ما بعد كورونا.. لا شيء سيبقى على حاله
باريس/برلين - أحدث تفشي فيروس كورونا المستجد في العالم هزّات عنيفة من المتوقع أن تستمر ارتداداتها لما بعد انتهاء الجائحة لتحدث بذلك شروخا في التحالفات السياسية والاقتصادية التقليدية المعروفة إن لم تنسفها وتعيد تشكيلها على ضوء بدء دول في استثمار الأزمة للتمدد وتعزيز نفوذها عبر القوة الناعمة على غرار ما فعلت الصين وروسيا.
وصحيح أن الصين التي ظهر فيها الفيروس للمرة الأولى في نهاية العام 2019، لاتزال تتحسب لموجة جديدة من الوباء وتعمل ليلا نهارا على ابتكار حلول تخفف من أثار الفيروس، إلا أنها لم تركن في ذروة الأزمة للتسليم بهذا الواقع ونشطت دبلوماسيتها باتجاه تعزيز علاقاتها الخارجية في الفضاءين الأوروبي والافريقي من خلال مئات الأطنان من المساعدات الطبية من كممات وأجهزة تنفس لأكثر الدول تضررا من وباء كوفيد 19 وعلى رأسهم ايطاليا وكذلك فعلت روسيا وكوبا وألبانيا.
وعلى الرغم من أن بكين وموسكو تواجهان ضغوطا داخلية شديدة بسبب تفشي الفيروس إلا أنهما تحركتا سريعا لملء الفراغ الذي أحدثه تردد أو تخاذل الاتحاد الأوروبي في دعم ايطاليا أكثر الدول الأوروبية تضررا من تفشي وباء كورونا.
وتشعر ايطاليا التي هي في خلافات عميقة مع الاتحاد الأوروبي، بأن التكتل خذلها في أوج محنتها. وتنذر العلاقة المتوترة بين الدولة العضو والتكتل الأوروبي بسبب جائحة كورونا بشروخ أعمق من تلك التي أحدثها الخلاف على ملف الهجرة وتباين المواقف حول الموازنة.
ومن غير المستبعد بعد انقضاء هذه الفترة العصيبة على ايطاليا وغيرها من دول العالم التي اجتاحها فيروس كورنا، أن تحذو روما حذو المملكة المتحدة بإعلان مشروع انفصال عن الاتحاد الأوروبي خاصة مع صعود الأحزاب الشعبوية المشككة في وحدة أوروبا.
وفي تصريح متأخر جدا، أعلنت بروكسل أنها تقف إلى جانب ايطاليا في محنتها، فيما عبرت دول مثل ألمانيا عن فتح مستشفياتها لاستقبال ضحايا ايطاليين لفيروس كورونا، وهي خطوة حظيت بتغطية إعلامية ودعاية بدا واضحا أن السياسي فيها طغى على الجانب الإنساني.
وهي دعاية لم تكن صائبة في معناها وتوقيتها، حيث جاءت بعد أن أغرقت روسيا والصين دولا أوروبية مشككة في الاتحاد الأوروبي بالمساعدات الطبية تحت شعار الصداقة والحب ومن الشعب إلى الشعب.
وقد يعيد فيروس كورنا تشكيل خارطة التحالفات والتكتلات الدولية والمؤكد أيضا أن شيئا لن يبقى على حاله بعد الجائحة التي فجرت معارك وجودية اختزلتها عمليات قرصنة جوية وبحرية لشحنات أدوية ومعدات طبية لمواجهة فيروس كورونا مارستها دول بحق دول أخرى.
وكان الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (الناتو) قد حذّر مؤخرا من تداعيات فيروس كورونا على المهمات العسكرية للحلف وعلى الحلف في حد ذاته، مشددا على ضرورة التحرك لاحتواء الأزمة الصحية التي فجرها تفشي كوفيد 19 في دول الحلف.
وقد قلصت الجيوش في مختلف أنحاء أوروبا عملياتها وفرضت لوائح أكثر صرامة على أفرادها في محاولة لمنع انتشار فيروس كورونا بينهم إذ يعيشون ويعملون متجاورين مما يجعلهم أكثر عرضة للإصابة.
ومن المهم منع انتشار الفيروس في الجيوش سواء لاعتبارات أمن أوطانها أو لأن الوحدات الخاصة في القوات البرية والبحرية والجوية استدعيت لمساعدة الحكومات في التصدي للفيروس في كثير من الدول.
وعلى سبيل المثال، نشرت ألمانيا 15 ألف جندي لمساعدة السلطات المحلية في التغلب على الأزمة بينما استدعت بولندا آلاف الجنود للقيام بدوريات في الشوارع التي يسري عليها الإغلاق وتعقيم المستشفيات وتعزيز حرس الحدود بحسب وزارة الدفاع البولندية.
وأبرزت التطورات على متن حاملة الطائرات الأميركية تيودور روزفلت خطر انتشار المرض بسرعة بين الجنود.
ورست حاملة الطائرات التي تعمل بالطاقة النووية والتي يعمل عليها 5000 فرد في غوام، وهي أرض أميركية، لفحص جميع من على متنها.
وأعفت البحرية الأميركية قائد حاملة الطائرات من منصبه بعد أن كتب خطابا يشير إلى المخاوف من نقص الإجراءات المناسبة لاحتواء المرض المعدي بشدة.
وكان قد طلب مساعدة طارئة لوقف تفشي فيروس كورونا على سفينته. وقد تأكدت إصابة العديد من الأشخاص على متن حاملة الطائرات 'ثيودور روزفلت'.
وقال في خطابه "لسنا في حالة حرب ولا ضرورة لأن يموت البحارة"، مشددا على ضرورة فرض حجر صحي على كل أفراد الطاقم تقريبا.
وأكد في المقابل أيضا أنه من المستحيل تطبيق تدابير التباعد الاجتماعي على متن حاملة الطائرات، حيث يعيش عدد كبير من البحارة في مساحات ضيقة.
وفي فرنسا وإيطاليا وإسبانيا وهي من بين أكثر الدول تضررا من الجائحة تم تقليص العمليات العسكرية أو تعليقها في بعض الأحيان.
وأمس الأحد قالت تركيا إنها حدت من تحركات قواتها في سوريا في الوقت الذي قفزت فيه حالات الإصابة بفيروس كورونا.
وقال المتحدث باسم قيادة الجيش الفرنسي الكولونيل فردريك باربري "اضطررنا لإلغاء العمليات البحرية غير الضرورية وعمليات الانتشار أو تعديل نطاقها".
وقال باربري أيضا إن السفن الحربية الفرنسية في مضيق هرمز لم تعد تتوقف في موانئ المنطقة باستثناء أبوظبي وإن العمليات الجوية تأثرت.
وقال الجيش الفرنسي يوم الجمعة إن 600 من أفراده في فرنسا أصيبوا بفيروس كورونا.
وتقدم وزارة الدفاع الإيطالية معلومات فقط عن إصابات الضباط وقالت إن رئيس هيئة الأركان سلفاتوري فرينا و12 آخرين أصيبوا بالمرض. وتوفي ضابط برتبة لفتنانت كولونيل.