وتبقى معضلة وقف الحرب في أخطر مراحلها

الواقع الميداني يشكل معضلة أمام تنفيذ المرحلة الثانية من خطة ترامب للسلام، التي لم توضّح الجهة التي ستتولى السلطة التنفيذية أو الأمنية في غزة خلال الفترة الانتقالية، 

تتجه الرؤية الإسرائيلية إلى إبقاء سيطرة أمنية على القطاع، وإشراف على المعابر الحدودية بعد الحرب، بينما تُفضّل الرؤية الأميركية انسحاباً تدريجياً لإسرائيل من غزة مع إشراف دولي مؤقت، إلى حين استلام السلطة الفلسطينية.

في المقابل، يؤكد الوضع الميداني استعادة حركة حماس سيطرتها على الأراضي التي انسحب منها الاحتلال، في ظل إعلانها عن استعدادها لترتيب انسحابها من السلطة وحكم القطاع. وتُعدّ الفجوة بين الرؤية الإسرائيلية والدولية لإدارة غزة وبين الواقع الفعلي على الأرض التحدي السياسي والأمني الأكبر في مرحلة ما بعد وقف إطلاق النار.

بعد الإعلان عن وقف إطلاق النار في غزة، ظهر واقع جديد على الأرض تركته الحرب في ما يتعلق بإدارة القطاع، فهناك تصريحات إسرائيلية حول رؤيتها لإدارته، ورؤية غربية ثالثة، في ظل بنود اتفاق غير محددة أو حاسمة تماماً.

يشكل الواقع الميداني معضلة أمام تنفيذ المرحلة الثانية من خطة ترامب للسلام، التي لم توضّح الجهة التي ستتولى السلطة التنفيذية أو الأمنية في غزة خلال الفترة الانتقالية، حيث أشار الاتفاق إلى أن "انسحاباً جزئياً للقوات الإسرائيلية إلى خطوط متفق عليها مع وقف إطلاق النار". كما أكد أحد بنود الخطة أن حماس "لن يكون لها دور في حكم غزة" بعد الحرب.

ميدانياً، استعادت حركة حماس السيطرة الأمنية في المناطق التي انسحبت منها قوات الاحتلال الإسرائيلية، وشنت حملة استهدفت الخارجين عن القانون خلال فترة الحرب. ويحيط بهذا الواقع تحديات لوجستية وإنسانية هائلة، فالبنية التحتية لغزة مدمَّرة بالكامل تقريباً، وحركة إدخال المساعدات لا تزال مقيدة من قبل الاحتلال، الذي يسيطر على حدود القطاع ومعابره المغلقة بالكامل، بما فيها معبر رفح على الحدود مع مصر.

وتتناقض الرؤية الإسرائيلية لإدارة القطاع بعد الحرب تماماً مع الواقع الميداني القائم، إذ يتطلع الاحتلال إلى نزع سلاح حركة حماس وإبعادها عن إدارة القطاع. وأكد بنيامين نتنياهو، رئيس وزراء حكومة الاحتلال، في أعقاب الموافقة على خطة ترامب الأخيرة والاتفاق على تنفيذ المرحلة الأولى منها، والتي ترتب عليها انسحاب جزئي لقوات الاحتلال من غزة وتبادل للأسرى، أن وقف إطلاق النار لا يعني نهاية المسألة، وأنه سيسعى لتفكيك القدرات العسكرية لحركة حماس بشكل كامل. كما صدرت تصريحات إسرائيلية رسمية حول نيتها تدمير جميع الأنفاق الموجودة في غزة بالقوة، إذ تطالب حكومة الاحتلال بوجود ضمانات أمنية صارمة لمنع إعادة تسليح غزة في المستقبل، أو استخدام بنيتها التحتية لأغراض عسكرية. وألمح نتنياهو إلى أن الاتفاق لا يشكل تقييداً كاملاً لمهام جيشه في غزة، وأن الاحتلال يحتفظ بحق العودة إلى العمل العسكري إذا لم تُنفَّذ الالتزامات.

وبذريعة عدم تسليم جميع جثث المحتجزين الإسرائيليين، وهو أمر غير واقعي في ظل الفترة الزمنية المتاحة والدمار الشديد في غزة، عمل الاحتلال بالفعل على خرق اتفاق وقف إطلاق النار الذي أُبرم قبل أيام من نجاح عملية تبادل الأسرى، كما قيّد تدفق المساعدات في الأيام التي تلت إعلان وقف إطلاق النار، إذ أبلغت سلطات الاحتلال الأمم المتحدة أنها ستقلّص حجم الشاحنات المسموح بها. أي إن الرؤية الإسرائيلية تتجه نحو إدارة أمنية مشددة مع إشراف كامل للاحتلال أو فترة انتقالية بظلال إسرائيلية، مع إقصاء كامل لحركة حماس من السلطة، كما ترفض تسليم تلك المهمة للسلطة الفلسطينية أيضاً.

