بومدين بلكبير يطلق 'سندروم رجل المدن العارية' احتجاجاً سردياً على صعود اليمين واغتراب الذات

الروائي الجزائري يفكك في روايته أزمة الاغتراب النفسي والوجودي للمهاجر المعاصر في ظل صعود اليمين المتطرف وتحوّل المدينة الغربية إلى كيان ينهش الهوية والذاكرة.

يُطل الكاتب والروائي الجزائري بومدين بلكبير على قرّائه برواية جديدة تحمل عنواناً لافتاً ومشحوناً بكثافة دلالية هو "سندروم رجل المدن العارية". هذا العنوان يثير الفضول الفكري والجمالي منذ الوهلة الأولى، حيث يخلق تداخله اللفظي إحساساً عميقاً بأن الرواية تتناول أزمة الإنسان المعاصر في أبعادها الكبرى، متجاوزةً مأزق الفرد المعزول لتشتبك مع "المدينة" بوصفها فضاءً حضرياً وثقافياً مأزوماً يعيش فيه هذا الإنسان ويتأثر بتحولاته.

في جوهرها، لا تتوقف هذه الرواية الصادرة أخيرا عن منشورات "المتوسط" في ميلانو بإيطاليا، عند قضايا المهاجرين بالمعنى التقليدي السائد، بل تبحر عميقاً في مأساة الإنسان المعاصر المتألم في مطلق وجوده. وتأتي "سندروم" كسياق متصل وامتداد طبيعي للمشروع الروائي الطموح الذي بناه بومدين بلكبير عبر أعماله السابقة مثل "خرافة الرجل القوي"، "زوج بغال"، "ثلاث حيوات لرجل واحد"، "زنقة الطليان"، و"عدو غير مرئي"؛ لتشكل الرواية الجديدة تتويجاً حقيقياً لمسار فني وإنساني يذهب بعيداً في سبر أغوار الذات، ويتحدى الصور النمطية والجاهزة، مقدماً شكلاً جديداً ومتفرداً من أشكال الاحتجاج السردي.

لقد ركزت معظم الأعمال السردية والسينمائية المعاصرة على قضية الهجرة غير الشرعية بطرق مباشرة ومكررة؛ تراوحت بين تتبع رحلات العبور القاسية والخطيرة عبر الصحاري والبحار، ورصد معاناة المهاجرين في مراكز الاحتجاز البائسة فور وصولهم، أو توثيق ترحيلهم القسري إلى بلدانهم الأصلية. وفي مقابل هذا الطرح التقليدي، ظهرت أعمال أدبية غربية وعربية تستشرف مستقبلاً تسيطر فيه أجيال المهاجرين المسلمين على مقاليد الحكم في القارة العجوز، كما هو الحال في رواية "الاستسلام" (2015) للفرنسي ميشيل ويلبيك، والتي تتخيل فوز مرشح مسلم في الانتخابات الرئاسية الفرنسية، أو رواية "2084: نهاية العالم" للروائي بوعلام صنصال، والتي رسمت صورة قاتمة لأوروبا خاضعة للتشدد الديني.

لكن رواية "سندروم رجل المدن العارية" لبومدين بلكبير تقترح مساراً معاكساً ومختلفاً تماماً؛ فهي لا تنسج على منوال السرديات الغربية المتحاملة، بل تتخيل سيناريو أكثر واقعية وقتامة يتمثل في صعود اليمين المتطرف إلى سدة الحكم، وتحول أوروبا إلى كيان عنصري وحشي يطرد الآخر، ويرفض التعددية، ويقمع كل من هو مختلف. من هنا، تغوص الرواية في تفاصيل مأساوية من الحياة اليومية للمهاجرين، حيث لا تتوقف العنصرية عند حدود الممارسات الخارجية، بل تتحول إلى اضطراب نفسي وعصابي عميق يصيب بطل الرواية، "حميد غطاس"، الذي يعيش في العاصمة السويدية ستوكهولم، ويعاني مما يمكن تسميته بـ"متلازمة المدن العارية".

بعد مرور أكثر من خمسين عاماً على صياغة المفهوم النفسي الشهير "متلازمة ستوكهولم" (1973)، يمنحنا بلكبير عبر هذا العمل "سندرومًا" جديداً، ينهل بقوة من الخيال الروائي الخصب لكنه يتكئ بثقله على الواقع المعيش: اغتراب نفسي عميق، وهلاوس، وكوابيس، وتهيؤات تنبع كلها من فوضى الداخل وقلق الهوية الممزقة.

تحوّل الرواية هذه الانفعالات الحادة إلى لغة سردية مشحونة وعالية الحساسية، تصوِّر السويد لا كملاذ آمن أو فردوس موعود، بل كمدينة مفترسة تنهش ذاكرة المهاجر، وتعيد تشكيله على نحو بالغ الألم. وفي هذا الفضاء، تتحول المدينة نفسها إلى كيان حي، يشبه الإنسان، في علاقة جدلية معقدة تتماهى فيها الأمكنة الجغرافية مع النفوس البشرية وتنعكس فيها قسوة العمران على البناء الداخلي للشخصية.

