واشنطن تحجب نموذج ذكاء اصطناعي 'أقوى من أن يُطلق'
واشنطن - دخلت المواجهة المحتدمة بين قطاع التكنولوجيا المتقدمة وإدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب منعطفا راديكاليا؛ إذ أُجبرت شركة "أنثروبيك" (Anthropic) الناشئة على التعليق الفوري والكامل لأحدث نماذجها الفائقة القدرة "كلود فيبل 5" (Claude Fable 5) و"ميثوس 5" (Mythos 5) بعد ثلاثة أيام فقط من إطلاقها التجاري، في خطوة كبحت جماح الطرح العام وأعادت إلى الواجهة السؤال العقائدي القديم: كيف تُصاغ حدود استخدام الذكاء الاصطناعي في الحروب والمراقبة؟
تأتي هذه الهزة التقنية بموجب أمر سيادي عاجل للرقابة على الصادرات صادر عن وزارة التجارة الأميركية تحت إدارة الوزير هوارد لوتنيك" وتسلّمته الشركة مساء الجمعة في تمام الساعة 17:21 (23:21 بتوقيت باريس).
وتذرع القرار بـ "سلطات الأمن القومي" لفرض حظر شامل يمنع أي مواطن أجنبي ــ سواء داخل الولايات المتحدة أو خارجها، بما في ذلك موظفو الشركة الأجانب ــ من الوصول إلى هذين النموذجين.
ونظراً لغياب الآليات التقنية لفرز المستخدمين حسب الجنسية، اضطرت "أنثروبيك" لتعطيل الخدمة فجأة عن جميع عملائها لضمان الامتثال، معلنةً أن بقية نماذجها الأقل قوة لن تتأثر.
"سوء تفاهم تقني"
وفقاً للتسريبات، تحركت واشنطن بعد رصد ثغرة تتيح "كسر الحماية" (Jailbreaking) والالتفاف على الضمانات الوقائية للنماذج.
وفي المقابل، وصفت "أنثروبيك" الخطوة بـ "سوء التفاهم"، معترضة على سحب نظام يخدم مئات الملايين بسبب ثغرات طفيفة. وأكدت الشركة:
لقد راجعنا محاكاة لهذه التقنية، وتبين أنها تكتشف ثغرات ثانوية معروفة مسبقاً، وتستطيع النماذج الأخرى المتاحة للعامة رصدها دون الحاجة لكسر الحماية.
وحذرت من أن تطبيق هذا المعيار المشدد سيؤدي "إلى شلل تام لعمليات نشر كافة نماذج الذكاء الاصطناعي المتقدمة في القطاع".
خلفية الصراع
تأتي هذه الأزمة لتعكس تحولا عميقا في "وادي السيليكون" الذي بات يجنح نحو اليمين تحت إدارة ترامب، مدفوعا بعقود دفاعية يسيل لها اللعاب ومخاوف من التفوق التكنولوجي الصيني. ويعيد هذا المشهد للأذهان عام 2018، عندما انتفض آلاف الموظفين في "جوجل" ضد "مشروع مافن" (Project Maven) لتحليل لقطات الطائرات المسيرة لصالح البنتاغون، واضعين خطاً أحمر شعاره: "غوغل يجب ألا تشارك في بيزنس الحروب".
لكن المعايير تبدلت جذريا؛ إذ ضيقت غوغل لاحقاً الخناق على النشاط الداخلي، وفصلت عام 2024 أكثر من 50 موظفاً تظاهروا ضد روابطها العسكرية مع إسرائيل، بل وأعلنت مؤخراً عن تزويد الجيش بنظام "جيميني" (Gemini) للمشاريع غير السرية.
وبالمثل، تراجعت "أوبن إيه آي" (OpenAI) عن حظرها التاريخي للاستخدام العسكري، وبات رئيس منتجاتها ضابطاً في "فيلق الابتكار التنفيذي" للجيش، كما أبرمت صفقة مع البنتاغون لاستخدام تقنياتها في الأنظمة العسكرية السرية، في نفس اليوم الذي واجهت فيه "أنثروبيك" التضييق الحكومي.
