نيكولا بورداس في 'الفكرة القاتلة': لماذا تنجح بعض الأفكار وتفشل أخرى؟

إن ما يميز رؤية بورداس في كتابه هو أنها ليست مجرد دليل للمسوقين أو السياسيين، بل رؤية للتأمل في مصير الأفكار نفسها، في علاقتها بالزمن والمجتمع واللغة.

يذهب كتاب "الفكرة القاتلة: السياسة، الأعمال، الثقافة" للكاتب الفرنسي نيكولا بورداس أبعد من مجرد تحليل تقني لظاهرة التواصل والأفكار، بل يحاول أن يرسم خريطة دقيقة لرحلة الفكرة منذ لحظة ولادتها الأولى حتى تحوّلها إلى قوة اجتماعية وسياسية وثقافية طاغية.

الكتاب، الذي ترجمته وفاء التومي بمراجعة د. نزار شقرون، وصدر عن وزارة الثقافة والرياضة في قطر، يفتح عوالم واسعة لفهم الأفكار من منظور جديد، أقرب إلى رؤية بيولوجية تجعلها كائنات حيّة لها ميلاد ونمو وموت، ولها بيئة ومناخ وظروف مناسبة لبقائها أو فنائها.

في مقدمته للكتاب، يرى بورداس أن "الأفكار تشبه الكائنات الحية، فهي تولد وتنمو وتتكاثر، وبعضها يموت قبل أن يرى النور، وبعضها الآخر يمدّ جذوره في التاريخ ليصبح جزءًا من وجدان البشرية". وانطلاقًا من هذا التصوير البيولوجي يمضي في رؤيته مؤكدًا أن "الفكرة ليست مجرد نزوة ذهنية أو لعبة لغوية، بل قوة تتغذى من السياق الاجتماعي والتاريخي، وتصارع من أجل البقاء وسط حشد من الأفكار المنافسة". ومن هنا يفتح سؤالًا محوريًا: لماذا تنجح بعض الأفكار وتفشل أخرى؟ ولماذا تتحوّل فكرة ما إلى إيديولوجيا شاملة، بينما تظل أخرى محصورة في كتب ومقالات محدودة التداول؟

يقسّم بورداس عمله إلى أربعة محاور رئيسية: الأول "مجتمع الاتصال والإمكانات الجديدة لبروز الأفكار"، الثاني "شروط نشوء الفكرة: السياق، القوة الهدامة، الترجمان والإطلاق"، الثالث "اتصال الفكرة: صيغته، رموزه، تاريخه، براهينه ووسائل الإعلام"، والرابع "كيف تتحوّل الأفكار إلى إيديولوجيات".

في المحور الأول يصف عالمنا المعاصر بأنه فضاء يعجّ بالوسائط والرموز، ويتيح للأفكار إمكانات غير مسبوقة للانتشار. يقول "إن وسائل الاتصال الحديثة جعلت من الممكن أن تنتقل الفكرة من ذهن فرد مجهول إلى ملايين البشر في غضون ساعات، لكنها في الوقت نفسه جعلت مصيرها أكثر هشاشة، فهي قد تُستهلك بسرعة وتنطفئ كما يختفي وميض البرق". هذا التصوير يلخّص التحدي المعاصر: وفرة الوسائل لا تضمن النجاح، بل تجعل الأفكار في سباق دائم على الانتباه.

أما المحور الثاني، فيتناول "شروط نشوء الفكرة". وهنا يتعمق بورداس في تحليل البيئة التي تسمح بظهور فكرة جديدة. فالفكرة ليست عابرة من فراغ، بل هي استجابة لإشكالية أو أزمة أو سؤال ملحّ. ويلفت إلى أن "كل فكرة عظيمة هي ثمرة توتر، إنها لا تنشأ في بيئة ساكنة بل في لحظة تتطلب التغيير. فإذا لم يكن هناك سؤال حارق فلن يكون هناك جواب في شكل فكرة". ويؤكد أن "السياق هو رحم الفكرة. غير أن السياق وحده لا يكفي، فالفكرة تحتاج إلى من يتبناها، من يمنحها لغة وصوتًا ورمزًا يجعلها قابلة للتداول. وهنا يظهر الفارق بين فكرة خاملة تموت عند أصحابها، وفكرة حيّة تتسرب إلى الوعي الجماعي".

