'يا قلبي لا تحزن' كتاب يزاوج بين النقد الاجتماعي والتأمل الثقافي
منذ العنوان الأثير الذي اختاره الكاتب رشدي توفيق عوض دميان لكتابه "يا قلبي لا تحزن" يدخل القارئ مباشرة في حالة وجدانية توازن بين الحزن والرجاء، بين الانكسار والأمل. وهو عنوان لا يقف عند حدود الشكوى، بل يشي بفلسفة كاملة في النظر إلى الحياة، إذ يقول المؤلف في مقدمته "قصدت به ومنه أن الحياة التي نعيشها، هي أنها كما تحمل في طياتها بعض البلايا والهموم والأزمات، كذلك تجئ بالأفراح والابتهاج والمسرات، لذلك فلا يوجد أي داعٍ للقلب لأن يقلق أو يحزن". هنا يتضح أن رشدي لا يكتب نصوصه بدافع التشاؤم أو البكاء على الأطلال، وإنما برغبة صافية في التصالح مع تناقضات الحياة، والبحث عن معنى وسط العواصف.
الكتاب الصادر عن دار الأدهم بتقديم من د.صلاح الشرقاوي زميل الكلية الملكية بلندن لعلاج السرطان، في جوهره مجموعة من المقالات والقصص الواقعية والخواطر التي كتبها المؤلف عبر سنوات طويلة، تراوحت بين الوطن الأم مصر وبلد الغربة بريطانيا. وهو بذلك يمثل سيرة غير مباشرة، أو ما يمكن وصفه بأدب الذاكرة، حيث تتداخل الطفولة والصبا والشباب بالشيخوخة المكتملة النضج. يقول رشدي بوضوح "هذا الكتاب الذي بين يديك، هو عبارة عن محصلة الخواطر والأفكار والانطباعات التي -كانت ولا تزال- تدور في ذهني خلال رحلة الحياة منذ أن بدأتها ووعيت عليها، وكنت أقوم بتسجيلها بين الحين والآخر بينما كنت في موطني الأول مصر، موطن ولادتي ونشأتي، وبعد أن انتقلت إلى إنكلترا لاستكمال دراستي، ثم الاستقرار فيها والتي أصبحت موطن غربتي، وإن كنت أرى أن كلاهما عبارة عن مجرد بقعة أرض من موطن الغُربة الصغير المحدود، في هذا العالم الكبير غير المحدود".
من هذه المقدمة، يبدأ الكتاب في رسم فسيفساء واسعة من الحكايات، بعضها واقعي وبعضها أقرب إلى التأمل، لكنها جميعاً تتقاطع عند نقطة أساسية: الإنسان في ضعفه وقوته، في حزنه وفرحه، في سخريته وجديته. في الفصل الأول المعنون بـ"قصص قصيرة واقعية"، نجد نصوصاً تجسد الحس الإنساني العميق عند المؤلف. من بينها قصة "وداعاً يا صديقي الذي لم أعرف اسمه" التي تحكي عن صاحب محل هندي في بريطانيا، كان يوزع على زبائنه الابتسامة كجزء من البضاعة. يصفه رشدي "كان يؤمن بأن الابتسامة هي من أهم السلع التي يجب أن يبيعها بدون مقابل لزبائنه حسب ما كان يصرح به دائماً، لذلك عمل جاهداً أن يُبْقى عليها، ولكنها كانت ابتسامة ذابلة ليست فيها حياة، وهكذا تحولت الابتسامة إلى مجرد "كليشيه" وتحصيل حاصل. لكن الحكاية تأخذ منحى مأساوياً حين يموت ابنه فجأة، فتخبو تلك الابتسامة التي كانت عنوانه. يموت الرجل نفسه بعد عام، ليبقى رشدي في مواجهة مرارة السؤال: لماذا لم يعرف حتى اسمه؟ يقول "حينئِذٍ تذكرت لماذا لم أحاول أن أسأل صديقي هذا عن اسمه، وأيضاً لم أحاول أن أسأل زوجته".
إنها قصة عن الغربة، وعن العلاقات العابرة التي قد تملأ حياتنا دفئاً رغم هشاشتها.
