نتنياهو يراوغ ترامب بتهدئة في بيروت وتصعيد في جنوب لبنان

الصورة الراهنة تبدو أقرب إلى هدنة موضعية في بيروت مقابل حرب مفتوحة في الجنوب.

القدس المحتلة/بيروت – رغم نجاح الضغوط الأميركية في منع إسرائيل من تنفيذ ضربة واسعة على الضاحية الجنوبية لبيروت، فإن التطورات الميدانية أظهرت أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو اتجه إلى نقل ثقل العمليات العسكرية نحو جنوب لبنان، معقل حزب الله الرئيسي، ما يرخي بظلال ثقيلة على جهود التهدئة التي ترعاها واشنطن لإنهاء الحرب ودفع مسار المفاوضات مع إيران إلى تسوية تنهي حالة الاستنزاف والارتدادات المتناثرة التي أثرت على الاقتصاد العالمي وعطلت نحو 20 في المئة من امدادات الطاقة للعالم ودفعت أسعار الوقود في الولايات المتحدة الى مستويات مقلقة ومؤثرة على حظوظ الجمهوريين في انتخابات التجديد النصفي لأعضاء الكونغرس المقررة في نوفمبر/تشرين الثاني القادم.

وبينما سادت أجواء من التهدئة الحذرة في بيروت عقب تدخل الرئيس الأميركي دونالد ترامب، كثف الجيش الإسرائيلي غاراته الجوية وقصفه المدفعي على مناطق الجنوب، لا سيما في محيط النبطية، بالتزامن مع تعزيز وجوده العسكري وتوسيع عملياته الميدانية.

ويشير هذا المسار إلى أن نتنياهو حاول احتواء الخلاف مع ترامب بشأن استهداف العاصمة اللبنانية، من دون التراجع عن استراتيجية الضغط العسكري على حزب الله، عبر تصعيد أعنف في المناطق التي تعد مركز الثقل العسكري والشعبي للجماعة الشيعية المسلحة.

ويأتي ذلك في وقت تشهد فيه واشنطن محادثات بين مسؤولين لبنانيين وإسرائيليين لبحث آليات تعزيز وقف إطلاق النار، ما يسلط الضوء على التباين بين المسار الدبلوماسي الرامي إلى خفض التصعيد والمسار العسكري الذي تواصل إسرائيل من خلاله السعي إلى تحقيق مكاسب ميدانية قبل التوصل إلى أي تسوية محتملة.

وبعد ساعات قليلة من إعلان تفاهم غير مباشر حال دون تنفيذ ضربة إسرائيلية كبيرة ضد الضاحية الجنوبية لبيروت، كثفت إسرائيل غاراتها الجوية وقصفها المدفعي على معاقل حزب الله، لا سيما في محيط النبطية، إحدى أبرز القواعد الجغرافية والسياسية للجماعة الشيعية المسلحة.

 كما وجه الجيش الإسرائيلي إنذارات للسكان بإخلاء أجزاء من المدينة قبل تنفيذ هجمات جديدة، في خطوة تؤكد أن التهدئة المعلنة لا تشمل حتى الآن الجبهة الجنوبية التي تبقى مركز العمليات العسكرية الأساسية.

ويأتي هذا التطور في توقيت حساس تتقاطع فيه عدة مسارات إقليمية ودولية، فمن جهة، برز خلاف واضح بين ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بشأن توسيع نطاق الحرب لتشمل بيروت مجددا، ومن جهة أخرى انطلقت في واشنطن الجولة الجديدة من المحادثات بين مسؤولين لبنانيين وإسرائيليين برعاية أميركية بهدف التوصل إلى آليات عملية لتعزيز وقف إطلاق النار واحتواء التصعيد المستمر منذ أكثر من ثلاثة أشهر.

وعكست الأحداث الأخيرة حجم التأثير الأميركي على القرار الإسرائيلي، فنتنياهو كان قد أعطى أوامر بشن غارات على الضاحية الجنوبية لبيروت، إلا أن تدخلا مباشرا من ترامب أدى إلى تجميد العملية بعد تلقي واشنطن رسائل عبر وسطاء تفيد بأن حزب الله لن يهاجم إسرائيل ما دامت بيروت خارج دائرة الاستهداف. وبذلك نجحت الاتصالات الأميركية في نزع فتيل مواجهة كانت تهدد بإدخال الحرب مرحلة أكثر خطورة.

