التدخلات الخارجية تُضعف تسوية الأزمة الليبية
منذ اليوم الأول لاندلاع الأزمة في ليبيا وما تلاها من اقتتالات أهلية وتداعيات أمنية، كان البُعد الدولي ملازماً للأزمة على مستويات مختلفة. وفجّر تقرير فرنسي نُشر مؤخراً نمطاً جديداً من الصراع الدولي في ليبيا عندما كشف عن وجود عناصر عسكرية أوكرانية في غرب ليبيا، وتزويد الحكومة في طرابلس بمسيّرات متقدمة؛ ما يعني أن ملامح من الصراع الروسي- الأوكراني لم تعد محصورة في نطاقها التقليدي.
تعزز هذه النوعية من المعلومات عملية مطاردة أمنية تقوم بها كييف ضد موسكو؛ فأينما حل الوجود الروسي، لاحقته أوكرانيا بالوقوف في الصف المقابل. وتحدث تقرير لإذاعة فرنسا الدولية في أول أبريل/نيسان 2026 عن وجود مئتي ضابط وخبير أوكراني في ثلاثة مواقع ليبية، بالتنسيق مع الحكومة المنتهية ولايتها في طرابلس، وبموجب اتفاق وُقّع في أكتوبر/تشرين الأول 2025.
المواقع الثلاثة هي: أكاديمية القوات الجوية في مصراتة، وتوجد بها أيضاً عناصر من القوات التركية والإيطالية وقيادة 'أفريكوم' الأميركية، ومركز استخباراتي بريطاني. والموقع الثاني في قاعدة بالزاوية مجهزة لإطلاق الطائرات المسيّرة قرب مجمع مليتة النفطي والموقع الثالث هو مقر 'اللواء 111' على طريق مطار طرابلس ويُستخدم للتنسيق مع قوات غرب ليبيا.
وراجت من قبل في وسائل إعلام عربية وأجنبية، بينها سي ان ان، معلومات حول دعم عسكري وجّهته أوكرانيا إلى قوات الدعم السريع لمواجهة ما قدمته روسيا لقوات الجيش السوداني، وكلاهما قيل إنه لعب دوراً متبادلاً في التطورات الميدانية للحرب بالسودان من خلال الطائرات المسيّرة التي تُقدّم لهما مباشرة أو عبر شبكات تهريب.
بدأت الملاحقة تظهر تجلياتها بشكل أوضح عندما زار رئيس أوكرانيا فولوديمير زيلينسكي دولاً خليجية عقب اندلاع الحرب على إيران، وعرض تقديم دعم عسكري لعدد منها، للحد من تأثير ما قدمته موسكو لإيران من دعم تقني ولوجيستي في حربها ضد الولايات المتحدة وإسرائيل، وتطوير علاقات كييف مع دول الخليج.
على الصعيد الليبي، يبدو الدعم العسكري الأوكراني لحكومة عبدالحميد الدبيبة (المنتهية ولايتها) في غرب ليبيا، هدفه موازنة مساندة روسيا للجيش الوطني الليبي بقيادة المشير خليفة حفتر في شرق ليبيا، والإيحاء بأن الوجود العسكري الروسي، ممثلاً في 'فيلق أفريقيا' بعد حل قوات 'فاغنر'، لن ينعم بالراحة، وأن كييف مصممة على أن تقضّ مضاجع موسكو في أماكن مختلفة من العالم.
عرفت الأزمة الليبية التدويل مبكراً؛ فنظام العقيد الليبي معمر القذافي سقط على يد قوات حلف الناتو، بعدها دخلت البلاد في نفق مظلم من الاقتتال والانقسام والتشرذم، وتعاظم دور المرتزقة والميليشيات والجماعات المسلحة. ويكمن أحد أسباب الانسداد وعدم التوصل إلى تسوية سياسية منتجة في صعوبة التفاهم بين قوى دولية عدة لها مصالح في الأراضي والسواحل الليبية؛ إذ بات الانقسام بين الشرق والغرب مريحاً إلى حد كبير لكثير من القوى الخارجية، لأن تكلفة التسوية قد تكون باهظة لغالبية القوى المنخرطة في الأزمة الليبية.
تسبب التباين في رؤى القوى المعنية بليبيا في تفشيل خطط ومبادرات جاءت من داخل ليبيا وخارجها، وإجهاض مساعٍ حاولت تصويب المسارات السياسية والعسكرية والأمنية والاقتصادية. ثمة من تعمدوا توظيف الخلافات لإطالة عمر الأزمة لدرجة أن أصبح عدم التوصل إلى حل خياراً مريحاً لعدد من الأطراف. ويقوّض الحفاظ على حالة السيولة التوجهات الرامية إلى إجراء انتخابات نزيهة، ويعطّل فرص اختيار قيادات نزيهة، ويُنهي ازدواجية النواحي السياسية والعسكرية والاقتصادية، ويوقف الوضع الشاذ الذي تعيشه ليبيا منذ حوالي خمسة عشر عاماً، ووجدت فيه جهات متعددة راحة وتأقلمت مع روافده.
