ارتبطت بانقسامات دينية وعرقية وقبلية. ففي حين يمكن أن يوحد الخطر الخارجي أبناء الدولة في مواجهة عدو مشترك، فإن التفكك الداخلي يفتح الباب أمام تدخلات خارجية مباشرة أو غير مباشرة، ويحول المشكلات المحلية إلى صراعات إقليمية ودولية. وهذا ما ينطبق على كل من الهند وباكستان، حيث عمدت كل منهما إلى استغلال الأزمات الداخلية للأخرى، فدعمت باكستان الحركات الانفصالية في كشمير والبنجاب، في حين ساندت الهند حركات التمرد في بلوشستان ومناطق أخرى داخل باكستان، مما جعل الصراع يأخذ شكل "حرب بالوكالة" متواصلة على مدى عقود.

ومن الناحية الجيوسياسية، تؤكد فضلي أن موقع شبه القارة الهندية يجعل من صراعها الداخلي والخارجي قضية تتجاوز حدودها، فجنوب آسيا يشكل جسرًا حيويًا يربط الخليج العربي بوسط آسيا وجنوب شرق آسيا، وتطل على طرق الملاحة الرئيسية لنقل النفط والغاز إلى اليابان والصين وأوروبا وأميركا الشمالية. ولذلك، فإن استقرار المنطقة أو اضطرابها له انعكاسات مباشرة على الاقتصاد العالمي، وهو ما يفسر الاهتمام الدولي الكبير بكل ما يجري فيها. فالتجارب النووية التي أجرتها الهند وباكستان لم تثر فقط قلق جيرانهما، بل أقلقت الولايات المتحدة وأوروبا واليابان وروسيا، نظرًا لخطورة أن يؤدي أي تصعيد إلى تهديد خطوط إمداد الطاقة العالمية.

وإذا كانت المخاوف من مواجهة نووية بين الهند وباكستان قد بدت قائمة في التسعينيات، فإن القلق اليوم يتخذ أبعادًا مختلفة. فإسرائيل، مثلًا، تنظر بعين الريبة إلى ما تسميه "القنبلة الإسلامية" الباكستانية، وتخشى من أن تنتقل التكنولوجيا النووية الباكستانية إلى دول عربية أو إسلامية حليفة، وهو ما قد يغير معادلة الأمن الإقليمي في الشرق الأوسط. ومن هنا، جاء تعزيز التعاون العسكري والتكنولوجي بين إسرائيل والهند في السنوات الأخيرة، بما في ذلك في مجالات الدفاع الجوي والطائرات المسيرة، بهدف موازنة الخطر الباكستاني وضمان تفوق استراتيجي في أي مواجهة مستقبلية.

أما الولايات المتحدة، فهي تنظر إلى الهند باعتبارها شريكًا استراتيجيًا في مواجهة الصين، ولهذا عملت على تطوير شراكة أمنية واقتصادية معها، خاصة في إطار التحالفات الجديدة مثل "الرباعية" التي تضم إلى جانب الهند كلًا من الولايات المتحدة وأستراليا واليابان. بالمقابل، تواصل الصين تعزيز علاقتها مع باكستان عبر مشاريع كبرى مثل الممر الاقتصادي الصيني–الباكستاني، الذي يربط إقليم شينجيانغ الصيني بميناء جوادر الباكستاني على بحر العرب، وهو ما يمنح بكين منفذًا بحريًا استراتيجيًا ويعزز حضورها في المحيط الهندي. هذا التداخل جعل الصراع الهندي–الباكستاني جزءًا من لعبة توازنات كبرى تتجاوز حدودهما الوطنية، وهو ما يزيد من خطورته على استقرار النظام الدولي برمته.

ورغم كل ذلك، ترى فضلي أن السلاح النووي، برغم خطورته، قد يشكل الضامن الوحيد لعدم الانزلاق نحو مواجهة شاملة، إذ إن معادلة الردع المتبادل تمنح قادة البلدين وعيًا بأن أي حرب نووية ستعني دمارًا شاملًا لهما معًا. ولذلك، يرجح أن يبقى الصراع في إطاره التقليدي من مواجهات عسكرية محدودة وتوترات دائمة، مع التلويح بالسلاح النووي كأداة ضغط دون اللجوء إلى استخدامه. غير أن هذا لا يلغي احتمالية اندلاع حروب تقليدية جديدة، خاصة مع استمرار الوضع المتفجر في كشمير بعد 2019، وما يرافقه من انتهاكات لحقوق الإنسان وتصاعد الاحتقان الشعبي، مما يجعل برميل البارود الذي تحدث عنه أيوب خان حاضرًا أكثر من أي وقت مضى.

الخلاصة التي تبرز اليوم هي أن العلاقات الهندية–الباكستانية ستظل في حالة توتر دائم، وأن النزاع حول كشمير سيبقى بؤرة الاشتعال الأخطر في العالم، فحتى مع إدراك النخب الحاكمة في نيودلهي وإسلام آباد لمخاطر الحرب النووية، فإنهما لا تملكان الإرادة السياسية لتسوية النزاع جذريًا، ولا تملكان أيضًا أدوات بناء الثقة والتعاون المتبادل. وعليه، فإن ما يمكن توقعه في السنوات المقبلة ليس حربًا نووية مدمرة، ولكن سلسلة من المواجهات التقليدية المحدودة التي تبقي المنطقة على حافة الانفجار، وتجعل كل العالم يترقب الشرارة التالية.

وفي سياق استشراف مستقبل العلاقات الهندية – الباكستانية،  تقول فضلي إنه "على ضوء ما تقدم نجد أن العلاقات الهندية – الباكستانية ستستمر على ماهي عليه من توتر خلال السنوات المقبلة وهذا ما يؤيد منطق فرضيتنا التي انطلقت من قناعة مفادها ترجيح حالة الصراع بالرغم من امتلاك وسيلة الردع المتقابل فنقاط الخلاف لم تتلاش إلى حد الآن، فضلًا عن التواصل إلى طرق مزدودة في أية مفاوضات بين الدولتين ولكن هذا الوضع القائم بينهما باعتقادي الشخصي لا يتطور إلى صراع نووي خلال السنوات المقبلة، لكون النخبة الحاكمة في الدولتين تدرك مخاطر الدخول إلى هذه الحرب وما ينتج عنها من دمار شامل لكلا الدولتين والعودة بهما إلى الوراء لكن هذا الوضع لا ينفي احتمالية تجدد اندلاع حرب تقليدية بينهما مع التلويح باستخدام السلاح النووي من دون استخدامه، وخاصة بعد قيام الهند بإلغاء الوضع الخاص بكشمير طبقا للمادة 370 والفقرة 35أ في الخامس من أغسطس 2019، فالوضع الحالي يشير إلى التوتر العالي بين الهند وباكستان في ظل الإجراءات العنصرية التي تقودها الهند في إقليم كشمير والذي يتعرض أبناؤه إلى الاضطهاد المتواصل".