ترامب يحصل على جائزته.. ونتنياهو يواجه مصيره
الرئيس الأميركي دونالد ترامب ربما يكون قد حصل على مبتغاه من توقيع مذكرة التفاهم مع إيران، وهو الآن يبحث عن اللحظة التي يمكنه فيها الوقوف أمام الكاميرات وإعلان أنه أنقذ الاقتصاد العالمي وأعاد النظام إلى الشرق الأوسط.
أما إسرائيل شريكه في الحرب، فهي أكثر الأطراف الخاسرة، والتصريحات الغاضبة لإسرائيل كاتس وزير الدفاع، بعدم الانسحاب من لبنان وسوريا وغزة، فضلا عن تجاهل بنيامين نتنياهو للاتفاق يكشف كيف تراه تل أبيب.
العلاقات بين دونالد ترامب ونتنياهو باتت تحتاج إلى فك شفرتها، فالطرفان دخلا الحرب على طهران كحليفين وانتهت بأزمة قد تكون غير مسبوقة. ورغم أن تل أبيب تم استبعادها من الاتفاق، إلا أنه وضع عليها التزامات وقيوداً في الجبهة اللبنانية، وهذا في حد ذاته يضيق هامش المناورة لنتنياهو الذي يعاني من تصدع داخل حكومته وتراجع أسهمه قبل الانتخابات المقبلة.
ليس هذا آخر أزماته، فهناك الجيش المرهق الذي يقترب من دخوله عامه الثالث وهو في حالة تعبئة، والآن أصبح منتشرا على مساحات كبيرة داخل الأراضي اللبنانية يواجه هجمات ومسيرات حزب الله في الجنوب، دون معرفة كيف سيكون مستقبل هذا الانتشار في ظل القيود المفروضة بموجب الاتفاق.
والسؤال، هل الأزمة بين ترامب ونتنياهو حقيقية أم أنها لعبة توزيع أدوار تمنح كلا منهما مساحة للمناورة لتحقيق مكاسب على ساحته؟
فعليا الرئيس الأميركي كان مصراً على التوصل لاتفاق من نوع ما مع إيران للخروج من ورطة الحرب، وهو يعتقد في الوقت نفسه أنه، حتى لو اندلعت مواجهة جديدة بين إيران وإسرائيل، وهو احتمال لا يزال قائماً، فإن واشنطن في هذه الحالة يمكنها العودة لممارسة دورها السابق كصمام أمان لإسرائيل دون الانغماس في الحرب، بالإضافة إلى دورها السياسي في الضغط على طهران.
يدرك ترامب أن الطريق نحو اتفاق دائم مع إيران لا يزال طويلا، وأن التفاهم الحالي يهدف أولا وقبل كل شيء إلى كسب الوقت، واستقرار الأسواق، وتجنب الصدمات الاقتصادية، بالإضافة إلى العبور بهدوء من مرحلة انتخابات الكونغرس النصفية.
لكن ذلك لا يعني أنه غير غاضب من نتنياهو، والمحادثة الهاتفية الأخيرة بين الاثنين كانت صعبة، لكن هذا لا يؤدي إلى تغيير استراتيجي أو انهيار في العلاقة، فالأوضاع المعقدة بين تل أبيب وواشنطن لا تسمح للتوتر الشخصي أن يصل إلى تغيير جذري في المصالح المشتركة بين الدولتين.
على كل حال، سواء كان الخلاف بين الطرفين حقيقيا أو لعبة توزيع أدوار، فإن مهمة إسرائيل الآن هي ضمان ألا ينتهي أي اتفاق ببقاء قدرات إيران النووية أو الصاروخية، فهي تعتبر نفسها فعليا غير ملزمة بأي تفاهمات، ولديها مساحة كافية من الحركة والمناورة على كافة الجبهات للعمل فيها بكل الطرق وفقا لما تراه متوافقا مع مصالحها الأمنية، لكن الأمر الذي قد يعرقل خططها مرهون بحجم ما يمكن أن تقدمه الولايات المتحدة من مساعدات عسكرية لتل أبيب. قبل أسابيع ذكر ترامب أن إرضاء إسرائيل سيكون بمزيد من صفقات السلاح.
