نهاية العالم القديم وبدايات الإمبريالية العارية
بعد أكثر من ثمانية عقود، تسدل الإدارة الأميركية برئاسة دونالد ترامب، الرئيس الأميركي السابع والأربعين، الستار رسميًا على العالم القديم، أو عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية. وجاء ذلك في الاستراتيجية التي أعلنها البيت الأبيض في شهر كانون الأول من العام 2025. ففي حقل الاقتصاد، أنهى المفاهيم المرتبطة بالعولمة والتجارة الحرة، وأعاد التعرفة الجمركية والحدود القومية إلى مركز العلاقات الاقتصادية.
وفي حقل مفاهيم حقوق الإنسان والديمقراطية، التي كان الغرب، بزعامة الولايات المتحدة الأميركية، يتحرك تحت مظلتها للتدخل وتغيير السياسات التي تناهضها، جرى ركن هذه المفاهيم جانبًا إلى حين الحاجة. وقد تُوّج ذلك بتوقيع قرارات تنفيذية بالانسحاب من 66 منظمة دولية، من أبرزها منظمة الصحة العالمية، ومجلس حقوق الإنسان، واليونسكو، واتفاقية المناخ، ومنظمات تدعم المساواة وحقوق الإنسان وغيرها. أما في حقل القانون الدولي والنظام الدولي، فقد جرى سحقهما، وأُحِلَّت مكانهما المفاهيم القديمة التي سادت في بدايات القرن المنصرم. وأصبحت المقولات مثل "السلام بالقوة" و"العالم تحكمه القوة"، كما ورد على لسان نائب وزير الخارجية الأميركية تعليقًا على اختطاف الرئيس الفنزويلي من عقر داره، هي السائدة.
استراتيجية البيت الأبيض الجديدة جاءت لتنتشل الولايات المتحدة الأميركية من مأزقين أساسيين: الأول، المديونية العالية التي تثقل بنيتها الاقتصادية، والتي تُقدَّر بـ38 تريليون دولار، والثانية، فائض القوة الذي تمتلكه. وبموازاة ذلك، هناك سباق محموم بينها وبين الصين، وهي غير قادرة على اللحاق بها، سواء على صعيد المنافسة الاقتصادية واستمرار الهيمنة السياسية والاقتصادية على العالم، أو على صعيد مديونيتها المتفاقمة.
وفي تفاصيل هذه المنافسة، تسيطر الصين على المعادن النادرة التي تُعد أساس التطور التكنولوجي والعلمي والذكاء الاصطناعي، وهو ما يقود هذه المنافسة اليوم. ولذلك لا يمكن لأميركا القديمة، الإمبريالية، الاستمرار بالأدوات نفسها القديمة التي شكّلت عنصرًا حاسمًا في بناء العالم القديم. فلا معنى، في منهجية الطبقة الرأسمالية في الولايات المتحدة الأميركية، للعودة إلى السيطرة على الأسواق العالمية بالقوة من دون التفوق في مجالات الذكاء الاصطناعي، والصناعات العسكرية، والهواتف الذكية، والرادارات، والمغناطيسات. فالصين لا تمتلك معادن "غير موجودة إطلاقًا" في الولايات المتحدة من حيث الجيولوجيا، لكن الفارق الحاسم هو أنها تسيطر على الاستخراج والمعالجة والتكرير. وفي السياسة والاقتصاد، تبقى السيطرة الصناعية أهم من الوجود الجيولوجي.
الحاجات الاستراتيجية لإعادة تعريف مكانة الولايات المتحدة
من الضحالة والسطحية التعامل مع سياسات ترامب بوصفها نزوة شخصية أو مغامرة معزولة. فالرجل، في جوهره، يعكس توجّهًا راسخًا داخل الطبقة الحاكمة الأميركية. إنه التعبير الأكثر فجاجة عن نزعة قومية إمبريالية آخذة في التصاعد وحاجات إعادة تراكم رأس المال، شبيهة بتجارب تاريخية شهدها العالم، تمامًا كما كان أدولف هتلر تعبيرًا عن النزعة القومية الألمانية، أو فلاديمير بوتين عن النزعة القومية الروسية. ولذلك وقفت الغالبية العظمى من الحزب الجمهوري صفًا متراصًا خلف ما قامت به فرقة "دلتا" من اعتقال نيكولاس مادورو وزوجته وجلبه إلى محاكمته في نيويورك. ولم يكن مستغربًا أن يحظى بدعم واسع داخل المؤسسة السياسية والأمنية، وأن تترافق سياساته مع عسكرة متزايدة للقرار الأميركي.
