هندسة القدر بين الوهم والسيادة في 'علي بابا والأربعون حبيبة'

العرّافة في رواية عزالدين جلاوجي لا تقف عند حدود الإخبار، بل تتحوّل إلى جهاز إدراكي سابق على الزمن نفسه، كأنها لا ترى المستقبل بل تكتب شروط حدوثه قبل أن يولد.
ضحى عبدالرؤوف المل
بيروت

لا تقف العرّافة في رواية "علي بابا والأربعون حبيبة" للروائي عزالدين جلاوجي عند حدود الإخبار، بل تتحوّل إلى جهاز إدراكي سابق على الزمن نفسه، كأنها لا ترى المستقبل بل تكتب شروط حدوثه قبل أن يولد. كما أنها ليست وسيطاً بين الغيب والإنسان، بل بين الإنسان وتصوراته عن نفسه. حين تتكلم، لا تنقل معرفة، بل تُعيد تشكيل البنية النفسية للشخصيات بحيث تتصرف كما لو أن ما قيل حقيقة واقعة بالفعل. إذ تنقلب العلاقة التقليدية بين القول والحدث، فالقول لا يتبع الحدث، بل يسبقه ويخلقه. لذلك لا تعود النبوءة وصفاً، بل تصبح فعلًا تأسيسياً يشبه زرع بذرة في تربة الوعي الإنساني، وتعيد ترتيب القرار، وتحوّل الاحتمال إلى مسار شبه حتمي. فالعرافة ليست شخصية داخل الرواية، بل تملك المقدرة على تحقيق الواقع إن صح لي قول ذلك، تعمل بصمت داخل وعي الآخرين، فتجعلهم يتحركون وكأنهم ينفذون سيناريو لم يُكتب بعد لكنه أُعلن بالفعل. فهل التنبؤ كقوة لغوية تُعيد اختراع الواقع لا تفسيره في هذه الرواية ؟

التنبؤ تحديداً في هذه الرواية هو أقصى تجليات السلطة اللغوية، إذ لا يكتفي بوصف ما قد يحدث، بل يفرض على الشخصيات طريقة رؤية ما يحدث. عندما تقول العرافة إن "العقب سينقطع" أو أن هناك "تحوّلًا في المصير"، فهي لا تقدم معلومة بل تخلق حالة ذهنية تجعل كل حركة لاحقة مشبعة بالخوف من التحقق. هنا تتحول اللغة إلى قوة غير مرئية تُمارس ضغطاً على الزمن، فتجعل المستقبل يبدو كأنه قد وقع بالفعل، والواقع الحالي مجرد محاولة لتبرير ما قيل مسبقاً. وهذا الانقلاب اللغوي هو ما يجعل السرد يعيش على حافة القدر المصنوع، حيث لا شيء بريء، وكل تفصيل صغير قد يتحول إلى علامة تؤكد النبوءة أو تنفيها، لكنه في كلتا الحالتين يبقى خاضعاً لسلطتها.

ما تفعله العرافة في العمق ليس غيباً بل سياسة، لكنها سياسة من نوع آخر، لا تعتمد على القوانين أو السيوف بل على تشكيل الإدراك الجمعي. الأمير لا يحكم وحده، بل يحكم داخل مجال تأويلي تصنعه العرافة، حيث تصبح كل خطوة سياسية مرتبطة بإشارة رمزية أو حلم أو رؤية. هكذا يتحوّل القرار السياسي من كونه اختياراً عقلانياً إلى كونه استجابة نفسية لنبوءة غامضة. إن أخطر ما في هذا البناء هو أن العرافة لا تأمر مباشرة، بل تُنتج إجماعاً خفياً يجعل الجميع يظن أن ما يفعلونه هو اختيارهم، بينما هم في الحقيقة يتحركون داخل شبكة من التوقعات المسبقة. السلطة في الرواية لا تُمارس بالقوة بل بالتفسير، ولا تُفرض بالقهر بل بالإيحاء، مما يجعلها أكثر رسوخاً من أي سلطة مادية.

لكن أحد أكثر الأبعاد عمقاً في الرواية  هو أن التنبؤ لا يمنح الطمأنينة، بل يخلق قلقاً لا ينطفئ. فكل نبوءة تُقال لا تُغلق المعنى بل تفتحه على احتمالات كارثية، تجعل الشخصيات تعيش في حالة ترقب دائم لما لم يحدث بعد لكنه حاضر نفسياً بكل ثقله. الخوف من "انقطاع العقب" ليس مجرد خوف بيولوجي من النسل، بل هو خوف من توقف الزمن نفسه داخل الذات. وهكذا يصبح المستقبل عبئاً على الحاضر، ويُعاد تشكيل العلاقات الإنسانية ،الحب، الزواج، السلطة ، بوصفها محاولات يائسة للتحكم في مصير لم يعد قابلًا للضبط. العرافة  لا تقول المستقبل، بل تزرع فكرة أن المستقبل قد يكون عدوانياً، وأن كل لحظة قد تكون بداية انهيار غير مرئي.

