نديم صادق: الذكاء الاصطناعي شريكًا في صناعة النشر

صادق لا يدعو إلى التسليم الأعمى بالتقنية، بل إلى ترويضها لصالح الإبداع الإنساني.

يشكل كتاب "انطلق.. لا تتردد: توظيف الذكاء الاصطناعي في النشر" للباحث نديم صادق تجربة مختلفة ومثيرة في آن، فهو ليس مجرد دراسة نظرية عن أثر الذكاء الاصطناعي في صناعة النشر، بل هو نفسه نتاج عملية قام بها المؤلف مستخدمًا أدوات الذكاء الاصطناعي لترجمته من الإنكليزية إلى العربية. هنا يضعنا صادق أمام مفارقة تكاد تختزل عصرنا: كتاب عن الذكاء الاصطناعي تمت ترجمته بوساطة الذكاء الاصطناعي ذاته.

يقدّم الكتاب الصادر عن دار العربي صورة بانورامية لمسار طويل بدأ بالحكايات الشفهية حول النار، ويمتد اليوم إلى النماذج اللغوية التوليدية، مؤكدا أن النشر شهد تطورًا مدهشًا؛ بدءًا من الحكايات الشفهية حول النيران إلى نشر مليارات الكتب الإلكترونية (وأشكال أخرى لا حصر لها) المتاحة بلمسة زر، ومضيفا أن الذكاء الاصطناعي يعد هو الابتكار الكبير القادم القادر على إعادة تشكيل النشر، ولكن هناك أيضًا فرصًا هائلة. فالناشرون الذين يوازنون بين فوائد الذكاء الاصطناعي واحترام الحاجة الإنسانية إلى الأصالة، سيشهدون ارتقاء الذكاء الاصطناعي، لا تقويضه، للمهمة الجوهرية المتمثلة في نشر المعرفة وتقاسم العبقرية.

يكشف صادق في مقدمة كتابه "قلت إن علينا أن نجرب إنجازه بواسطة الذكاء الاصطناعي، ففي حالات كثيرة، يحصل الكتاب على جمهور محدود، حيث قد تتحول العوائد الاقتصادية لمبيعات الكتاب لتصبح عائقًا أمام الاستعانة بمترجم بشري للقيام بالمهمة. هذا الوضوح ينقلنا مباشرة إلى قلب المشكلة: كيف يمكن للمؤلف أن يتجاوز عوائق السوق واللغة ليصل إلى جمهور أوسع؟ والجواب الذي يقدّمه صادق هو: الذكاء الاصطناعي.

لكن المفارقة تكبر حين يضيف صادق "لأسباب عدة، لغتي العربية بسيطة، ولا أستطيع قراءتها أو كتابتها على الإطلاق. باختصار، ليست لدي القدرة الشخصية على الترجمة من الإنجليزية إلى العربية. ومع ذلك، توليت المسؤولية وقلت بكل جرأة إنني سوف أُنجز الخطة، وقد فعلت. هنا يصبح الذكاء الاصطناعي أكثر من مجرد أداة تقنية، بل يتحول إلى وسيط ثقافي يمكّن الكاتب من العبور بين لغتين وثقافتين.

ويروي صادق تفاصيل دقيقة عن رحلته مع أدوات الذكاء الاصطناعي: بحثه أولاً عن "أدوات ترجمة كتب مجانية، عبر الإنترنت، تعمل بالذكاء الاصطناعي"، ثم اكتشافه لصعوبة استخدامها بسبب التعقيدات التقنية أو الكلفة العالية. بعد ذلك جرّب النماذج اللغوية الضخمة مثل Claude وJAIS وChatGPT، واختبر قدراتها. وقد توصّل، بعد مراجعة النتائج مع أشقائه وأبناء عمومته الناطقين بالعربية، إلى أن Claude ليس الخيار الأفضل للترجمة إلى العربية، بينما قدّمJAIS  وChatGPT نتائج أقرب إلى المقبولية.

