نجاح التصويت الخاص يختبر شفافية الاقتراع العام في انتخابات العراق
بغداد - في الوقت الذي أعلنت فيه المفوضية العليا المستقلة للانتخابات البرلمانية في العراق مساء الأحد إغلاق صناديق التصويت الخاص (الأمني والعسكري) لانتخابات 2025، وبدء عمليات العد والفرز اليدوي، يبرز تساؤل جوهري حول الدلالة الحقيقية لهذا الإنجاز اللوجستي.
فرغم التصريحات الرسمية التي وصفت العملية بأنها تمت "بدقة عالية بلا أي معرقلات" وأشارت إلى "مشاركة كبيرة وغير مسبوقة"، فإن القراءة التحليلية النقدية للواقع العراقي تحتم عدم التعامل مع هذه البيانات على أنها ترسيخ مطلق للانضباط أو ضمانة للنزاهة، فيما يشكل هذا الإنجاز اختبارا لبقية العملية الانتخابية التي تشمل تصويت الناخبين العراقيين لتحالفات متنوعة لكنها ترسخ في غالبيتها منظمة الحكم السائدة منذ العام 2003.
ومشاركة أكثر من مليون وثلاثمائة ألف ناخب من القوات الأمنية والعسكرية، موزعين على 809 مراكز اقتراع، هي في جوهرها إجراء لوجستي يهدف لتمكين هذه القوات من أداء واجبها الأمني في يوم الاقتراع العام دون التضحية بحقها الدستوري. لكن، بعيداً عن الكفاءة التنظيمية المعلنة، يرى العديد من المراقبين أن هذا التصويت يظل محاطاً بتحفظات عميقة تتعلق بالحرية الكاملة للقرار.
وغالباً ما تكون المؤسسات العسكرية والأمنية في العراق عرضة للتأثير المباشر أو غير المباشر من قيادات عليا أو أحزاب نافذة ترعى تشكيلات معينة. وبالتالي، فإن نسبة المشاركة المرتفعة المُعلنة، قد لا تعكس بالضرورة "الوعي السياسي" الفردي بقدر ما تعكس "الانضباط القسري" أو "التوجيه الضمني" بضرورة المشاركة لصالح كتل سياسية بعينها، خاصة وأن القوات الأمنية تخضع لنظام تراتبي حازم.
وتضفي عملية العد والفرز التي تتسم بالسرية النسبية في هذه المرحلة، وتأكيد المفوضية على إرسال التقارير إلكترونياً بالتزامن مع الفرز اليدوي، نوعاً من الغموض على شفافية النتائج النهائية، فما لم تُنشر تفاصيل المشاركة والفرز بدقة، تظل هناك مساحة للتشكيك في مدى استقلال قرار الناخب الأمني.
محاولة لضبط إيقاع "الحياد"
ومن هذا المنطلق، يمكن قراءة تصريحات رئيس الوزراء محمد شياع السوداني، الذي هنأ القوات الأمنية ودعا إلى جعل الانتخابات "نموذجا يُحتذى به في الانضباط، والالتزام، والوعي"، على أنها محاولة استباقية لضبط إيقاع المؤسسة الأمنية في مرحلة حساسة. ورسالة السوداني هي بالأساس تأكيد على "الحياد الحكومي" ووضع سقف أخلاقي عالٍ يهدف إلى تحييد المؤسسة العسكرية عن التجاذبات السياسية، ودرء أي اتهامات محتملة باستخدام النفوذ الأمني للتأثير على مسار التصويت العام.
ولكن، يبقى التحدي هو: هل تستجيب القواعد العسكرية والقيادات المحلية لهذا التوجيه بشكل كامل، أم أن الولاءات الفصائلية والسياسية ستظل مؤثرة على حرية الاختيار في الكواليس؟
وفي المحصلة، يمثل إغلاق صناديق التصويت الخاص نجاحاً تقنياً وإجرائياً للمفوضية، لكنه لا يمكن أن يفسر بالضرورة على أنه "ترسيخ للانضباط السياسي" أو ضمانة للنزاهة الشاملة. الامتحان الحقيقي لصدقية العملية الانتخابية في العراق سيبقى مرتبطاً بشفافية إعلان نتائج التصويت الخاص ومدى تطابقها مع التوقعات السياسية. كفاءة الأجهزة الأمنية في تأمين يوم الاقتراع العام (11 نوفمبر/تشرين الثاني) دون تسجيل ضغوط أو تدخلات ميدانية على الناخبين المدنيين.