نجمت عن هذه الحالة مجموعة من المخاطر الأمنية؛ فقد بدت الجماعات المسلحة ظاهرة فريدة في ليبيا بعد أن صارت جزءاً من الحكومة في طرابلس، وتلعب أدواراً مركبة: سياسية وعسكرية واقتصادية، ولها مناطق نفوذ معلومة لا يجب الاقتراب منها. أدى هذا التشويه إلى فشل خطة توحيد المؤسسة العسكرية، وجزء من هذا الفشل تتحمل مسؤوليته التدخلات الخارجية التي رأت في استمرار قطار الفوضى أداة للحفاظ على مصالحها، وأن توقفه سوف يخول لجهات وطنية إجراء محاسبة لمن تسببوا في تكريس الفجوة التي تعيشها ليبيا.
تحولت غالبية القوى المحلية إلى أذرع أو وكلاء لقوى خارجية؛ تستقوي بها، وتعمل من أجل تحقيق أغراضها والحصول على مزايا مادية سخية. ومن يبحث عن جذور الخلافات الداخلية سيجد أن الروافد الخارجية أسهمت في تغذيتها، وحالت عمداً دون التوصل إلى تسويات مرضية، جعلت الحفاظ على وحدة واستقرار الدولة محل شكوك في أحيان كثيرة؛ إذ وصلت تطلعات بعض القوى الدولية لعدم الاعتراض على شبح تقسيم ليبيا، إذا كان سبيلاً للحفاظ على مصالح هذه القوى.
بذل ليبيون وطنيون جهوداً مضنية لحصر السلاح في يد القوات الأمنية النظامية، وتفكيك الميليشيات، واستبعاد الطالح وتوظيف الصالح منها، والقضاء على ظاهرة الجماعات المسلحة، وانتشار المرتزقة الذين جلبتهم قوى خارجية معروفة لضبط الإيقاع العسكري بالصورة التي تمنع تهديد مصالحها في الأراضي الليبية، لكن باءت كل محاولات القضاء على العناصر الخارجة على القانون بالفشل، سواء تلك التي حملتها خطط تبنتها الأمم المتحدة، أو تلك التي عملت دول مجاورة على تطبيقها.
غرس المستفيدون من الفوضى أنصالهم في قلب ليبيا، وحولوا جزءاً من أرضيتها إلى حقل تجارب، وكرروا أخطاء تدخلات خارجية سابقة، أبرز نتائجها تفتيت المؤسسة العسكرية النظامية كضامن وطني للحفاظ على وحدة واستقرار الدول، وقطع الطريق على عملية توحيدها. تحولت ليبيا إلى ما يشبه المستنقع الأمني الذي لا فكاك منه، وزادت المطبات التي أوقفت كل مبادرة سعت إلى إنقاذ ليبيا.
وقعت ليبيا في براثن صراعات خارجية معقدة ليس لها علاقة مباشرة بها، ولا تزال تعاني من حسابات متناقضة تتبناها قوى دولية متباينة. ويكشف نموذج الصراع الروسي- الأوكراني عن حجم المعاناة التي وقعت على عاتق الليبيين، وعمق الاستغلال العسكري من قبل جهات وجدت في ليبيا ساحة جيدة لتصفية حساباتها. المشكلة أن لعبة الكر والفر المتدحرجة داخلياً، والغنائم التي تستهدفها القوى الخارجية وما تنطوي عليه من مصالح استراتيجية، كلها عوامل تؤثر على الحالة العامة في ليبيا، وتجهض الخطط السياسية وما تحمله من مخرجات إيجابية، وتبقي التوترات في مفاصل الدولة، كما تفرض قيوداً على التحركات الساعية للإصلاح الاقتصادي.
تملك ليبيا وفرة في الثروات الطبيعية يمكن الاستفادة منها في تجاوز حلقات الصراع بدلاً من البقاء فيها، والتوصل إلى تسوية توفر هدوءاً واستقراراً دائمين، يستطيع الليبيون جني مكاسب طائلة منها؛ فلا يجب أن يعانوا من التضخم والغلاء وتحت أقدامهم ثروة طائلة يتم تسخيرها لأهداف جماعات شاردة، ما يعرقل مشروعات تنموية واعدة، ويخيّب الظن في استثمارات يؤدي نجاحها إلى طفرة اقتصادية.
يعتقد ليبيون أن الأولوية يجب أن تكون لترتيب أركان البيت من الداخل، انطلاقاً من أجندة وطنية واضحة وتخطّي تجاذبات ممتدة. سيكون الاصطفاف خلف هذه المعاني وتحويلها إلى مضامين حقيقية كفيلاً للحد من تدخلات القوى الخارجية التي لم تجد من يردعها. إن بعثة الأمم المتحدة إلى ليبيا عاجزة عن التصرف العملياتي، وأسيرة في جزء معتبر من تصرفاتها لرؤية جهات احتكرت الحل والعقد فيها.
تأتي نقطة البداية من رحم وقف التدخلات الخارجية بكل صورها، واختيار واحدة من الخطط المطروحة لتنفيذها؛ لتكن مبادرة البعثة الأممية الأخيرة التي طرحتها رئيستها هانا تيتية لحل الأزمة الليبية مدخلاً لتجاوز الحالة الراهنة، مع تحسين بعض جوانبها. التراشقات التي دارت حولها سمة في كل الرؤى التي طُرحت لحل الأزمة الليبية، وأدت في النهاية إلى الدوران في حلقات مفرغة، أجادت بعض القوى الاستثمار فيها، بينما الحركة الجيدة يمكن أن تخلق واقعاً مغايراً يتم بناء ركائز وأسس مناسبة عليها.