يقول صادق "بعد التجربة، اخترت أقواها من كليهما؛ النموذج ذو 70 مليار مُعامل من JAIS، ونسخة o1 من ChatGPT بدا أنهما يقدمان صياغات لغوية مناسبة أكثر وفق تقييم فريقي الصغير، الذي قال إنها تبدو الأفضل بالعربية. لكن حتى مع هذه النماذج، ظهرت تحديات "كان مهمًا أن أقدم تعليمات دقيقة، مثل: "من فضلك، ترجم هذا للنموذج العربي الفصيح الذي سيقرأه محترفون في صناعة النشر"، و"احرص على أن يكون أسلوبه مهنيًا، ولكن سهل الفهم"، و"لا تُلخِّص ولا تعيد الصياغة أو تختزل"، و"استخدم نبرة الصوت نفسها من فقرة لأخرى"، و"تذكّر هذه التعليمات مع كل مقطع جديد أرفعه لك". هذه التعليمات تعكس وعيًا بأن الذكاء الاصطناعي يحتاج دائمًا إلى توجيه بشري حتى لا يقع في التلخيص أو إعادة الصياغة غير المرغوبة.

واستخدم صادق ترجمة مشتركة بين ChatGPT وJAIS، مدعومة بمراجعة لاحقة من دار العربي للنشر. والنتيجة أن 85-90% من النص كان مقبولًا عند تسليمه، ليقول المؤلف بارتياح "الدرس المذهل هنا هو أن كل مؤلف يمكنه وينبغي له أن يشعر بالقدرة على ترجمة كتابه بنفسه، وبشكل جيد ومجاني، مع القليل من الجهد، فالذكاء الاصطناعي حقًا هو ذكاء متحالف معنا".

بعد هذه المقدمة يبدأ صادق رحلة موسعة عبر تاريخ النشر، ليضع تجربة الذكاء الاصطناعي في سياقها التاريخي. منذ الرسومات الأولى على جدران الكهوف قبل أربعين ألف سنة، مرورًا بالكتابة المسمارية في بلاد ما بين النهرين، والهيروغليفية المصرية، والأبجديات الفينيقية واليونانية والرومانية، وصولًا إلى الطباعة في القرن الخامس عشر. يقول "تشير الأدلة إلى أن البشر تحفزوا لتسجيل القصص والمعلومات منذ الأزمنة السحيقة، فالرسومات على جدران الكهوف، التي يعود تاريخها إلى أكثر من 40.000 سنة مضت، تقدِّم بعضًا من أقدم الأمثلة على تواصل أسلافنا بالرموز".

ويتابع ليصف اللحظة الفاصلة مع اختراع الطباعة "غيَّرت آلة الطباعة المعادلة بفضل سرعتها مقارنةً بالنسخ اليدوي، والتوزيع الأوسع للأفكار، وتخفيض التكاليف، مما جعل المواد المطبوعة أكثر إتاحة للجميع. لقد أصبح من الممكن إنتاج الكتب والمواد المطبوعة الأخرى بشكل أرخص وأكثر كفاءة من أي وقت مضى بعد آلة الطباعة.. هكذا تحققت ديمقراطية الفكر والإبداع والمعرفة".

ويربط صادق بين الماضي والحاضر، ويشير إلى أن ملحمة جلجامش التي وُلدت على ألواح طينية، عادت لتُطبع وتنتشر بفضل الطباعة الحديثة "اليوم، نعلم أن الأشياء "تعيش إلى الأبد عبر الإنترنت.. ودور الذكاء الاصطناعي في ذلك مثير للاهتمام، ليس فقط في إعادة إظهار الأعمال التي سقطت من الاهتمام العام، ولكن أيضًا في تقطير "حمضها النووي" بحيث يمكن للعقل المعاصر، المشبع بالمعلومات، أن يستوعب ويعالج المواضيع الهامة من عصور مختلفة".

ويتوقف مطولًا عند التحولات الرقمية التي غيّرت النشر في العقود الأخيرة، بدءًا من مشروع "جوتنبرج" عام 1971، وصولًا إلى إطلاق Kindle من أمازون عام 2007 "صار الوصول إلى المعلومات فوريًّا ومن أي مكان.. حيث يمثل العصر الرقمي بداية تآكل دور من يصنعون الشكل المادي للكتاب وبداية تحويل المحتوى نفسه ليصبح محور الاهتمام".

ويشير إلى أثر هذه التحولات على دور النشر التقليدية "وهكذا تجاوزنا أيضًا دور النشر والمحررين (الرقباء الطيبون في رأي البعض)، وأصبح بإمكانك أن تقول ما تريد وأن تصل إلى عدد أكبر من القراء لأكثر من أي وقت مضى". بهذا المعنى، صار النشر الذاتي أكثر سهولة، وأصبح الكاتب قادرًا على أن يطبع ويبيع كتبه دون الحاجة إلى مؤسسة تقليدية. لكن المؤلف لا يقدّم هذه التحولات بروح تبشيرية فقط، بل بوعي نقدي يربط بين الفرص والمخاطر.