يقدم بلكبير في هذا السياق عملاً مركباً لا ينشغل بالتوثيق الفوتوغرافي للواقع، بقدر ما يبحر في أعماق النفس البشرية، مستثمراً الاشتباك الدائم بين الحلم والواقع، واللاوعي والوعي، ليقول ببراعة وثقة: إن الهوية لا تُحمل في جوازات السفر أو الوثائق الرسمية، بل تسكن في أعماق اللاوعي، وفي الحلم الذي يملك وحده القدرة على تجميع ما تفرق، وخلق مساحة تخييلية تتخطى كل الكليشيهات الجاهزة.

إن "حميد غطاس" ليس مهاجراً غاضباً يسعى للتدمير والانتقام المادي كما تصوره السرديات الأوروبية النمطية، بل هو مهاجر مفكك، هش، يعاني من الداخل ومن وطأة عنف صامت ومكتوم. وهنا تبرز المفارقة الجلية بينه وبين شخصيات روائية أخرى، مثل شخصية "خليل" في رواية ياسمينة خضرا؛ فبينما يظهر "خليل" كأداة من أدوات العنف المادي الخارجي، يختار بلكبير أن يجعل ألم بطله صامتاً، داخلياً، ونفسانياً بامتياز.

لا يفهم "حميد غطاس" مدينته الجديدة، ولا يمتلك أدواتها المعرفية ولا مظلتها الثقافية التي تحميه من تقلباتها؛ إنه يعيش عزلة خانقة تختزلها جملة بسيطة ومركزية وردت في الرواية: "الجميع يفهم ستوكهولم، إلا هو". بناءً على هذا العجز الاندماجي، لا يجد البطل ملاذاً يحتمى به سوى شقته الضيقة، وتلك الذاكرة الحية التي ترفض أن تتركه بل تطارده بلا هوادة.

هذا الاغتراب في العمل ليس مكانياً وعابراً فحسب، بل هو اغتراب وجودي يمتد ليشمل الشخصيات الأخرى في الرواية، والتي لا تبدو أقل تمزقاً وتشتتاً منه؛ فالحنين إلى المدن الأصلية لا يزول أو يخبو مع الوقت، بل يتناسل ويتضخم باستمرار، حتى في ظل سادية المدن الجديدة وجفائها المتزايد.

إن "سندروم رجل المدن العارية" ليست رواية ترفيهية أو عملاً يهدف إلى التسلية العابرة، بل هي محاولة جادة وعميقة لتعميق فهمنا للذات البشرية ولتحولات العالم، واستكشاف تلك المناطق المعتمة والمهمشة التي يسقطها التحليل السياسي أو الصحفي أو الإعلامي من حساباته. بومدين بلكبير في هذا العمل لا يعيد إنتاج الواقع السطحي، بل يعيد مساءلته وتفكيك بنيته، مؤكداً من جديد أن كل رواية يصدرها لا تشكل نهاية مطاف أو مجرد محطة عادية، بل هي قفزة نوعية جديدة في مشروع روائي آخذ في التجدد، الاختلاف، والتميز.

يذكر أن بومدين روائي جزائري، ويُعد من بين أبرز الأصوات الروائية الجزائرية المعاصرة التي تركت بصمة واضحة في المشهد الثقافي العربي الراهن. وصلت روايته البارزة "زنقة الطليان" إلى القائمة الطويلة للجائزة العالمية للرواية العربية (بوكر) في دورة عام 2022. وصدرت له روايات: "خرافة الرجل القوي"، "زنقة الطليان"، و"ثلاث حيوات لرجل واحد". وقد صدرت ثلاثيته الروائية مؤخراً في طبعات جديدة مشتركة عن دار الكتاب بتونس ومنشورات الشهاب في الجزائر. وقد أصدر في أدب الوباء كتابه اللافت "عدو غير مرئي"، وتُرجمت أعماله الروائية إلى عدة لغات عالمية من بينها الإيطالية، الصينية، والهندية، مما أكسب إبداعه بعداً دولياً.

يشغل بومدين عضوية الجمعية العمومية لمؤسسة "المورد الثقافي" في بيروت، وعضوية المجلس العلمي والتقني للمكتبة الوطنية الجزائرية. ساهم بخبرته في تحكيم العديد من البرامج والمنح الثقافية العربية والدولية الهامة، ومنها: برنامج "اتجاهات للسفر 2018"، و"البرنامج الاستثنائي لدعم الفنانين (كوفيد) 2020"، وصولاً إلى برنامج "مبادرات سريعة للثقافة والفنون 2026". ويشغل حالياً منصب أستاذ جامعي وباحث، وصدرت له عدة كتب ومؤلفات أكاديمية متخصصة، من أبرزها كتاب: "الاقتصاد الثقافي والإبداعي في الجزائر: رؤى واتجاهات مستقبلية".