أما شخصية علي بابا تعيش داخل توتر دائم بين إرادة الحركة الحرة وبين شبكة التفسير التي تلتف حوله. هو ليس محاصراً بالقوة المباشرة، بل محاصر بالمعنى الذي يُصنع حوله. كل بطولة يقوم بها لا تُقرأ كفعل مستقل، بل كتحقق لرؤية سابقة. وهذا ما يجعل بطولته مزدوجة، فهو من جهة فاعل قوي، ومن جهة أخرى مادة قابلة للتأويل. حتى حبه وبحثه عن ذاته لا يخرجان عن هذا الإطار، إذ يُعاد تفسير كل انفعال داخلي لديه بوصفه علامة على مصير مكتوب. وهكذا يصبح البطل في الرواية ليس من يغير العالم، بل من يُعاد تفسيره باستمرار حتى يفقد القدرة على أن يكون خارج التفسير.

أما الأنثى في الرواية ليست عنصراً ثانوياً، بل ساحة صراع بين قوتين هما الرغبة الفردية من جهة، والتخطيط القدري من جهة أخرى. بدر البدور تمثل الرغبة الطبيعية التي تحاول أن تختار، بينما بدر الأكوان تمثل امتداداً لنظام العرافة الذي يريد ضبط الاختيار نفسه. كما يتحول الجمال من كونه صفة إلى كونه وظيفة سياسية، حيث يصبح معيار اختيار الزوج أو المستقبل مرتبطاً بما يخدم استمرارية النبوءة لا استمرارية الذات. هذا التوتر يجعل الأنوثة في النص محاصرة بين صورتين هما صورة تحب وتختار، وصورة تُختار وتُوجَّه. وفي كلا الحالتين، لا تُترك المرأة خارج نظام التنبؤ، بل تُدمج فيه كعنصر أساسي في إعادة إنتاج السلطة.

في عالم هذه الرواية، الشرعية لا تأتي من القانون بل من النبوءة. أي أن ما يُتفق عليه لا يصبح صحيحاً لأنه قانوني، بل لأنه مُتوقع غيبياً. وهذا التحول يجعل كل بنية السلطة تستند إلى أساس غير مرئي لكنه أكثر تأثيراً من الواقع نفسه. فالعرافة حين تتكلم تمنح أفعال الشخصيات غطاءً قدرياً يجعل الاعتراض عليها شبه مستحيل، لأن الاعتراض لا يكون على شخص بل على مصير. وهكذا تتحول النبوءة إلى دستور غير مكتوب، يتحكم في العلاقات الاجتماعية والسياسية دون أن يظهر كقوة مباشرة، بل كإحساس عام بأن ما يحدث كان يجب أن يحدث.

أحد أكثر التحولات جذرية في الرواية، هو انهيار الخط الفاصل بين تفسير الحدث وصناعته. فحين تُقال النبوءة، فإنها لا تشرح الواقع بل تدفعه للتحقق. وحين يُخاف منها، يصبح الخوف نفسه جزءا من تحققها. بهذا المعنى، لا يمكن فصل العرافة عن الأحداث، لأنها ليست خارجها بل داخل بنيتها التكوينية. حتى اللحظات البطولية أو العاطفية تبدو وكأنها تُنفذ ضمن سيناريو تأويلي سابق. وهذا يجعل الرواية بأكملها أقرب إلى دائرة مغلقة.  فالقول يولد الفعل، والفعل يعيد تأكيد القول، دون نقطة بداية واضحة.

العرافة في عالم عزالدين جلاوجي ليس كمتنبئة، بل كـوعي أعلى داخل الرواية، يراقب الشخصيات ويعيد تشكيلها عبر اللغة. إنها ليست خارج العالم بل فوقه تأويلياً، تتحكم في طريقة فهمه أكثر مما تتحكم في أحداثه. أما التنبؤ فهو الأداة التي تجعل هذا الوعي يعمل، لأنه يحوّل الاحتمال إلى معنى، والمعنى إلى سلوك، والسلوك إلى قدر. ويفرض بهذا على القارىء أن يسأل نفسه هل النبوءة صحيحة؟ بل السؤال الأعمق هو من يملك حق تعريف ما يُعتبر حقيقة؟ وفي هذا السؤال تحديداً، تكمن عبقرية الكاتب إذ يجعلنا نرى أن أخطر ما في التنبؤ ليس أنه يكشف المستقبل، بل أنه يعيد تعريف الحاضر بحيث لا يعود الحاضر قادراً  على الهروب مما قيل عنه. فهل العرافة في رواية "علي بابا والأربعون حبيبة" تُشكّل إعادة اختراع للغيب في الرواية العربية الحديثة؟