أما في قصة "القلادة المزيفة"، فيعود رشدي إلى مصر ليحكي عن فتاة فقدت قلادة استعارتها من صديقتها الغنية لحضور حفل، فتنهار خوفاً من الفضيحة، قبل أن تكتشف أن القلادة ليست سوى تقليد. تقول الصديقة "لا عليكٍ يا صديقتي العزيزة، عموماً القلادة التي أعطيتكٍ إيَّاها هي تقليد طبق الأصل من القلادة الأصلية التي أحتفظ بها مع مجموعة أخرى من المجوهرات في خزانة خاصة في أحد البنوك خوفاً من الضياع أو السرقة". القصة هنا ترسم مشهداً اجتماعياً عن الأوهام التي تبنيها المظاهر، وعن الحقيقة التي غالباً ما تكون أبسط بكثير مما نتخيل.
ومن النصوص اللافتة "جنازة الست فهيمة"، حيث يستخدم الكاتب لهجة عامية حميمة ليرثي امرأة بسيطة لم تحظ بالاهتمام في حياتها ولا حتى في موتها "متزعليش منهم يا ست فهيمة، يا أم قلب أبيض وكبير.. ما هو إنت طول عمرك صابرة، وحمَّـالة الأسيَّة من الصغير ومن الكبير.. كفاية عليك تعبتي في حياتك، واديكي كمان اتبهدلتي فـي مماتـك". هنا يعطي رشدي صوتاً للمهمشين، ويحوّل الجنازة المهملة إلى نص أدبي باقٍ.
في قصة "عمتي كواكب"، يظهر البعد الأخلاقي بجلاء، حيث تتبنى عمته طفلة لقيطة وتعلن أنها ابنتها، متحديةً المجتمع "اللي هيقول على البت دي بنت حرام هقطع خبره، دي من النهارده بنتي، واسمها 'بدور' ومحدش يجيب سيرتها بسوء!". وهنا نرى الوجه الإنساني المشرق في كتاب يبدو في جوهره دفاعاً عن البسطاء.
ولعل من أجمل الحكايات نص "حاجات البقرة والعصفور الصغير"، حيث يعرض الكاتب حواراً طفولياً بين شقيقتين حول الروائح والعصافير، لينتهي بمشهد حزين وطريف في آن واحد "معلش، أنا لازم أنزل علشان لا أتأخر، بس من فضلك (عيطي) إنتي عليه دلوقتي، وأنا بكرة لمّا أخلَّص الامتحان حأبقى (أعيَّط) عليه!!".. إنها لحظة تختزل التوتر بين البراءة وضغط الحياة الواقعية.
لكن واحدة من أعمق قصص الكتاب هي كريستين والأب الغائب الحاضر، يسرد رشدي فيها قصة فتاة فقدت والدها وهي في السادسة عشرة من عمرها، لكنها لم تكف عن التواصل معه عبر رسائل يومية، تكتبها وتلقيها في صندوق البريد.
"كانت كريستين في السادسة عشر من عمرها عندما مات والدها الذي كانت متعلقة به جدا، لأنه كان هو أيضاً متعلق بها إلى حدٍ كبير، وكان يدللها ويقضي معها الساعات الطوال يلاعبها ويحكي لها القصص والحكايات، كما كان يغمرها بالهدايا والحلويات وهي بعد طفلة صغيرة، وكان من أحد أسباب تعلقها به إلى هذه الدرجة، هو أن أمها لم تكن تعطيها من الحب والتدليل والاهتمام بنفس المقدار الذي كان والدها يفيض بها عليها دائماً، وبعد وفاة والدها الذي كانت تعتبره كل شيء في حياتها، وجدت كريستين نفسها في حالة من الحزن الشديد، وأصبحت وحيدة ومنعزلة تماماً، ولكنها ظلت تكتب له الرسائل التي كانت تكتبها بخط اليد، وذلك بصفة يومية، تحكي فيها له عن كل ما تفعله وتمر به يومياً في حياتها الخاصة، وعن المواد التي تدرسها في المدرسة والجامعة، وأيضاً عن علاقتها بأمها التي لم تكن على ما يُرام نظراً لشدة قسوتها عليها".
وفي رسالة لاحقة لها، بعد سنوات من موته، تقول "أبي الحبيب، لقد مرت سبع سنوات منذ أن رحلت وتركتني وحيدة... والأمر الأول، هو أنني أنهيت دراستي الجامعية، وتخرجت وحصلت على مرتبة الشرف، وسوف أستمر في الدراسة. والأمر الثاني، كنت قد وقعت في الحب، ولكنني فشلت، أعرف أنك لو كنت معي هنا لقتلته لأنه كان سبباً في تعاستي، ومع ذلك تمكنت من استعادة ثقتي بنفسي وأصبحت أقوى مما سبق...".
