هل يحسم الملف اللبناني مصير مفاوضات جنيف
أصبحت العاصمة السويسرية جنيف، محط أنظار، حيث انطلقت مفاوضات الـ60 يوما المتأرجحة بين طهران وواشنطن استنادًا إلى مذكرة التفاهم الأخيرة. ورغم تشعب الملفات، إلا أن المؤشرات الأولية تؤكد أن ملف لبنان وحزب الله سيشكل الاختبار الحقيقي الأول على هذه الطاولة المعقدة، وهو ما يعكس الترتيب المسبق لأولويات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في هندسة المشهد الإقليمي الجديد.
تتحرك الإدارة الأميركية الحالية وفق عقيدة تفاوضية واضحة، ترى في إنهاء حرب لبنان بوابة رئيسية لإنجاح مسار السلام بين بيروت وتل أبيب، لكن هذا التحرك ليس معزولا عن الهدف الأكبر والأكثر طموحا لترامب، وهو إنجاز الصفقة الكبرى بتوسيع "الاتفاقات الإبراهيمية" وإدماج المملكة العربية السعودية فيها، والتي تشارك بصفة مراقب أو شريك غير مباشر في هذه الجولة السويسرية، مما يمنح المفاوضات ثقلا استراتيجيا يتجاوز مجرد ترتيبات أمنية مؤقتة.
في هذا السياق، يبدو أن مقاربة البيت الأبيض لتفكيك العقدة اللبنانية تعتمد على ممارسة ضغوط غير مسبوقة على الجانب الإسرائيلي. وتشير القراءة الواقعية لتوجهات ترامب إلى أنه لن يتردد في إجبار تل أبيب على الانسحاب من جنوب لبنان إذا كان هذا الانسحاب هو الثمن المطلوب لتأمين جبهة الشمال الإسرائيلية وفتح المسار الدبلوماسي نحو الرياض. ولتحقيق هذه الغاية، تمتلك واشنطن ترسانة من أدوات الضغط، أخطرها ما جرى التلميح إليه مؤخرا بشأن إمكان تقليص أو تعليق بعض شحنات الأسلحة والمساعدات العسكرية الحيوية لإسرائيل.
هذه المقاربة الصارمة من إدارة ترامب بدأت بالفعل تُفجِّر أزمة صامتة لكنها حادة مع حكومة بنيامين نتنياهو. وهو يواجه حاليًا ضغوطًا هائلة، ويتولد لدى اليمين الحاكم في تل أبيب انطباع متزايد بأن البيت الأبيض يعاقب الحكومة الإسرائيلية بشكل مباشر على إصرارها على مواصلة العمليات العسكرية وتجاوز "الخطوط الصفراء" المتفق عليها خلف الكواليس. نتنياهو، الذي كان يراهن على تفويض مطلق من إدارة ترامب، يجد نفسه اليوم أمام جدار من البراغماتية الأميركية التي تقدم المصالح الاقتصادية، وتأمين الملاحة في المضائق، وتوسيع التحالفات الإقليمية، على الرغبات الأيديولوجية أو الحسابات الانتخابية الضيقة للحكومة الإسرائيلية.
الاختلافات في الرأي بين الطرفين لا تقتصر على الكلمات فقط، بل تترجم إلى ضغط سياسي شديد على الأرض. وخلال الأسبوع الماضي، أجبرت الإدارة الأميركية إسرائيل على إلغاء الهجمات الانتقامية المخطط لها في إيران، وطالبت بعدم استهداف الشمال اللبناني. بالإضافة إلى ذلك، رفض ترامب السماح لإسرائيل بمراجعة مذكرة التفاهم التي يتم إعدادها بين واشنطن وطهران، والتي عرضت على تل أبيب كأمر واقع فعلا.