أما الرؤية الدولية لإدارة القطاع، فتقع في موقع وسط بين الواقع الميداني وتطلعات الاحتلال، إذ أكد بيان نيويورك على ضرورة عودة إدارة القطاع إلى الفلسطينيين بعد انتهاء الحرب، وإن اشترط أن يأتي ذلك بعد إصلاح السلطة الفلسطينية. كما أشار البيان إلى نزع سلاح حركة حماس، لكنه لم يوضّح كيف يمكن تحقيق ذلك. وأشارت خطة ترامب للسلام، ذات المقترحات العشرين، إلى تشكيل إدارة انتقالية تحت إشراف دولي مؤقت، من قبل مؤسسات ودول مانحة، مع إشراك فلسطيني محدود، إلى حين ترتيب وضع فلسطيني رسمي مقبول. ويعني ذلك أن السلطة الفلسطينية ستكون شريكاً في التنسيق إلى حين استعادة السيطرة التدريجية. كما تطرح الخطة الأمريكية إنشاء قوة دولية أو متعددة الجنسيات تعمل على تأمين المرافق العامة، وتدريب قوات شرطة فلسطينية جديدة، ومراقبة عملية نزع السلاح.

ويبدو أن إسرائيل لا تريد أن تتحمّل مسؤولية الحكم المباشر في غزة، إلا أنها ترفض في الوقت نفسه ترك فراغ يمكن أن تملأه حركة حماس أو قوى فلسطينية أخرى، وهو ما يضعف أي إدارة انتقالية أو دائمة للقطاع، لأنها ستخضع لرقابة إسرائيلية دائمة. وبينما تفترض رؤى دولية إمكانية عودة السلطة لإدارة غزة، فإن كل ذلك يصطدم بواقع ميداني معقّد في القطاع، حيث يتقاسم الميدان تنسيق فصائلي وعائلي معقد يدير شؤون القطاع، كما كشفت عنه الحرب، ومن الصعب أن تُفرض عليه سلطة خارجية بعيدة عن نسيجه المجتمعي المتأصل. كما أن سكان غزة فقدوا الثقة في الضمانات الدولية التي فشلت في اتفاقيات سابقة لإعادة الإعمار وإنصاف السكان، ويستمر القلق من أن تشكل أي قوة انتقالية دولية "احتلالاً ناعماً".

لكن إلى أي مدى يمكن جسر الهوّة بين الواقع على الأرض، والمزعوم إسرائيلياً، والمطلوب دولياً؟ الجواب ببساطة أن الرؤيتين الإسرائيلية والدولية لن تنجحا في ضمان وقف إطلاق النار أولاً، وإدارة القطاع واقعياً بعد ذلك. فرؤية إسرائيل تشير إلى نيتها استمرار السيطرة بعد تبادل الأسرى لتحقيق أهدافها الاحتلالية في غزة، وهو أمر غير واقعي أو مقبول الآن، خصوصاً بعد أن تعهد قادة العالم في شرم الشيخ بضمان وقف الحرب، إلا إذا قبل العالم أن تتحدى إسرائيل تلك التعهدات. كما أن الرؤية الدولية تفتقر إلى الواقعية السياسية التي يفرضها الوضع الميداني في القطاع، وطبيعة الشعب الفلسطيني، ونوايا الاحتلال المعلنة والخفية.

قد يكون دور القوى الدولية لازماً الآن للتواجد في القطاع قبل ترتيب إجراءات الإدارة المدنية فيه، وذلك لضمان وقف حقيقي للحرب وردع الاحتلال عن مواصلة اعتداءاته وخرقه لاتفاق وقف إطلاق النار، كما يحدث فعلياً الآن. وتمهّد الإجراءات الإسرائيلية الحالية الخارقة لشروط الهدنة الطريق لمواصلة الحرب، إما بشكل مباشر أو بأشكال غير مباشرة، لم تعد خافية على الشعب الفلسطيني.

كما قد يكون من المفيد في مرحلة لاحقة، أي بعد ردع إسرائيل عن محاولتها العودة إلى الحرب بعد نجاح عملية تبادل الأسرى، ترتيب إدارة انتقالية للقطاع تكون في الأساس فلسطينية ومتفقاً عليها داخلياً من مختلف أطياف الشعب الفلسطيني، تعمل بتعاون وتنسيق دولي وعربي، بإشراف فني من الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي، وإشراف سياسي وأمني عربي، بدلاً من فرض إدارة انتقالية دولية أو "مجلس رقابة" خارجي. وقد يكون هذا النموذج الأكثر قابلية للتطبيق دون إعادة إنتاج الاحتلال. فقد أثبتت التجارب السابقة أن أي خطة إعمار من دون ترتيبات سياسية داخلية، وتقويض عملية شرعنة النظام السياسي الفلسطيني في غزة، لن تنجح.