هذه القصة تكشف عن فكرة جوهرية: أن الحوار مع الغائب يظل وسيلة للنجاة، سواء كان الغائب أباً ميتاً أو إلهاً بعيداً، كما يظهر لاحقاً في نص "خطابات الأطفال إلى الله". ففي هذا النص، يورد المؤلف مجموعة من الخطابات التي كتبها أطفال في مدرسة إنكليزية إلى الله، بطلب من معلمتهم. والنتيجة كانت مزيجاً من الطرافة والبراءة والحكمة. كتبت طفلة صغيرة: "عزيزي الله، أشكرك على أنك أرسلت لي أخ صغير الذي جاء من بطن ماما، ولكني في الحقيقة كنت قد طلبت منك في صلاتي لك أن ترسل لي جرواً (كلباً) صغيراً!!".
بينما كتب طفل آخر"أعتقد أن قايين لم يكن سيقتل أخاه هابيل لو كان لكل منهما حجرته المستقلة".. ومن الطريف ما كتبته طفلة أخرى "عزيزي الله، كنا قد تعلمنا أن توماس إديسون هو الذي قام باختراع النور، ولكنهم يقولون لنا في مدارس الأحد أنك أنت الذي صنعته، لذلك فأنا متأكدة أن توماس إديسون قد سرق فكرة النور منك".
هذه الخطابات تكشف أن الأطفال، ببراءتهم، قادرون على طرح أسئلة وجودية عميقة تفوق أحياناً ما يكتبه الكبار، وهي بذلك تلتقي مع فلسفة الكتاب: أن الإنسان، صغيراً كان أو كبيراً، يظل محتاجاً إلى مخاطبة الغائب. ومع تقدم الفصول، نرى كيف ينتقل المؤلف إلى الهموم والشجون، حيث يكتب عن حال العقل والفكر في مصر، وعن النفاق والكذب، بلغة نقدية مباشرة. يقول: "عشت في أحدها مع 'حال العقل والفكر في مصر' وذلك من مفهوم شعبي يصرخ في غضب 'سيما أونطة، هاتوا فلوسنا'. وفي فصل آخر عرضت مرة أخرى عن 'محنة العقل والفكر'، وعن النفاق والمداهنة والكذب، كتبت 'يا دهوتي'، و'الكتبة والفريسيين". هنا يترك السرد القصصي ليدخل منطقة المقال الفكري، لكنه يحتفظ بنفس الروح الساخطة على الزيف.
أما في فصل اللغة العربية، فإن المؤلف يتحول إلى عاشق لغوي، يتأمل في أسرار العربية وغرائبها، ويصف تجربته قائلاً "عن اللغة العربية التي أحاول أن أتعلم السباحة في بحورها العميقة ولُجَجِهَا المُتَلَاطِمَة، كتبت 'حُرُوف التَشْكِيِل، وَعُذُوبَة وَطَلَاوَة النُطْق في اللُغَة العَرَبِيَة'". هنا تتجلى محبة اللغة ليس كأداة فقط، بل كعالم قائم بذاته.
وفي الفصل الأخير، المفارقات والغرائب، يعود إلى السخرية والمرح، فيروي عن بقال يبيع الجبن والجاز معاً، ثم يعود من الحج فيصرّ على أن يُعرف كـ"الحاج أبو منعم"، ويغير لافتة المحل لتعكس ذلك. ويكتب عن سائق أوتوبيس يناديه "يا صباح الفل على أجدع ضاكتور". هذه المفارقات تعكس نظرة ساخرة للحياة اليومية، تكمل صورة الكتاب بوصفه مزيجاً من الجد والهزل.
وفي النهاية، يضع المؤلف خلاصة تجربته بصدق نادر "إجمالاً، فإن هذا الكتاب هو عبارة عن مجموعة من كلمات وأحاديث ومشاعر تعودت أن أعيشها وأرددها بيني وبين نفسي، أردت أن أسجلها كتابةً، علها تكون ذات منفعة وفائدة لمن يقرؤها. ولا أدَّعي الكمال فيما أكتُب… ولكنني أسعى وأُحاول".
بهذا يصبح يا قلبي لا تحزن شهادة مكتوبة على حياة كاملة، تتراوح بين البساطة والعمق، بين السخرية والتأمل، بين الغربة والحنين. إنه كتاب ينتمي إلى جنس الأدب الإنساني المفتوح، حيث لا فرق بين السيرة والمقالة والقصة القصيرة، بل الكل يندمج في نص واحد، هدفه أن يقول لنا: ما دام القلب قادراً على الحكي، فلا داعي لأن يحزن.