واشنطن والرياض وباريس ترسم خارطة طريق لحصر السلاح اللبناني

باريس تحتضن اجتماعا يهدف إلى تهيئة ظروف أفضل لتحديد ودعم آليات حصر السلاح بيد الدولة اللبنانية والتحقق منها بما يدفع إسرائيل لوقف التصعيد.

باريس - تحتضن باريس اليوم الخميس محادثات بين قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل ومسؤولين سعوديين وأميركيين وفرنسيين تتركز على وضع اللمسات الأخيرة على خارطة طريق لتفعيل آلية لنزع سلاح حزب الله.

وينظر إلى "مبادرة باريس" كمحاولة لمقايضة الأمن بالسيادة، حيث يُعرض على لبنان دعم دولي وإعادة إعمار مقابل خطوات ملموسة في ملف السلاح. ولا يقاس النجاح بالنزع الشامل والفوري، بل بمدى قدرة الدولة على بسط سيطرتها التدريجية ومنع إسرائيل من الانفراد بالساحة اللبنانية.

وتشير تحليلات إلى أن لبنان اليوم أمام فرصة تاريخية مدعومة بزخم دولي، لكنها فرصة محفوفة بمخاطر الانقسام الداخلي. وقال أربعة دبلوماسيين ومسؤولين من أوروبا وبيروت إن اجتماع باريس يهدف إلى تهيئة ظروف أفضل لتحديد ودعم آليات حصر السلاح بيد الدولة اللبنانية والتحقق منها بما يدفع إسرائيل لوقف التصعيد، مع تزايد المخاوف من انهيار وقف إطلاق النار.

وأضافوا أن اقتراب موعد الانتخابات التشريعية التي ستجرى في لبنان في 2026 أثار المخاوف من أن يؤدي شلل سياسي إلى زيادة الاضطرابات في البلاد ويثني الرئيس جوزيف عون عن الضغط من أجل مواصلة عملية نزع السلاح.

وقال أحد المسؤولين الكبار، الذي طلب عدم ذكر اسمه، إن "الوضع مضطرب للغاية ومليء بالتناقضات ولن يتطلب الأمر الكثير لإشعال الموقف"، مضيفا أن "عون لا يريد أن يجعل عملية نزع السلاح علنية أكثر من اللازم لأنه يخشى من أن يؤدي ذلك إلى إثارة حفيظة الشيعة في الجنوب وتصعيد التوتر".

وقال الدبلوماسيون والمسؤولون إن الفكرة الأساسية ستتركز على تعزيز آلية وقف إطلاق النار بخبراء عسكريين فرنسيين وأميركيين وربما أيضا من دول أخرى إلى جانب قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة في ظل افتقار الجيش اللبناني للقدرات اللازمة لنزع سلاح حزب الله.

وأفاد متحدث باسم وزارة الخارجية الفرنسية في وقت لاحق من اليوم إن الأطراف السياسية التي اجتمعت في باريس اتفقت جميعها على عقد مؤتمر في فبراير شباط يهدف إلى دعم القوات المسلحة اللبنانية.

ويرى محللون أن اجتماع باريس لا يهدف إلى نزع شامل للسلاح في ليلة وضحاها، بل خلق بيئة ردع تقنية، في وقت تسعى فيه القوى الكبرى إلى تدويل الرقابة بما يجعل أي اعتداء إسرائيلي أو خرق من حزب الله مواجهة مع "إرادة دولية" وليس فقط مع الجيش اللبناني.

كما يهدف هذا التحرك  الفرنسي - السعودي - الأميركي إلى تقوية مركزية الدولة من خلال تعزيز صورة عون كقائد قادر على ضبط التوازنات، وهو ما يتضمن دلالات رئاسية مستقبلية.

ويواجه قائد الجيش رودولف هيكل حقل ألغام يتلخص في الخوف من صدام "جيش - شعب" في الجنوب قد يؤدي إلى حرب أهلية أو انقسام داخل المؤسسة العسكرية نفسها. كما يخشى القادة العسكريون والسياسيون من أن يُنظر إلى نزع السلاح كـ"أجندة خارجية"، مما قد يستفز القاعدة الشعبية للحزب.

ويقر الدبلوماسيون بأن الجيش اللبناني، بوضعه الحالي، لا يمتلك التفوق العسكري الكافي لنزع سلاح جماعة متمرسة دون دعم دولي مباشر ومستمر.

وبينما يضع المجتمعون في باريس اللمسات الأخيرة على آليات نزع السلاح، يبرز صوت الرفض من الضاحية الجنوبية والجنوب كجدار صدٍّ يهدد بتحويل "خارطة الطريق" إلى مجرد حبر على ورق. ويرى حزب الله، الذي أضعفته حرب 2024 لكنها لم تنهِ وجوده، في التحرك الثلاثي (الأميركي - السعودي - الفرنسي) محاولة لانتزاع بالسياسة ما عجزت عنه إسرائيل بالمدفع. هذا الرفض يضع العماد رودولف هيكل، أمام اختبار تاريخي: كيف ينفذ "إرادة دولية" دون أن يشعل "فتيل حرب أهلية"؟