إن تغيير اسم وزارة الدفاع إلى وزارة الحرب، وإقالة العديد من الجنرالات، وتغيير العقيدة العسكرية بما ينسجم مع العقيدة القومية "أميركا أولًا"، يعكس هذا التحول وهذه الحاجات الاستراتيجية. أميركا القديمة كانت إحدى الدعائم الأساسية للحفاظ على عالم رأسمالي متعدد الحلفاء والخصوم الدوليين الذي تُوّج تحت مظلة الأمم المتحدة وسنّها للقانون والنظام الدوليين، أما "أميركا أولًا" فهي أميركا سيدة العالم دون منازع، وعلى الجميع خدمة مصالحها وأهدافها.
ويتضح ذلك من خلال التلويح بالانسحاب من حلف الناتو، الذي تُعد أميركا عموده الفقري، وهو ما عبّر عنه ترامب صراحةً حين قال إن روسيا والصين لا تخافان من الناتو دون أميركا؛ في رده على تصريحات رئيس وزراء جزيرة غرينلاند بأن أي عمل عسكري ضد الجزيرة سيفكك الناتو.
إنّ تهديدات ترامب بالاستحواذ على جزيرة غرينلاند، وتهديده كوبا وكولومبيا والمكسيك وإيران، تعبّر عن أن الولايات المتحدة الأميركية لن تتحمّل انزواء مكانتها أو القبول بعالمٍ متعدّد الأقطاب، كما تُبشّر به روسيا والصين. إنّ استراتيجية الأمن القومي الجديدة التي أعلنها البيت الأبيض تكشف أنّ المشكلة ليست مع روسيا، لا لأنّ ترامب "يحبّ الأقوياء" كما يدّعي الإعلام السطحي، بل لأنّ المشكلة الحقيقية أصبحت في حماية أوروبا وتحمل التكاليف الباهظة للتمويل العسكري، وهو ما يشكّل عبئًا اقتصاديًا كبيرًا على الولايات المتحدة الأميركية يفوق ما تجنيه منها اقتصاديًا.
إنّ فكّ الارتباط مع الحليفة التقليدية أوروبا، وإعادة تشكيل علاقة جديدة مع روسيا، يخدم المصالح الإمبريالية الأميركية. فروسيا تمثّل سوقًا كبيرة وواعدة، وتمتلك موارد معدنية ضخمة، ولا توجد معها مشكلة أيديولوجية حقيقية. كما أنّ متابعة تراجع وتسلسل المواقع الصناعية، حيث احتلّت الهند المرتبة الرابعة بعد إزاحة اليابان من قائمة الدول الصناعية، تعكس احتدام المنافسة بين الدول الرأسمالية.
وفي خضمّ هذا الصراع، تسعى الولايات المتحدة الأميركية إلى حماية مركزها الأول عبر تفوّقها العسكري لخدمة أهدافها الجيوسياسية والاقتصادية. وتعبّر مطالبة ترامب الأخيرة برفع موازنة وزارة الحرب (الدفاع سابقًا) إلى تريليون ونصف تريليون دولار عن هذا الطموح. إذ إنّ فائض القوة العسكرية لا يمكن أن يبقى منزويًا إلى الداخل مع استمرار السياسات القديمة، في ظل تراجع مكانة الولايات المتحدة، وانسداد الأسواق أمامها، ووجود محددات تعيق تقدّمها التكنولوجي.