صحيح إسرائيل يمكنها شن هجمات على إيران مستقبلا، لكنها لن تكون حاسمة، فهي أولا، لا تمتلك قنابل أعماق يمكنها ضرب منشآت طهران النووية على عمق 60 مترا تحت الأرض، ولا تمتلك القاذفات "B2" التي يمكنها حمل تلك القنابل، فضلا عن أنها ستحتاج دائما إلى اللوجستيات الخاصة بالدفاعات الجوية الأميركية للإعاقة والسيطرة على دولة بحدود وجغرافيا إيران.
المسؤولون في القدس يفهمون هذه الفجوة جيدا. هنا تكمن الدراما الحقيقية في علاقات ترامب ونتنياهو، ليس في المؤتمرات الصحفية أو الفيديوهات أو المديح المتبادل المصمم بشكل أساسي للجمهور المحلي، بل في الخيوط الحقيقية التي يتحكم فيها ترامب مع نتنياهو.
ترامب غير مستعد لأن يسمح لنتنياهو بإدارة جدوله الزمني، في حين يرى رئيس الوزراء الإسرائيلي أن إيران مشروع حياته وأحد آخر أصوله السياسية الكبرى. أما ترامب فإيران بالنسبة له مجرد ملف يجب إغلاقه قبل أن يستهلك تطلعاته فيما تبقى من مدته الرئاسية.
حتى ورقة الجبهة اللبنانية التي يلوح بها نتنياهو لإفساد الاتفاق، قد تتناسب تماما مع الجهود الأمريكية الأوسع تجاه إيران. ومن وجهة نظر واشنطن، كل جبهة تمثل ورقة ضغط إضافية في يد واشنطن. فإذا وجهت تل أبيب ضربة لبيروت، واستخدمتها طهران ذريعة للانسحاب من المفاوضات، فإن البيت الأبيض سيضغط على القدس وربما هناك ما هو أكثر خاصة مع ترامب.
في المقابل، ربما تكون الورقة الأنسب لإسرائيل لحرق الاتفاق هي اللعب على الخلافات داخل الإدارة الأميركية التي تراه أسوأ من اتفاق 2015. بالنسبة لنتنياهو، لا يوجد مجال كبير للمناورة، يمكنه مدح ترامب، وتسريب تقارير عن مواطن الخلل في الاتفاقية وكيف يمكن أن تهدد تلك البنود أمن أوروبا والولايات المتحدة مستقبلا.
وفي الشرق الأوسط، كما هو الحال دائما، فالطريق نحو أي اتفاق يمر أولا عبر الدخان والنار، ثم التصريحات والنفي، ثم التوقيع على بنود ربما لن يتم الكشف عن أغلبها في كل الأحوال، ما يترك الجميع غارقين في التكهنات.
هذا الصراع أثبت أن الواقع أكثر تعقيدا مما يبدو، فالولايات المتحدة التي ضربت إيران أولا بهدف إسقاط النظام بطريقة هوليوودية أشبه بعملية فنزويلا، انتهى بها المطاف بحثا عن حل مع نفس النظام على طاولة المفاوضات؛ ونظام إيران، الذي كان قاب قوسين أو أدنى من السقوط تحت ضربات المظاهرات الداخلية والحصار الخانق، عاد ليفرض شروطه بشكل أفضل؛ أما إسرائيل التي كانت تعتقد أن الأميركيين سيذهبون معها إلى النهاية، ففوجئوا أنهم تركوا وحدهم مع خيبة أمل كبيرة وحظوظ أقل في إمكانية استعادة المبادرة لجولة جديدة دون دعم أمريكي كامل، أما نتنياهو فترك وحيدا في مواجهة مصيره غير المضمون.