كتاب 'الفكرة القاتلة'

المحور الثالث، "اتصال الفكرة"، هو من أكثر الفصول حيوية. إذ يوضح بورداس كيف أن مصير الفكرة مرهون بقدرتها على التواصل مع الناس. الفكرة لا تكتفي بوجودها في عقل صاحبها، بل تحتاج إلى رمز أو شعار أو سردية. ويرى أن "الفكرة التي لا تجد صورتها ولغتها تموت في صمت، أما الفكرة التي تجد رمزها فهي تبدأ رحلتها نحو التأثير.. هذا ينطبق على الشعارات السياسية ('الحرية، المساواة، الأخوّة') كما ينطبق على العلامات التجارية الكبرى في عالم الأعمال، حيث يتحول المنتج إلى فكرة تتجاوز وظيفته المباشرة لتصبح رمزًا لهوية أو أسلوب حياة".

ويضرب أمثلة عديدة من عالم التسويق والإعلان، ليثبت أن الأفكار التي نستهلكها يوميًا ليست مجرد سلع أو أخبار، بل رسائل محمّلة بدلالات. فهو يستدل بشعار "Just Do It"  الذي صار خطابًا عن الإرادة، وحملات كوكاكولا التي ربطت المنتج بالبهجة والجماعة، ورؤية آبل التي حوّلت الأجهزة إلى رمز للتميز والابتكار؛ ليؤكد أن ما نستهلكه يوميًا ليس سلعًا فقط، بل معانٍ ثقافية واجتماعية عميقة.

وفي المحور الرابع، "تحوّل الفكرة إلى إيديولوجيا"، يبلغ بورداس ذروة تحليله لطبيعة "الفكرة القاتلة". إذ يرى أنها ليست تلك التي تُثير الانتباه للحظة عابرة، بل التي تراكم قوتها وتتحول إلى منظومة فكرية قادرة على تغيير التاريخ. ويتابع "حين تتحول الفكرة إلى إيديولوجيا، فإنها لم تعد مجرد رأي أو شعار، بل أصبحت رؤية للعالم، خطابًا عامًا، منظومة قيم، وممارسة عملية. بهذا تصبح الإيديولوجيا الإطار الذي يمنح الفكرة القدرة على الاستمرار والهيمنة".

ويضيف محددًا شروط هذا التحول "لا تتحول الفكرة إلى إيديولوجيا إلا إذا امتلكت رمزًا جامعًا، وسردية مقنعة، وبيانًا تأسيسيًا واضحًا، وقيمًا أخلاقية قادرة على إقناع الناس، وأفعالًا تجسّدها في الواقع الملموس". عندها تصبح الإيديولوجيا قادرة على تشكيل مجتمعات بأكملها وإعادة صياغة نظم السياسة والثقافة والاقتصاد، لأنها لا تقدم نفسها كخيار ضمن خيارات، بل كإطار شامل يفسر العالم ويوجّه السلوك.

ويؤكد بورداس أن هذا التحول هو ما يفسر بقاء بعض الأفكار الكبرى لعقود وقرون، إذ تتحول إلى مرجعيات راسخة في الوعي الجمعي، تُلهم الحركات السياسية، وتدفع المجتمعات إلى خوض ثورات أو بناء مؤسسات جديدة. لكنه في الوقت نفسه يحذر من الوجه الآخر لهذه القوة "إن الإيديولوجيا يمكن أن تحرر كما يمكن أن تقمع، يمكن أن تفتح آفاقًا رحبة كما يمكن أن تُغلقها بإحكام.. فهي قد تمنح الأفراد معنى وهدفًا، لكنها أيضًا قد تسجنهم في قوالب مغلقة وتفرض عليهم قراءة واحدة للعالم".

الفكرة القاتلة قادرة على تجاوز الزمن والتقنيات لتعيش في الذاكرة الجماعية، لأنها لا تخاطب الأفراد فقط، بل تلبي حاجة رمزية عميقة في المجتمع

وينتقد بورداس التأثيرات المروعة للشبكات الاجتماعية والفضاء الرقمي، حيث يؤكد أن قوة الفكرة لم تعد مرتبطة فقط بجودتها أو عقلانيتها، بل بقدرتها على الانتشار السريع. ويكشف أنه "قد صار النجاح يقاس بسرعة الانتشار، لا بعمق الفكرة. ولذا قد نجد أنفسنا نحتفي بأفكار سطحية لمجرد أنها وجدت جمهورًا واسعًا، بينما تُترك أفكار عميقة في الظل". هذا النقد يُظهر وعيه بخطورة البيئة الإعلامية الحديثة، لكنه في الوقت نفسه يرى فيها فرصة للأفكار الخلّاقة إذا أحسنت استخدام أدوات الاتصال.