التداعيات الخطيرة للسياسة الأميركية
إن الميزة التي تمتعت بها الإمبريالية القديمة كانت في استحواذها على ثروات البلدان المستعمَرة، ومنح جزء منها للطبقة العاملة في بلدانها، "أرستقراطية الطبقة العاملة". وقد استطاعت، عبر هذه السياسة، إفساد قسم كبير من الطبقة العاملة وتقوية النزعة المحافظة والإصلاحية في صفوفها، وكان ذلك واضحًا في بدايات الحرب العالمية الأولى، حين انضم العديد من القادة الاشتراكيين إلى الدفاع عن النزعة القومية والوطنية لبرجوازياتهم الحاكمة وتأييدها لحربها اللصوصية كما سماها فلاديمير لينين زعيم ثورة أكتوبر الروسية.
أما اليوم، فإن الأزمة الاقتصادية تعصف بالنظام الرأسمالي العالمي وتلقي بثقلها على الأوضاع المعيشية للطبقة العاملة في الولايات المتحدة وأوروبا التي باتت تتحدث، على لسان أحد أقطابها إيمانويل ماكرون، عن “استعمار جديد” -في رده على سياسات الإدارة الأميركية وتهديداتها للعديد من بلدان العالم لفرض الإذعان والهيمنة عليها-، تكشف بوضوح أن العالم القديم قد انتهى.
غير أن هذا التحول يكشف، في العمق، عن نهاية الامتيازات التي تمتعت بها الإمبريالية القديمة، حين كانت قادرة على شراء "السلم الاجتماعي" لحماية سلطتها الطبقية داخل بلدانها عبر توزيع جزء من ثروات المستعمرات على الطبقة العاملة. اليوم، تتآكل هذه القدرة، وتتدهور أوضاع العمال في الولايات المتحدة وأوروبا على حد سواء، فيما تعترف النخب الأوروبية البرجوازية بأن القارة باتت تواجه شكلًا جديدًا من أشكال الاستعمار.
كل ذلك يشير إلى حقيقة واحدة: العالم الذي وُلد بعد الحرب العالمية الثانية قد انتهى. وما نشهده اليوم ليس فوضى عابرة، بل مخاض نظام دولي جديد، تُعاد فيه صياغة موازين القوة، وتُسقَط فيه الأقنعة عن إمبريالية لم تعد قادرة على الاختباء خلف شعارات الديمقراطية وحقوق الإنسان.
إنّ واحدةً من أهمّ المخاطر تتمثّل في تهديد العالم بالعسكرتارية وتعميم الفوضى على عشرات البلدان. وهذا من شأنه أن يساهم في إطلاق العنان للقوة العسكرية لفرض السياسات بدلًا من الدبلوماسية والحوار. وعلى صعيدٍ آخر، فإنّ هذه الأجواء ستعمل على تقوية النزعات القومية والعنصرية الشوفينية، بما يشجّع التيارات القومية والحركات المعادية للنساء وللمهاجرين. وفي الوقت ذاته، تسهم هذه السياسات في إطلاق يد الحكومات في قمع الحريات السياسية وسحق المطالب العادلة للعمال، تحت ذريعة ردّ "العدوان الخارجي" و"حماية الوطن" و"الحدود القومية". وفي المحصّلة النهائية، سيكون العالم أمام جحيمٍ لا يُطاق، لم تشهد له البشرية مثيلًا في العصر الحديث كما نعيشه في هذه المرحلة.
إنّ الطريق نحو الحرية والأمان والسلام يمرّ عبر تضافر الجماهير والبشرية المتمدّنة في العالم، ولا سيّما في الغرب، وفي مقدمته الولايات المتحدة الأميركية. التجربة العملية والوقائع الملموسة تعلّمنا أنّه لولا الحركة الاحتجاجية والجبهة الإنسانية العالمية خلال تجربة غزو واحتلال العراق، لما انسحبت إسبانيا من التحالف الأميركي، ولحقت بها إيطاليا.
كما أنّ حركة الاحتجاج العالمية خلال العام الماضي أرغمت، على الأقل، على تخفيف حدّة الآلة العسكرية الوحشية ضد سكان غزة، وأسفرت عن طرح ما عُرف بخطة ترامب، رغم كلّ حملات التضليل التي رافقتها وساهمت في تعمية الرأي العام العالمي.