ملحمة جلجامش
الربط بين الماضي والحاضر

بعد تاريخ النشر، ينتقل صادق إلى تاريخ الذكاء الاصطناعي، ليبيّن أن هذه التقنية ليست وليدة اللحظة، بل امتداد لتجارب قديمة في الأتمتة والميكانيكا. ويؤكد "منذ العصور القديمة، سعى البشر إلى إضفاء الذكاء على الآلات، من الأتمتة أو التشغيل الآلي (الأوتوماتا) المبكرة وصولًا إلى المساعدات الرقمية اليوم"، ثم يستعرض محطات كبرى: الخلايا العصبية الاصطناعية الأولى عام 1943، اختبار تورينج عام 1950، مؤتمر دارتموث 1956 الذي صك مصطلح "الذكاء الاصطناعي"، ابتكار التعلم الآلي على يد آرثر صامويل عام 1959، الشبكات العصبية والتعلم العميق، وصولًا إلى ثورة 2012 مع نموذج "ألكس نت".

ويتوقف عند لحظة فارقة لافتا "فجأة، صار الحد الوحيد لما يمكننا معرفته هو قدرتنا على طرح سؤال جيِّد.. لا تثق بكل ما يقوله الذكاء الاصطناعي. تذكر أنه "يهلوس" أحيانًا. احصل على رأي ثان. بهذا التحذير، يذكّرنا أن التقنية تحمل في طياتها مخاطر مثلما تحمل إمكانات.

ويستعرض صادق كيف يمكن توظيف الذكاء الاصطناعي في صناعة النشر: أولا يتيح الذكاء الاصطناعي إنشاء محتوًى آليٍّ باستخدام نماذج اللغة الطبيعية، ويمكن أن يساعد ذلك الناشرين على إنتاج مواد تسويقية ووصفية مخصصة بكفاءة أكبر. ثانيا كما أن أدوات التنبؤ بالمبيعات المعتمدة على الذكاء الاصطناعي تستفيد من بيانات القراء للتنبؤ بأنماط الطلب المستقبلية واتخاذ قرارات نشر مبنية على البيانات. ثالثا خلقت شبكات التواصل الاجتماعي فرص تفاعل مباشر بين المؤلفين والناشرين والقراء، ومكَّنت منصات مثل Goodreads وTikTok القرَّاء من اكتشاف مختلف الكتب عبر مشاركة المراجعات والتوصيات والمحتوى الحصري.

كما يشير إلى أن الذكاء الاصطناعي يفتح الباب أمام أشكال جديدة من الكتب: التفاعلية، الصوتية، المعززة بالواقع، بل وحتى ما يسميه اندماج الكتب حيث يلتقي النص بالصوت بالصورة في تجربة متعددة الوسائط.

رغم هذا الاحتفاء بالذكاء الاصطناعي، يظل صادق حذرًا. حيث يكرر في أكثر من موضع أن الذكاء الاصطناعي يجب أن يكون مكملاً لا بديلاً "على الرغم من ذلك، يبقى الإبداع والعبقرية البشرية أساسين لا يمكن الاستغناء عنهما.. في الوقت نفسه، يمكن لصناعة النشر أن تتبنى تقنيات الذكاء الاصطناعي بحكمة، لتكمل - لا لتستبدل - مخيلة المؤلفين". بهذا يضع خطًا فاصلاً بين ما يمكن للآلة أن تقدّمه، وما يبقى حكرًا على الإنسان: الأصالة، الإبداع، القدرة على طرح الأسئلة الوجودية.

إن ما يجعل هذا الكتاب مختلفًا، ليس فقط عرضه لتاريخ النشر وتطور الذكاء الاصطناعي أو سرده لتجربة المؤلف مع الترجمة، بل قدرته على الجمع بين الوعي النقدي وروح المغامرة. فصادق لا يدعو إلى التسليم الأعمى بالتقنية، بل إلى ترويضها لصالح الإبداع الإنساني. وهو إذ يقول "الذكاء الاصطناعي حقًا هو ذكاء متحالف معنا"، فإنه يضعنا أمام خيار أساسي: أن نتعامل مع الذكاء الاصطناعي بوصفه شريكًا في رحلة المعرفة لا خصمًا يهددها. هذه الرسالة، بكل بساطتها وعمقها، تجعل الكتاب شهادة على لحظة فارقة في علاقتنا بالكتابة والنشر، لحظة نحتاج فيها إلى الانطلاق بثقة، ولكن أيضًا إلى عدم التردد في التمسك بجوهرنا الإنساني.