إن الأحداث الأخيرة تكشف إلى أي حد يمكن أن يتخلى ترامب عن حليفه مقابل تمرير مشروعه للسلام الذي بدأه منذ فترة ولايته الأولى. وتصريحاته في قمة السبعة التي انتقد فيها نتنياهو لم تكن مفاجئة لتكرارها في أكثر من مناسبة، وقال "بيبي رجل طيب. إنه ينفعل قليلاً أحياناً. لكن لدينا شراكة رائعة. نحن الشريك الكبير وهو الشريك الصغير جداً". وقبلها بأيام، قال لموقع أكسيوس إن نتنياهو "لا يملك أي حس بالحكمة".
وعبارة "بيبي رجل جيد، لكن..." تشير إلى احتمال تهميشه كمرحلة أولى، وإذا تمادى في تحدي ترامب فقد تصل الأمور إلى الإضرار بالمصالح الإسرائيلية.
و"لكن" التي يرددها الرئيس الأميركي هي جوهر القصة، حيث يسعى البيت الأبيض إلى إبرام صفقات وإنهاء الصراعات، حتى لو كان ذلك يعني بقاء مخاوف حلفائه القدامى دون إجابة. في الوقت الراهن، لا تكمن مشكلة إسرائيل الحقيقية في بنود الاتفاق فحسب، بل في كونها معزولة في الحملة السياسية في مواجهة واقع عالمي يتغير بوتيرة متسارعة.
المسؤولون الإسرائيليون يرون أنهم أمام كارثة استراتيجية وسياسية. فقد وعد نتنياهو ناخبيه بـ"نصر كامل" على إيران. لكنه اضطر في النهاية إلى الاكتفاء بمذكرة التفاهم التي أبرمها ترامب، وما رافقها من انتقادات متكررة من الرئيس، وذلك قبل أربعة أشهر من الانتخابات.
يبدو نتنياهو اليوم أكثر عزلة في موقفه بأن الاتفاق كان خطأً وكان ينبغي أن تستمر الحرب. وتأتي الأزمة الحالية في وقت سياسي حرج، قبيل الانتخابات الإسرائيلية المقررة في سبتمبر أو أكتوبر. وتظهر استطلاعات الرأي الأخيرة أن الليكود قد لا يحصل على أغلبية في الكنيست لتشكيل حكومة في الانتخابات القادمة.
العلاقة الوثيقة بينه والرئيس الأميركي دونالد ترامب، والتي كانت لسنوات بمثابة ورقته الرابحة في حملات إسرائيل الانتخابية، أصبحت الآن عبئا سياسياً ثقيلاً قد يؤدي إلى سقوطه.
بالنسبة لإسرائيل، فقد نجت إيران. ونجا النظام ووكلاؤه في المنطقة. ولا تزال قدرته على التأثير في الأحداث الإقليمية قائمة. فيما لا تزال المسألة النووية دون حل. والاتفاق الذي ربما يفتقر إلى المكاسب السياسية، لكنه أصبح وسيلة لإدارة التداعيات السياسية لمواجهة لم تسفر عن تحول استراتيجي حاسم.
إن مفاوضات جنيف، بطرحها لملف لبنان كأولوية قصوى، تثبت أن الإدارة الأميركية مستعدة لتوظيف كامل ثقلها لفرض التهدئة، حتى لو تطلب الأمر الدخول في مواجهة دبلوماسية مكشوفة مع حليفها الأقرب بالمنطقة. تفكيك جبهة جنوب لبنان تحت رعاية دولية وضمانات مشتركة قد يكون هو حجر الزاوية الذي سيبني عليه ترامب انتصاره الدبلوماسي الأكبر، تاركا نتنياهو أمام خيارات أحلاها مر: الاستجابة لرؤية واشنطن، أو تحمل تبعات الغضب الأمريكي في لحظة إقليمية فارقة. وكما قال ترامب نفسه فيما يتعلق بتغير ميزان القوى بين البلدين "نحن الشريك الأكبر، وهو الشريك الصغير جدا."