على مستوى التطبيقات العملية، يتوقف بورداس مطولًا عند السياسة والأعمال والثقافة بوصفها الساحات الكبرى التي تختبر فيها "الفكرة القاتلة" قوتها. ففي السياسة، يوضح أن "الأحزاب والحركات التاريخية التي غيّرت العالم لم تنتصر ببرامج تقنية معقدة أو بخطاب تفصيلي، بل بما امتلكته من فكرة جامعة وبسيطة في آن واحد. فالحزب الذي يختزل رسالته في فكرة يسهل فهمها وتكرارها، هو وحده القادر على أن يحشد الجماهير ويؤثر في مسار التاريخ". من هنا يشير إلى أن شعارات مثل الأمل في حملة باراك أوباما، أو الحرية والإخاء في الثورة الفرنسية، كانت أفكارًا قاتلة تجاوزت مضمونها السياسي لتتحول إلى رموز جمعية تعيد تشكيل الوعي العام.

وفي عالم الأعمال يلفت بورداس إلى أن العلامات التجارية الكبرى لا تعيش فقط على جودة منتجاتها، بل على الفكرة التي تبيعها للناس. يقول "لا تشتري نايكي حذاءً، بل تشتري تحديًا شخصيًا. ولا تشتري كوكاكولا مشروبًا، بل تشتري لحظة فرح. ولا تشتري آبل جهازًا، بل تشتري طريقة للتمايز عن الآخرين.. هنا تصبح الفكرة القاتلة هي القوة الخفية التي تمنح العلامة التجارية حياة أطول من أي منتج، وتجعل المستهلكين يرون في ما يشترونه هوية ومعنى يتجاوز الوظيفة المباشرة للسلعة".

أما في الثقافة والفنون، فيشير إلى أن الأعمال التي تستمر وتبقى في الذاكرة ليست بالضرورة الأكثر تعقيدًا أو تقنيًا، بل تلك التي حملت فكرة بسيطة وجذابة أثّرت في وعي الناس. فالأغنية التي يرددها الجميع ليست دائمًا الأكثر ابتكارًا موسيقيًا، بل الأكثر قدرة على لمس فكرة مشتركة. والفيلم الذي يعيش طويلاً ليس دائمًا الأعمق تصويرًا، بل ذاك الذي يقدم فكرة تختصر عصرًا بأكمله. وهكذا تصبح الفكرة القاتلة قادرة على تجاوز الزمن والتقنيات لتعيش في الذاكرة الجماعية، لأنها لا تخاطب الأفراد فقط، بل تلبي حاجة رمزية عميقة في المجتمع.

إن ما يميز رؤية بورداس في "الفكرة القاتلة" هو أنها ليست مجرد دليل للمسوقين أو السياسيين، بل رؤية للتأمل في مصير الأفكار نفسها، في علاقتها بالزمن والمجتمع واللغة، فهو يقدّم إطارًا نظريًا متينًا، لكنه يُطعمه بالمجازات والصور التي تجعل القارئ يرى الأفكار كأنها مخلوقات تتحرك في مسرح الحياة، تتصارع وتتحالف وتنهزم وتنتصر. بهذا المعنى، يمكن اعتباره كتابًا في "سوسيولوجيا الأفكار" بقدر ما هو كتاب في الاتصال والإعلام.

ويتركنا بورداس أمام قناعة أساسية: أن الأفكار هي التي تصنع العالم، وأن ما نعيشه من تحولات ليس سوى نتائج لصراعها. فإذا أردنا أن نفهم حاضرنا أو نصنع مستقبلنا، فعلينا أن نتعلم كيف تولد الأفكار، وكيف تنتشر، وكيف تتحوّل إلى قوى قاتلة تغيّر وجه التاريخ. إن "الفكرة القاتلة" ليس مجرد عنوان، بل وصف لآلية أزلية تحكم حياة البشر: الفكرة التي تنتصر هي التي تقتل منافساتها وتفرض نفسها على الجماعة، لتصبح جزءًا من نسيج العالم.