لكن وقف الهجمات على بيروت لم ينعكس هدوءا على الأرض اللبنانية، فطائرات الاستطلاع الإسرائيلية واصلت التحليق فوق العاصمة، فيما استمرت العمليات العسكرية جنوبا بوتيرة مرتفعة. وأسفرت الغارات الإسرائيلية عن سقوط قتلى في بلدات جنوبية، بالتزامن مع تقدم ميداني للقوات الإسرائيلية التي أعلنت تعزيز انتشارها قرب النبطية وسيطرتها على مواقع استراتيجية أبرزها قلعة الشقيف التاريخية.

في المقابل، حافظ حزب الله على مستوى منخفض نسبيا من الردود العسكرية مقارنة بالمراحل السابقة من الحرب. واكتفى باستهداف قوات إسرائيلية ومركبات عسكرية قرب مناطق الاشتباك في الجنوب، من دون الإعلان عن هجمات صاروخية عابرة للحدود، ما يعكس على الأرجح رغبة في عدم إعطاء إسرائيل مبررا لإعادة استهداف الضاحية الجنوبية أو توسيع نطاق المواجهة.

وتشير هذه المعادلة إلى أن إسرائيل تسعى حاليا إلى الفصل بين مسارين: تجنب الانزلاق إلى مواجهة شاملة مع حزب الله، مقابل مواصلة استنزاف البنية العسكرية للحزب في الجنوب عبر عمليات مركزة ومستمرة. ويبدو أن تل أبيب تراهن على أن الضغوط العسكرية المتواصلة ستمنحها أوراقا إضافية على طاولة المفاوضات التي ترعاها واشنطن.

وتزداد أهمية هذا التقدير في ضوء الموقف الإيراني الذي رفع سقف التهديدات بشكل غير مسبوق، فقد أعلنت طهران تعليق محادثاتها غير المباشرة مع الولايات المتحدة على خلفية التطورات في لبنان، كما لوح رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف بإمكانية الانتقال إلى "مواجهة مباشرة" إذا استمر العدوان الإسرائيلي على لبنان. ويعكس هذا الموقف محاولة إيرانية لربط مستقبل الجبهة اللبنانية بمسار التفاوض الأوسع مع واشنطن بشأن الحرب الدائرة منذ نهاية فبراير الماضي.

وتبدو المحادثات الجارية في واشنطن محاولة لخلق مسار تدريجي نحو وقف شامل لإطلاق النار. ووفقا لمسؤولين لبنانيين، يجري البحث في إنشاء "مناطق تجريبية" تتوقف فيها الأعمال القتالية وتنسحب منها القوات الإسرائيلية مقابل انتشار الجيش اللبناني، تمهيدا لتوسيع التجربة وصولا إلى تهدئة شاملة.

غير أن العقبة الرئيسية تبقى مرتبطة بمصير سلاح حزب الله، فإسرائيل تضع نزع سلاح الحزب في صدارة أهدافها، بينما تفضل السلطات اللبنانية معالجة الملف عبر مسار سياسي داخلي، في حين يرفض حزب الله إعلان موقف نهائي من أي ترتيبات جزئية قبل الحصول على ضمانات واضحة بوقف كامل للعمليات العسكرية الإسرائيلية على جميع الأراضي اللبنانية.

ومع دخول الحرب شهرها الرابع وسقوط أكثر من 3400 قتيل في لبنان، تبدو الصورة الراهنة أقرب إلى هدنة موضعية في بيروت مقابل حرب مفتوحة في الجنوب، وهي معادلة تعكس رغبة أميركية في منع انفجار إقليمي واسع، لكنها في الوقت ذاته تمنح إسرائيل هامشا لمواصلة الضغط العسكري على حزب الله ولذلك فإن الأيام المقبلة ستكون حاسمة في تحديد ما إذا كانت التهدئة المحدودة ستتوسع لتشمل كامل لبنان، أم أنها ستبقى مجرد استراحة مؤقتة في حرب لم تستنفد بعد أسباب استمرارها