لا بد من العودة إلى الحوار الوطني الفلسطيني الداخلي، بوساطة أو إشراف أو تنسيق عربي، أو بمبادرة فلسطينية خالصة، لترسيم واقع سياسي فلسطيني غائب اليوم. وأثبتت الرؤية الإسرائيلية التي تضع الاعتبارات الأمنية قبل السياسية أن الأمن لم يتحقق طوال العقود الماضية، لأن إسرائيل لم تُعر أي اهتمام للاعتبار السياسي الوطني الفلسطيني، بل سعت إلى تحطيمه. وبدون الإقرار بالشرعية الفلسطينية وحق الفلسطينيين في إقامة دولتهم المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية، وممارستهم للحياة الديمقراطية عبر انتخابات حرة ومباشرة، لن تنعم إسرائيل بالأمن والاستقرار.

إن ذلك يضمن تحقيق مسار واقعي على المستوى الفلسطيني الداخلي، وعلى مستوى علاقة الفلسطينيين بإدارة الاحتلال، كما يضمن النظر إلى مقاربة إعمار غزة بمنظور أكثر عمقاً وواقعية يعكس واقع المجتمع الفلسطيني ويضمن نجاح تلك المهمة الضرورية بعد وقف الحرب، وبشكل مختلف عن جميع الحروب السابقة، لأن القطاع برمته تعرض للتدمير. لذا يجب أن تُدار المساعدات ومشاريع الإعمار عبر مؤسسات فلسطينية، بإشراف مشترك مع الأمم المتحدة، في إطار خطة تنمية وتمكين فلسطينية متكاملة ومستقبلية تضمن مشاركة الفلسطينيين في رسم مستقبلهم، وتحولهم من مجرد متلقين للمساعدات وطموحات خارجية إلى شركاء في إعادة بناء وطنهم.

يُوصلنا ذلك إلى المطلب الدولي المركزي الذي ركز عليه مؤتمر نيويورك، وهو ضرورة حل الدولتين وإعلان الدولة الفلسطينية ذات القرار المستقل، البعيدة عن التبعية للاحتلال. قد تكون حرب غزة الأخيرة قد ذكّرت العالم بالخطر الكامن في تجاهل جذور القضية الفلسطينية، وبأن التغاضي عن استمرار الاحتلال وممارساته، رغم توقيع اتفاق أوسلو، وعدم التصدي لمخططات إسرائيل المدعومة بقوتها الفعلية على الأرض، لن يحسم القضية الفلسطينية، بل يمهّد لانفجار قادم.

من غير الممكن ضمان استقرار الأوضاع في غزة أو الضفة في ظل استمرار الرقابة الإسرائيلية الميدانية الدائمة، فطالما بقي الاحتلال سيبقى التوتر في فلسطين مستمراً. إن قيام دولة فلسطينية مستقلة قد يضمن الأمن أكثر من الوضع الاحتلالي القائم، فالتعاون المستقبلي المشترك الفلسطيني المصري الأردني مع إسرائيل لضمان الأمن يمكن أن يوفر استقراراً لجميع الأطراف. لا بد من إصدار بيان مبادئ مشترك (أممي – عربي – أوروبي – أميركي) يحدد نهاية الدور القتالي الإسرائيلي داخل القطاع وفق جدول زمني واضح، ويرفض "الوصاية المفتوحة" للاحتلال في غزة، ويوفر التزاماً بضمان انتقال منظم إلى هيئة مؤقتة. فالأطر الغامضة اليوم حول الانسحاب والقوة الدولية تمثل نقطة ضعف يجب معالجتها.

وتعكس وثيقة صادرة مؤخراً عن دائرة العمل الخارجي الأوروبية لتقييم خطة ترامب حول غزة جميع تلك المخاوف، وتحُث الاتحاد الأوروبي على تعزيز نفوذه في عملية تعافي القطاع. فقد أشارت الوثيقة إلى غموض الخطة، خصوصاً بشأن الدور الذي سيلعبه الفلسطينيون بعد الحرب، ودعت إلى ضرورة أن يكون الاتحاد عضواً في هيئة الإشراف على مجلس السلام المستقبلي، وأن يستعين ببعثة قائمة تُعرف باسم "بعثة المساعدة الحدودية الأوروبية في رفح" لتوفير وجود محايد كجهة خارجية على معبر رفح الحدودي بين غزة ومصر.

وفي الختام، لا بد من قرار دولي يصدر عن مجلس الأمن يقدم ضمانات واضحة وطويلة الأمد لحماية الفلسطينيين وتحقيق طموحهم السياسي المشروع في نيل الاستقلال، ويلزم إسرائيل بإنهاء احتلالها لفلسطين. وعلى المؤسسات الدولية والإقليمية أن تقدم غطاءً شرعياً يضمن تحقيق العدالة، وأن تركز على دعم المؤسسات الفلسطينية لتكون الطرف الرئيس في عملية بناء الدولة، بدلاً من فرض حلول خارجية. كما ينبغي على الدول العربية أن تلعب دور الضامن الإقليمي لا الوسيط العابر، لتكون طرفاً مركزياً في الضغط نحو الحل، حتى لا يكون وقف إطلاق النار مجرد هدنة مؤقتة تنتظر الانفجار التالي.