هل فشلنا في تكويـن هويـة ليبيـة

تجاوز المأزق الليبي لا يتطلب تنازلات بالمفهوم الصفري، بل يستلزم عقلا رشيدا قادرا على تفكيك العصبية وتفعيل مفهوم حق المواطنة الجامع في إطار قانوني وسياسي.

لا أرى ضرورة للخوض في نقاش حول الهوية الليبية التاريخية، إذ أنها قضية ذات أبعاد عميقة وخلافات واضحة منذ الحقبة العثمانية، وعبورا إلى تأسيس الدولة عام 1951، ومرورا بعام 1969، وما بعد 2011، حيث لا زالت الخلافات قائمة حتى يومنا هذا نظرا لغياب مفهوم حق المواطنة.

تشهد الساحة الليبية تنامي أصوات متباينة ومتفرقة، تشمل التركيبة القبلية، الجهوية، العرقية، المناطقية والسياسية بخلفياتها الضعيفة والمشوهة أحيانا، بالإضافة إلى أصوات ليبيي الشتات المنسيين، خاصة الجيل الثالث منه، مما يعكس تداخلا معقدا في من هو ليبي حسب تعريفه كل من يتحدث بعصبيته القاتلة.

قارة أوروبا تتعدد فيها أكثر من 200 لغة وتتنوع فيها أكثر من 80 مجموعة عرقية، مما جعل وعيها بعد الحرب العالمية الثانية الانتقال نحو التعايش السلمي وحق المواطنة لتحقيق التنمية والاستقرار. بالمثل، تعد أيضا ماليزيا مثالا على ذلك، حيث يتحدث شعبها 137 لغة وتضم تنوعا عرقيا واسعا، إلا أنها تبنّت مفهوم الهوية الوطنية الجامعة وحق المواطنة الذي ساهم في تجاوز الصراعات العرقية إلى أن حققت ازدهارها ونهضتها وأصبحت من الدول التي تتصّدر العالم إقتصاديا.

لقد أسهمت السياسات الإعلامية للحكومات المتعاقبة بالعاصمة طرابلس المتأثرة بالنزعة الدينية المتطرفة بعد ثورة فبراير، في تهميش هندسة تشكيل الشخصية الوطنية التوافقية، مما أدى إلى تآكل ملامح الهوية الجماعية، ومنها دفعت الدولة نحو تفكك بنيوي ديموغرافي خاصة بالغرب الليبي حيث يشهد الإقليم الطرابلسي نمو دويلات قزمية تتعايش فيه مع بعضها البعض تحت مضلة توازن الرعب والكل أصبعه على الزناد.

بلختصار، تتأرجح الدولة الليبية بين خيارين لا ثالث لهما، إما التوافق المجتمعي والسياسي، أو الاستمرار في حالة الانسداد والأزمات الممتدة. وبذلك تجاوز هذا المأزق لا يتطلب تنازلات بالمفهوم الصفري، بل يستلزم عقلا رشيدا قادرا على تفكيك العصبية بمفوهمها المغالط، وتفعيل مفهوم حق المواطنة الجامع في إطار قانوني وسياسي ليذوب فيه التفكك غير المبرر، ويفتح من خلاله مشروع إعادة بناء الهوية الوطنية وحماية الحدود وعودة السيادة والمصالح العليا للدولة، والانتقال من نمط الولاءات الفرعية إلى نمط الدولة الحديثة، وتحقيق التموضع الإيجابي للشعب الليبي كفاعل راقي السلوك بين البشرية على الكرة الأرضية وبجواز سفر يحترمه العالم عوضا عن أنه منبوذ يسبب النعرات السيئة والمتحجرة إن صح التعبير.