وفي زوايا أخرى، تقود شركات مثل "أندوريل" (Anduril) و"بالانتير" (Palantir) هذا التكامل؛ حيث تدير "بالانتير" حاليا "مشروع مافن" الذي بات ــ وفق تقارير ــ الاسم الحركي للنظام السري الذي يستخدمه العسكريون للوصول إلى نموذج "كلود" نفسه.
رغم اتهام البيت الأبيض لـ "أنثروبيك" بأنها مؤسسة "مفرطة في اللبرالية (woke)"، وتصنيف وزير الدفاع السابق "بيت هيغسيث" لها كـ "خطر على سلاسل التوريد" ــ وهو وصف يُخصص عادةً لشركات الدول المعادية ويمنع مقاولي الدفاع من استخدام برمجياتها ــ فإن موقف رئيسها التنفيذي، داريو أمودي، ليس سلمياً بالكامل.
ففي وثيقة نشرها مطلع العام، حذر أمودي من تهديدات الصين وتخليق أسلحة بيولوجية، وجادل بأن على الشركات تسليح الحكومات الديمقراطية لمواجهة الأنظمة الاستبدادية، معتبراً أن الاستخدام العسكري مقبول "شتى الطرق، باستثناء تلك التي تجعلنا نشبه خصومنا المستبدين"، مثل المراقبة الجماعية المحلية وتطوير أسلحة فتاكة ذاتية التحكم بالكامل.
وقد دفع هذا التصنيف الدفاعي شركة "أنثروبيك" إلى مقاضاة إدارة ترامب والبنتاغون قبل ثلاثة أيام، دافعةً بأن حرمانها من العقود ينتهك التعديل الأول للدستور. ورغم انتزاعها حكماً قضائياً يمنع مؤقتاً تنفيذ حظر البنتاغون بانتظار الفصل في القضية، فإن توجيه وزارة التجارة الأخير فرض عليها حصاراً جديداً.
السير على حبل مشدود وسط سباق البورصة
تضرب هذه الهزة العنيفة خطط "أنثروبيك" الاستراتيجية؛ إذ تأتي بالتزامن مع تقديمها ــ رفقة منافستها OpenAI ــ الأوراق الرسمية للاكتتاب العام والنزول إلى البورصة هذا الشهر.
وكان نموذج Fable 5 يمثل ذروة إنتاجها المتاح للعامة بفضل حواجز أمان تمنع تشغيله في مجالات خطرة كالهجمات البيولوجية. أما النسخة غير المقيدة Mythos 5، فكانت مخصصة لنحو 200 جهة سيادية ومؤسسة كبرى ــ مثل بنك "بي إن بي باريبا" (BNP Paribas) ــ ضمن برنامج سري أُطلق عليه "مشروع غلازوينغ" (Project Glasswing)، وهو نموذج قادر على رصد واستغلال الثغرات الأمنية بدقة أثارت قلق الأجهزة الاستخباراتية منذ الكشف عن نسخته التجريبية في أبريل الماضي.
وفيما تُظهر وثائق الدعوى القضائية أن "أنثروبيك" أبدت مرونة عالية مع الجيش عبر نظام (Claude Gov) ــ الأقل ميلا لرفض الطلبات العسكرية والتعامل مع البيانات السرية مقارنة بالنسخ المدنية ــ يصر أمودي على أن شركته لا تتدخل في القرار العملياتي للجيش الذي يستخدم "كلود" بالفعل لتحديد الأهداف في الحملات الجوية.
واختتم أمودي موقفه بالقول إن نقاط الالتقاء مع البنتاغون تتجاوز الخلافات، مضيفاً: "لقد أبلغنا وزارة الحرب بأننا موافقون على تقريباً 98% أو 99% مما يريدون فعله، باستثناء أمرين فقط".
وفي غضون ذلك، تسعى الشركة الناشئة لتسوية عاجلة لإعادة تشغيل نماذجها، بينما التزمت وزارة التجارة الأمريكية الصمت حيال استفسارات وكالات الأنباء.