دول الخليج: من ملاذ إلى هوية دائمة
لم تكن الهجرة إلى سواحل الخليج بين القرنين الثامن عشر والتاسع عشر مجرد بحث عن الرزق، وإنما كانت رحلة في مفهوم الوطن والانتماء، والخطأ الشائع الذي يتكرر في كتابات المؤرخين هو حصر تلك الحركة في العوامل الاقتصادية، وهذا التبسيط ينهار عند أول احتكاك مع الوثائق والشواهد الأرشيفية الغنية بالتداعيات السياسية والاجتماعية.
فحص المصادر الأولية، من تقارير الوكلاء البريطانيين إلى السجلات العثمانية والروايات الموثقة، يكشف عن لوحة معقدة التقت وتفاعلت فيها الهويات، وكانت عوامل الطرد والجذب السياسي والأمني، وليس الاقتصاد وحده، هي المحرّك الرئيسي، حيث مثّلت الموانئ الناشئة (الكويت، البحرين، دبي، قطر) بيئات حاضنة للباحثين عن أمان نسبي وحكم محلي مرن، هربًا من الصراعات السياسية.
تتجلى هذه الصورة في الحالة الكويتية التأسيسية، حيث التحمت موجات الاستقرار بشكل متزامن، وبينما جاء تحالف "العتوب" حاملًا مشروعيته القبلية ومشروعه السياسي، كانت الطبيعة البحرية للمكان تقتضي منطقًا مختلفًا، هنا برزت "معادلة التأسيس الخليجية"، والتي يمكن وصفها بمعادلة المهارة والولاء مقابل الحماية والاعتراف.
لقد مثّل الساحل مختبرًا عظيمًا لتوليف هوية جديدة، جاء "ابن البر" محمّلًا بقيم العصبية والغلبة، والتقى "ابن البحر" بقيم المرونة والتعاقد، ولم يكن الانصهار تامًا، بل نشأ التحام خلّاق جمع بين الولاء القبلي والعقد المدني، بين حكمة الصحراء ومرونة البحر، وكانت الهوية ميثاقًا حيًا يتجدّد باستمرار مع كل إضافة بشرية مفيدة.
فمهارة القلاليف البحارنة في بناء السفن التقت بخبرة أهل الأحساء في إدارة المياه والزراعة، وبخبرة أهل نجد القبلية في تنظيم الجماعة والتكيّف مع البيئة الصحراوية القاسية. والتحمت هذه كلها بالمعارف التجارية والعمرانية التي حملها القادمون من العراق والشام، لتُضاف إليها خبرات التجارة العابرة للمحيطات التي جلبها القادمون من الضفة الشرقية للخليج ومن البر الفارسي، فتشكّل من هذا كله نسيج اقتصادي واجتماعي جديد.
وهكذا نسج هذا التدفق البشري متعدد المصادر "ذاكرة ساحلية مشتركة"، كما أنتج اقتصادًا ساحليًا متكاملًا، وأنتج ميثاقًا ضمنيًا حوّل التنوع من تحدٍ إلى مصدر للقوة، وتمازجت حكمة الإدارة القبلية مع براعة الملاحة البحرية، وتقنية إدارة الواحات مع شبكات التجارة البعيدة، وكانت السلطة المحلية تمنح الشرعية والحماية، في حين كان القادمون الجدد يقدّمون مهارتهم وولاءهم الميداني، الذي تجلّى في الدفاع عن المجتمع في منعطفاته المصيرية.
اليوم، وبينما تواجه دول الخليج تحولات غير مسبوقة في الداخل، وتحيط بها أوضاع إقليمية ودولية ملتهبة مليئة بالصراعات والتقلبات، يتبين أن نموذج التماسك القائم على الرفاه الاقتصادي وحده قد استنفد أغراضه. وأصبح التحدي الحقيقي مضاعفًا، ليس فقط في إدارة التنوع الداخلي، وإنما في تحصين الجبهة الداخلية وترميم أي خروقات في النسيج الاجتماعي، كشرط أساسي للثبات في وجه العواصف الخارجية.
ولذا فمن الغرابة أن تبرز أصوات عنصرية تنكر هذا المنطق التأسيسي ذاته، وتحاول اختزال تاريخ الخليج وروحه الوطنية في رواية ضيقة تحصرها في فئات محددة أو عوائل تجارية معينة، أو تحاول أن تصف شرائح اجتماعية بأنها جاءت طمعًا في ثروات الخليج، متجاهلةً أن عظمة الخليج نمت من كونه ملتقى للكفاءات والمهارات التي تحوّلت إلى جزء عضوي من جسده الاجتماعي، وأن أغلب هؤلاء جاءوا قبل اكتشاف النفط وقبل سنوات الرخاء.
نحن أمام فرصة تاريخية لإثراء الهوية من جديد، الخليج الذي استطاع تحويل السواحل المفتوحة إلى مجتمعات متماسكة، قادر بكل تأكيد على تحويل التحديات إلى دافع للتجديد، وهذا يحتاج إلى عقد اجتماعي ينظر إلى الهوية كمشروع مفتوح نبنيه معًا، على قاعدة المشاركة الفاعلة والمسؤولية المشتركة. فهذه هي الحكمة الخليجية المتجددة: فن تحويل الملاذات إلى أوطان دائمة ومستقرة.